فصل في الرد على من أجاز عليهم الصغائر

١٠ فقرات، ج ٢ ص ١٥٥

  1. كَمَا تَنْسَوْنَ فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي) وَقَال (لَقَد أذْكَرَني كَذَا وكَذَا آيَة كُنْت أُنْسِيتُها) فاعْلَم أكْرَمَك اللَّه أنَّه لَا تَعَارُض فِي هَذِه الْأَلْفَاظ، أَمَّا نَهْيُه عَن أَنّ يُقَال نَسِيت آيَة كَذَا فَمَحْمُول عَلَى مَا نُسِخ نَقْلُه مِن الْقُرْآن أَي أَنّ العفلة فِي هذا لَم تَكُن مِنْه وَلَكِن اللَّه تَعَالَى اضْطَرَّه إليها ليمحو مَا يَشَاء وَيُثبت وَمَا كان من سَهْو أَو غَفْلَة من قِبَلِه تَذَكَّرَهَا صَلُح أن يُقَال في أنس يوقد قِيل إنّ هَذَا مِنْه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم عَلَى طريق الاستحباب أَنّ يُضِيف الْفِعْل إِلَى خَالِقِه وَالآخَر عَلَى طريق الجَوَاز لاكْتِسَاب الْعَبْد فِيه وَإسْقَاطُه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم لَمّا أسْقَط من هَذِه الآيات جَائز عَلَيْه بَعْد بَلَاغ مَا أُمِر بِبَلَاغَة وَتَوصِيله إِلَى عِبَادِه ثُمّ يَسْتَذْكِرُهَا من أمَّتَه أَو من قَبْل نَفْسِه إلَّا ما قَضى اللَّه نَسْخَه وَمَحْوَه مِن

    الْقُلُوب وَتَرْك اسْتذْكَارِه، وَقَد يجُوز أن يَنْسى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم مَا هَذَا سَبيلُه كَرَّة وَيَجُوز أن يُنَسّيَه مِنْه قَبْل الْبَلَاغ مَا لَا يُغَيّر نَظْمًا وَلَا يُخَلّط حُكْمًا مِمَّا لَا يُدْخِل خَلَلًا فِي الخَبَر ثُمّ يُذَكّرُه إيّاه وَيَسْتَحيل دَوَام نِسَيَانِه لَه لِحِفْظ اللَّه كِتَابِه وَتَكْلِيفِه بَلَاغَه.

    ج ٢ ص ١٥٥
  2. فصل فِي الرد عَلَى من أجاز عَلَيْهِم الصغائر والكلام عَلَى ما احتجوا بِه فِي ذَلِك اعْلَم أن الْمُجَوّزِين لِلصَّغَائِر عَلَى الْأَنْبِيَاء مِن الْفُقَهَاء وَالْمُحَدّثِين وَمِن شَايَعَهُم عَلَى ذَلِك مِن الْمُتَكَلَّمِين احْتَجُّوا عَلَى ذَلِك بِظوَاهِر كَثِيرَة مِن

    ج ٢ ص ١٥٦الْقُرْآن وَالْحَدِيث إن التزموا ظَوَاهِرَهَا أفْضَت بهم إِلَى تَجْوِيز الْكَبَائِر وَخَرْق الإجْماع وَمَا لَا يَقُول بِه مُسْلِم فَكيْف وَكُلّ مَا احْتَجُّوا بِه مِمَّا اخْتُلِف الْمُفَسِّرُون فِي مَعْنَاه وَتَقَابَلَت الاحْتِمَالات فِي مُقْتَضَاه وَجَاءت أقاويل فِيهَا لِلسَّلَف بِخِلَاف مَا الْتَزَمُوه من ذَلِك فَإِذَا لَم يَكُن مَذْهَبُهُم إجْمَاعا وكان الخِلَاف فِيمَا احْتَجُّوا بِه قَدِيمًا وَقَامَت الدّلَالة عَلَى خَطَإ قَوْلِهِم وَصِحَّة غَيْرِه وَجَب تَرْكُه وَالمصِير إِلَى مَا صَحّ وَهَا نَحْن نَأْخُذ فِي النّظَر فِيهَا إن شَاء اللَّه، فمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى لِنَبِيّنا صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) ، وقوله (فاستغفر لذنبك والمؤمنين والمؤمنات) وقوله (وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ) وقوله (عفا الله عنك لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) وقوله (لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عظيم) وقوله (عَبَسَ

    وَتَوَلَّى أَنْ جاءه الأعمى) الآيَة وَمَا قَصّ من قِصَص غَيْرِه مِن الْأَنْبِيَاء كَقَوْلِه (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فغوى) وقوله (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ) الآيَة وَقَوْلُه عَنْه (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا) الآية وَقَوْلُه عَن يُونُس (سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظالمين) وَمَا ذَكَرَه من قِصَّة دَاوُد، وَقَوْلُه (وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فتاه فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ) إِلَى قَوْله (مآب) وقوله (ولقد همت به وهم بها) وَمَا قَصّ من قصته مَع إخوتِه، وَقَوْلُه عَن مُوسَى (فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) وقول النبي صلى القله عَلَيْه وَسَلَّم فِي دُعَائِه (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ) وَنَحْوَهُ من أدْعِيَتِه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم

    ج ٢ ص ١٥٧وَذَكَر الْأَنْبِيَاء فِي المَوْقِف ذُنُوبَهُم فِي حَدِيث الشَّفَاعَة، وَقَوْلُه (إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي فَأَسْتَغْفَرُ اللَّهَ) وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة (إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً) وَقَوْلُهُ تَعَالَى عَنْ نُوحٍ (وَإِلا تَغْفِرْ لى وترحمني) الآيَةَ، وَقَدْ كَانَ قَالَ اللَّه لَه (وَلا تخاطبي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إنهم مغرقون) وَقَال عَن إبْرَاهِيم (وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يوم الدين) وَقَوْلُه عَن مُوسَى (تبت إليك) وَقَوْلُه (وَلَقَدْ فَتَنَّا سليمان) إِلَى مَا أشْبَه هَذِه الظَّوَاهِر، فأمَّا احْتِجَاجُهُم يقوله (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) فَهَذَا قَد اخْتُلِف فِيه الْمُفَسِّرُون، فَقِيل المُرَاد مَا كَان قَبْل النُّبُوَّة وَبَعْدَهَا، وَقِيل المُرَاد مَا وَقَع لَك من ذَنْب وَمَا لَم يَقَع أعْلَمَه أنَّه مغَفُور لَه، وَقِيل المُتَقَدّم مَا كَان قَبْل النُّبُوَّة وَالمُتأخّر عِصْمتُك بَعْدَهَا، حَكَاه أَحْمَد بن نَصْر، وَقِيل المُرَاد بِذَلِك أمَّتَه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم وَقِيل المُرَاد مَا كَان عَن سَهو وَغَفْلَة وَتَأوِيل، حَكاه الطَّبَرِيّ واخْتَارَه

    الْقُشَيْرِيّ، وَقِيل مَا تَقَدَّم لِأَبِيك آدَم وَمَا تَأخَّر من ذُنُوب أُمَّتِك، حَكاه السَّمْرَقَنْدِيّ والسُّلَمِيّ عَن ابن عطاء وَبِمِثْلِه وَالَّذِي قَبْلَه يُتَأوّل قَوْله: (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) قَال مَكّيّ مُخَاطَبَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم ههُنَا هي مخالطبة لُأمَّتَه، وَقِيل إن النبي صلى اللَّه عليه وسلم لما أمر أن يَقُول (وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بكم) سُرّ بِذَلِك الكُفَّار فَأنْزَل اللَّه تَعَالَى (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) الآيَة وَبمآل الْمُؤْمِنين فِي الآية الْأُخْرَى بَعْدَهَا، قاله ابن عَبَّاس، فَمَقْصِد الآيَة أنك مَغْفُور لَك غَيْر مُؤَاخَذ بِذَنْب أَنّ لَو كَان، قال بَعْضُهُم: المَغْفِرَة ههُنَا تَبْرِئَة مِن الْعُيُوب، وَأَمَّا قَوْله (وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ)

    1. (قوله ومن شايعهم) أي تابعهم: من شيعة الرجل وهم أتباعه. (*)
  3. فَقِيل مَا سَلَف من ذَنْبَك قَبْل النُّبُوَّة وَهُو قَوْل ابن زَيْد والحسن وَمَعْنَي قَوْل قَتَادَة، وَقِيل مَعْنَاه أنَّه حُفِظ قَبْل نبوته منها وعصم، ولولا ذَلِك لأثقلت ظهره، حكى مَعْنَاه السَّمْرَقَنْدِيّ، وَقِيل المُرَاد بِذَلِك مَا أثقل ظهره من أعباء الرسالة حَتَّى بَلَّغهَا) حكاه الْمَاوَردِيّ والسُّلَمِيّ، وَقِيل حَطَطنْا عنك ثِقَل أيام الْجَاهِلِيَّة، حَكاه مَكّيّ، وَقِيل ثِقَل شُغْل سِرّك وحَيْرتك وطلب شريعتك حَتَّى شرعنا ذَلِك لك، حكى مَعْنَاه الْقُشَيْرِيّ، وَقِيل مَعْنَاه خففنا عَلَيْك مَا حُمَّلْت بِحِفْظنَا لَمّا استحفظت وحفظى عَلَيْك، ومعنى انقض ظهرك أَي كاد ينقصه فيكون الْمَعْنَى عَلَى من جَعَل ذَلِك لم قَبْل النُّبُوَّة اهْتِمَام النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم بِأُمُور فَعَلَهَا قَبْل النُّبُوَّة وحُرَّمَت عَلَيْه بَعْد النُّبُوَّة فَعَدَّها أوْزَارًا وَثَقُلَت عَلَيْه وأشْفَق مِنْهَا، أَو يَكُون الْوَضْع عِصْمَة اللَّه له وكِفَايَتَه من ذُنُوب لو كانت لأنفضت ظَهْرَه، أَو يَكُون من ثِقَل الرَّسَالَة أَو مَا ثَقُل عَلَيْه وَشَغَل قَلْبه من أُمُور الْجَاهِلِيَّة وإعْلَام اللَّه تَعَالَى لَه

    بِحِفْظ مَا استحفظيه من وَحْيِه، وَأَمَّا قَوْله (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لهم) فَأمْر لَم يَتَقَدَّم للنبي صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم فِيه مِن اللَّه تَعَالَى نَهْي فَيُعَدّ معصية وَلَا عَدَّه اللَّه تَعَالَى عَلَيْه مَعْصِيَة بَل لَم يَعُدَّه أَهْل الْعِلْم مُعَاتَبَة، وَغَلَّطُوا من ذَهَب إلى ذَلِك، قَال نِفْطَويْه وَقَد حَاشاه اللَّه تَعَالَى من ذَلِك بَل كَان مُخيَّرًا فِي أَمْرَيْن قَالُوا وَقَد كَان لَه أن يَفْعَل مَا شَاء فِيمَا لَم يُنْزَل عَلَيْه فِيه وَحْي فَكَيْف وَقَد قَال اللَّه تَعَالَى (فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ منهم) فَلَمّا أذِن لَهُم أعْلَمَه اللَّه بِمَا لَم يَطَّلِع عَلَيْه من سِرّهم أنَّه لَو لَم يَأْذَن لَهُم لَقَعَدُوا وَأنَّه لَا حَرَج عَلَيْه فِيمَا فَعَل وَلَيْس (عفا) ههُنَا بِمَعْنَي غَفَر بَل كَمَا قَال النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم) عَفَا اللَّهُ لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ) وَلَمْ

    ج ٢ ص ١٥٩تجِب عَلَيْهِم قَطّ أَي لَم يُلْزمْكُم ذَلِك، وَنَحْوَه لِلْقُشَيْرِيّ، قَال: وَإِنَّمَا يَقُول الْعَفْو لَا يَكُون إلَّا عَن ذَنْب: من لَم يَعْرف كَلَام الْعَرَب، قَال وَمَعْنَي عفا اللَّه عنك أَي لَم يلزمك ذنبا، قَال الدَّاوُديّ: رُوِي أنَّهَا كَانَت تَكْرِمه، قَال مكى هو استفحتاح كَلَام مِثْل أصْلَحَك اللَّه وَأعَزَّك، وَحَكى السَّمْرَقَنْدِيّ أَنّ مَعْنَاه عَافاك اللَّه، وَأَمَّا قَوْلُه فِي أُسَارى بد (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى) الآيَتَيْنِ فَلَيْس فِيه إلزام ذنب للنبي صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم بَل فِيه بَيَان مَا خُصّ بِه وَفُضّل من بَيْن سائر الْأَنْبِيَاء فَكَأنه قَال مَا كَان هَذَا لِنبيّ غيرك كَما قَال صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم (أُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لنَّبِيٍّ قَبْلِي) فَإِنّ قِيل فَمَا مَعْنَي قَوْله تَعَالَى: (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدنيا) الآية، قيل معنى: الْخِطَاب لمن أرَاد ذَلِك مِنْهُم وَتَجَّرد غَرَضُه لِغرَض الدُّنْيَا وَحدَه وَالاسْتِكْثَار مِنْهَا وَلَيْس المراد بَهَذَا النبي صلى الله عليه ولم وَلَا عَلَيْه أصْحَابِه، بَل قَد رُوِي عَن الضحاك أنها نَزَلَت حِين انْهَزَم المُشْرِكُون يَوْم

    بَدْر وَاشْتَغَل النَّاس بالسَّلَب وَجَمْع الْغَنَائِم عَن القِتَال حَتَّى خَشِي عُمَر أن يَعْطِف عَلَيْهِم الْعَدُوّ ثُمّ قال تَعَالَى: (لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ) فاخْتَلَف الْمُفَسِّرُون فِي مَعْنَي الآيَة فَقِيل: مَعْنَاهَا لولا أنَّه سَبَق مني أَنّ لَا أُعَذّب أحَدًا إلَّا بَعْد النَّهْي لَعَذَّبْتُكُم، فَهَذَا يَنْفِي أن يَكُون أمْر الأسْرى مَعْصِيَة، وَقِيل الْمَعْنَى: لولا إيمَانُكُم بِالْقُرْآن وَهُو الْكِتَاب السابق فاستوجبتم بِه الصَّفْح لَعُوقبْتُم عَلَى الغنائم، وَيُزَاد هَذَا القول تفسيرا

    ج ٢ ص ١٦٠وَبَيَانًا بأن يُقَال لَوْلَا مَا كُنْتُم مُؤْمِنين بالقرآن وَكُنْتُم مِمَّن أُحِلَّت لَهُم الْغَنَائِم لَعُوقِبْتُم كَمَا عُوقِب من تَعَدَّى، وَقِيل: لَوْلَا أنَّه سَبَق فِي اللّوح المَحْفُوظ أنَّهَا حَلَال لكم لَعُوقِبْتُم، فَهَذَا كله ينفي الذنب والمعصية لِأَنّ من فعل مَا أحل له لَم يعص، قَال اللَّه تَعَالَى: (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالا طيبا) وَقِيل: بَل كَان صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم قد خير فِي ذَلِك، وَقَد رُوِي عَن عَلِيّ رضي الله عَنْه قَال جَاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ بَدْرٍ فَقَالَ خَيْرُ أَصْحَابِكَ فِي الأُسَارَى إن شاؤا القتل وإن شاؤا الْفِدَاءَ عَلَى أَنْ يقتل منهم فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ مِثْلُهُمْ، فَقَالُوا الْفِدَاءُ وَيَقْتَلُ مِنَّا، وَهَذَا دليل عَلَى صِحَّة مَا قُلْنَا وَأَنَّهُم لَم يَفْعَلُوا إلَّا مَا أُذَن لَهُم فِيه لكِن بَعْضَهُم مال إلى أضْعَف الْوَجْهيْن مِمَّا كَان الْأَصْلَح غَيْرَه مِن الإثْخَان وَالقَتْل فعونبوا عَلَى ذَلِك وَبَيْن لَهُم ضَعْف اخْتيارِهِم وَتَصَويب اخْتِيَار غَيْرِهِم وَكُلُّهُم غَيْر عُصَاة وَلَا مُذْنِبِين وَإِلَى نَحْو هَذَا أشَار الطَّبَرِيّ، وَقَوْلُه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم فِي هَذِه الْقَضيَّة

    1. (قوله ولا علية) بكسر العين المهملة وسكون اللام: في الصحاح وعلى في الشرف بالكسر يعلى علا، ويقال أيضا بالفتح وفلان من علية الناس. وهو جمع رجل على: أي شريف رفيع، مثل صبى وصبية. (*)
    ج ٢ ص ١٥٨
  4. (لَو نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ عَذَابٌ مَا نَجَا مِنْهُ إِلَّا عُمَرُ) إِشَارَةً إِلَى هَذَا مِنْ تَصْويِبِ رَأْيِهِ وَرَأْيِ مَنْ أَخَذَ بِمَأْخَذِهِ فِي إِعْزَازِ الدِّينِ وَإظْهَار كَلِمَتِه وَإبادَة عَدُوّه وَأَنّ هَذِه القضية لو استوجبت عذابا نجا مِنْه عُمَر وعين عُمَر لِأَنَّه أَوَّل من أشَار بِقَتْلِهِم وَلَكِن اللَّه لَم يُقَدّر عَلَيْهِم فِي ذَلِك عَذَابًا لِحلّه لَهُم فِيمَا سَبَق، وَقَال الدَّاوُدِيّ والخَبَر بَهَذَا لَا يَثْبُت، وَلَو ثَبَت لَمّا جَاز أن يُظَنّ أَنّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم حَكَم بِمَا لَا نَصّ فِيه وَلَا دَلِيل من نَصّ وَلَا جُعِل الْأَمْر فِيه إليْه وَقَد نَزَّهَه اللَّه تَعَالَى عَن ذَلِك، وَقَال الْقَاضِي بَكْر بن الْعَلَاء أخبر الله تعالى نبه فِي هَذِه الآيَة أَنّ تَأْوِيلَه وَافق مَا كَتَبَه لَه من إحْلَال

    ج ٢ ص ١٦١الغنائم وَالفداء وَقَد كان قبل هَذَا فادَوْا فِي سرية عَبْد اللَّه بن جَحْش التي قُتِل فِيهَا ابن الْحَضْرَمِيّ بِالْحَكَم بن كَيْسَان وَصَاحِبِه فَمَا عَتَب الله عليهم وذلك قبل بَدْر بأزْيَد من عَام، فهذا كله يَدُلّ عَلَى أن فِعْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم فِي شَأْن الأسْرَى كَان عَلَى تأوِيل وَبَصِيرَة وَعَلَى مَا تَقَدّم قَبْل مِثْلُه فَلَم ينكره اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِم لَكِن اللَّه تَعَالَى أرَاد لِعِظَم أمْر بَدْر وَكَثْرَة أسْرَاهَا والله اعْلَم إظَهَار نِعْمَتِه وَتَأكِيد منَّتِه بِتَعْرِيفهِم مَا كَتَبَه فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ من حِلّ ذَلِك لَهُم لَا عَلَى وَجه عِتَاب وَإنْكَار وَتَذْنِيب، هَذَا مَعْنَي كلامه، وَأَمَّا قَوْله (عَبَسَ وَتَوَلَّى) الآيات فَلَيْس فِيه إثْبَات ذَنْب لَه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم بَل إعْلَام اللَّه أَنّ ذَلِك المُتَصَدّي لَه مِمَّن لَا يَتَزَكَّى وأن الصَّوَاب وَالأوْلَى كَان لَو كُشِف لَك حَال الرَّجُلَيْن الإقْبَال عَلَى الأعْمَى وَفِعْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم لَمّا فَعَل وَتَصَدّيه لِذاك الكافر كان طَاعَة لله وتَبْلِيغًا عَنْه وَاسْتِئْلَافًا لَه كَمَا شَرَعَه اللَّه لَه لَا مَعْصِيَة وَمُخَالَفَة لَه وَمَا قِصَّة اللَّه عَلَيْه من ذَلِك إعْلَام بِحال الرَّجُلَيْن وتَوْهِين أمر الكافِر

    عِنْدَه وَالإشَارَة إِلَى الإعْرَاض عَنْه بِقَوْلِه وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى وَقِيل أرَاد بِعَبَس وَتَوَلَّى الكافِر الَّذِي كَان مَع النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم قالَه أَبُو تُمَّام * وَأَمَّا قِصَّة آدَم عَلَيْه السَّلَام وَقَوْلُه تَعَالَى (فَأَكَلا منها) بعد قوله (وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) وقوله (أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تلكما الشجرة)

    1. (قوله فِي سرية عَبْد الله بن جحش) هذه السرية كانت في رجب من السنة الثانية وكان مع عبد الله ثمانية رهط من المهاجرين ولم يكن معه من الأنصاري أحد (قوله وذلك قبل بَدْر بأزْيَد من عام) قيل بل كلاهما في سنة واحدة، تلك في رجب وبدر في رمضان. (*)
  5. وَتَصْريحُه تَعَالَى عَلَيْه بالمَعْصِيَة بِقَوْلِه تَعَالَى (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فغوى) أَي جهل وَقِيل أخْطَأ فإنّ اللَّه تَعَالَى قَد أخْبَر بعذره بقوله (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ له عزما) قَال ابن زَيْد نَسِي عَدَاوَة إبْلِيس لَه وَمَا عَهِد اللَّه إليْه من ذَلِك بِقَوْلِه (إن هَذَا عَدُوٌّ لَكَ لزومك) الآيَة، قِيل نَسِي ذَلِك بِمَا أظْهَر لهما، وَقَال ابن عَبَّاس إنَّمَا سُمّي الْإِنْسَان إنْسانًا لِأَنَّه عُهد إليْه فَنَسِي وَقِيل لَم يَقْصِد الْمُخَالَفة اسْتِحْلالًا لَهَا وَلكِنَّهُمَا اغْتَرَّا بِحَلِف إبْلِيس لهما (إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ) تَوَهَّمَا أَنّ أحَدًا لَا يَحْلِف بالله حانِثًا وَقَد رُوِي عُذْر آدَم بمثْل هَذَا فِي بَعْض الآثار، وَقَال ابن جُبَيْر حَلَف بالله لهما حَتَّى غَرَّهُمَا وَالْمؤْمِن يُخْدع وَقَد قِيل نسِي وَلَم يَنْو الْمُخَالَفَة فَلِذَلِك قَال (وَلَمْ نَجِدْ له عزما) أَي قَصْدًا لِلْمُخَالفَة وَأكْثَر الْمُفَسّرِين عَلَى أَنّ العَزْم هنا الْحَزْم وَالصّبْر وَقِيل كَان عِنْد أكْلِه سكران وهذا فيه ضعف لِأَنّ اللَّه تَعَالَى وَصَف خَمْر الْجَّنة أنَّهَا لَا تُسْكِر فَإِذَا كَان ناسِيًا لَم تكن مَعْصِيَة وَكَذَلِك إن كَان ملبسًا عَلَيْه غَالِطًا إِذ الاتّفَاق عَلَى خُرُوج النّاسِي والسَّاهي عَن حُكْم

    التَّكلِيف، وَقَال الشَّيْخ أَبُو بَكْر بن فورك وغيره إنَّه يُمْكن أن يَكُون ذَلِك قَبْل النُّبُوَّة ودليل ذَلِك قَوْله (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عليه وهدى) فَذَكَر أَنّ الاجْتِبَاء والهِدَاية كَان بَعْد العِصْيَان وَقِيل بَل أكَلَهَا متَأوّلًا وَهُو لَا يعلم أنَّهَا الشجرة التي نهي عَنْهَا لِأَنَّه تأول نهى اللَّه عَن شجرة مخصوصه لَا عَلَى الجنس، ولهذا قِيل إنَّمَا كَانَت التَّوْبَة من ترك التحفظ لَا مِن المخالفة، وَقِيل تأول أَنّ اللَّه لم ينهه عَنْهَا نهي تحريم.

    ج ٢ ص ١٦٢
  6. فَإِنّ قِيل فعَلَى كُلّ حال فَقَد قَال اللَّه تَعَالَى (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فغوى، وقال: فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى) وَقَوْلُه فِي حَدِيث الشَّفَاعَة ويذكر ذنبه وإني

    ج ٢ ص ١٦٣نهيت عَن أكل الشجرة فعصيت: فسيأتي الجواب عَنْه وَعَن أشباهه مجملًا آخر الْفَصْل إن شَاء اللَّه، وَأَمَّا قِصَّة يُونُس فَقَد مَضَى الْكَلَام عَلَى بَعْضَهَا آنفا وليس فِي قِصَّة يونس نص عَلَى ذنب وِإنما فِيهَا أبق وذهب مغاضبًا وَقَد تكلمنا عَلَيْه، وقيل إنما نقم اللَّه عَلَيْه خروجه عَن قومه فارا من نزول العذاب، وَقِيل بَل لَمّا وعدهم العذاب ثُمّ عفا اللَّه عَنْهُم قَال: والله لَا ألقاهم بوجه كذاب ابدًا وَقِيل بَل كَانُوا يقتلون من كذب فخاف ذَلِك، وَقِيل ضعف عَن حمل أعباء الرسالة.

  7. وَقَد تقدم الْكَلَام أنَّه لَم يكذبهم، وَهَذَا كله لَيْس فِيه نص عليه معصية إلَّا عَلَى قوله مرغوب عَنْه وَقَوْلُه (أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) قَال الْمُفَسِّرُون تباعد، وَأَمَّا قَوْله (إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) فاظلم وضع الشئ فِي غَيْر موضعه فَهَذَا اعتراف مِنْه عِنْد بَعْضُهُم بِذَنْبِه فإمَّا أَنّ يَكُون لِخُرُوجِه عَن قَومِه بِغَيْر إذْن رَبَّه أَو لِضَعْفِه عَمَّا حمَّلَه أَو لِدُعَائِه بالْعَذَاب عَلَى قومه، وَقَد دَعَا نُوح بِهَلَاك قَوْمِه فَلَم يُؤاخَذ، وَقَال الوَاسِطيّ فِي مَعْنَاه نَزَّه رَبَّه عَن الظُّلْم وَأضَاف الظُّلْم إِلَى نَفْسِه اعْتِرَافًا وَاستِحْقَاقًا ومثل هَذَا قَوْل آدَم وَحوَاء (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا) إذ كانا السَّبَب فِي وَضْعِهِمَا فِي غَيْر المَوْضِع الَّذِي انْزلا فِيه وَإخْرَاجِهِمَا مِن الْجَّنة وَإِنْزَالِهَمَا إلى الْأَرْض * وَأَمَّا قِصَّة دَاوُد عَلَيْه السَّلَام فَلَا يَجِب أن يُلْتَفَت إلى مَا سَطَّرَه فِيه الأخْبَارِيُّون عَن أَهْل الكِتَاب الَّذِين بَدّلُوا وغَيَّرُوا وَنَقَلَه بَعْض الْمُفَسّرِين وَلَم يَنُصّ اللَّه عَلَى شئ من ذَلِك وَلَا وَرَد فِي حَدِيث صحيح والذي نَصّ اللَّه عَلَيْه قَوْله: (وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ) إِلَى قَوْله: (وحسن مآب) وقوله في أواب فمعنى

    ج ٢ ص ١٦٤فتناه اخبرناه وأوَّاب قَال قتادة مُطيع وَهَذَا التَّفْسِير أوْلى، قَال ابن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود: مَا زَاد دَاوُد عَلَى أَنّ قَال لِلرَّجُل أنْزل لِي عَن امْرَأتِك وَأكْفِلْنِيهَا فَعَاتَبَه اللَّه عَلَى ذَلِك وَنَبَّهَه عَلَيْه وَأنْكَر عَلَيْه شُغْلَه بالدُّنْيَا وَهَذَا الَّذِي يَنْبَغِي أن يُعَوَّل عَلَيْه من أمْرِه وَقِيل خَطَبَهَا عَلَى خِطْبَتِه، وَقِيل بَل أخب بَقَلْبِه أن يُسْتَشْهَد، وحَكَى السَّمْرَقَنْدِيّ أَنّ ذَنْبَه الَّذِي اسْتَغْفَر مِنْه قَوْله لأحَد الخَصْمَيْن لَقَدْ ظَلَمَكَ فَظَلَّمَه بَقَوْل خَصْمِه، وَقِيل بَل لَمّا خَشِي عَلَى نَفْسِه وظَنّ مِن الْفِتْنَة بِمَا بُسَط لَه مِن الْمُلْك وَالدُّنْيَا، ولى نَفْي مَا أضِيف فِي الْأَخْبَار إِلَى دَاوُد ذَهَب أَحْمَد بن نَصْر وَأَبُو تَمَّام وَغَيْرِهِمَا مِن المُحَقّقِين، قَال الدَّاوُدِيّ: لَيْس فِي قِصَّة دَاوُد وَأُورِيا خَبَر يثْبُت وَلَا يُظَنّ بِنَبِيّ مَحَبَّة قَتْل مُسْلِم وَقِيل إنّ الخَصْمَيْن اللَّذِين اخْتَصَمَا إليْه رَجُلَان فِي نِتَاج غَنَم عَلَى ظَاهِر الآية * وَأَمَّا قِصَّة يُوسُف وَإخْوَتِه فَلَيْس عَلَى يُوسُف مِنْهَا تَعَقَّب وَأَمَّا إخْوَتُه فَلَم تَثْبُت نُبُوَّتُهُم فَيلْزَم الْكَلَام عَلَى أفْعَالِهِم وَذِكْر الْأَسْبَاط وعدهم في القرآن عند ذكر الأنبياء، قال المفسرون

    يريد مِنْ نَبِيٍّ مِنَ أبناء الأسباط وَقَد قِيل إنَّهُم كَانُوا حِين فَعَلُوا بِيُوسُف مَا فَعَلُوه صِغَار الأسْنَان ولهذا لَم يُمَيّزُوا يُوسُف حِين اجْتَمَعُوا بِه ولهذا قَالُوا أَرْسِلْه معنا غَدًا نَرْتَع وَنَلْعَب وإن ثَبَتَت لَهُم نُبُوَّة فَبَعْد هَذَا والله أَعْلَم، وَأَمَّا قَوْل اللَّهُ تَعَالَى فِيه (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أن رأى برهان ربه) فَعَلى مَذْهَب كثير من الفقهاء والمحدثين أنهم النَّفْس لَا يُؤَاخُذ به وليس سَيّئة لِقَوْلِه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم عَن ربه (إذ هَمَّ عَبْدِي بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً) فَلَا مَعْصِيَة فِي هَمّه إذا

    ج ٢ ص ١٦٥وَأمَّا عَلَى مَذْهَب المُحَقّقِين مِن الفُقَهَاء وَالْمُتكلّمِين فَإِنّ الْهَمّ إذا وظنت عَلَيْه النَّفْس سَيّئَة وَأَمَّا مَا لَم تُوَطَّن عَلَيْه النَّفْس من هُمُومِهَا وَخَوَاطِرِهَا فَهُو الْمَعْفُوّ عَنه وَهَذَا هُو الْحَقّ فَيَكُون إن شَاء اللَّه همّ يُوسُف من هَذَا وَيَكُون قَوْله (وما أبرى نفسي) الآيَة أَي مَا أُبَرَّئُهَا من هَذَا الهَمّ أَو يَكُون ذَلِك مِنْه عَلَى طرق التّوَاضُع وَالاعْتِرَاف بِمُخَالَفَة النَّفْس لَمّا زُكّي قَبْل وبرى فَكَيْف وَقَد حكى أَبُو حَاتِم عَن أَبِي عَبِيدة أَنّ يُوسُف لَم يَهُم وَأَنّ الْكَلَام فِيه تقديم وتأخير أَي وَلَقَد همت بِه ولولا أَنّ رَأَى برهان رَبَّه لَهُم بِهَا وَقَد قَال اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَن المرأة (وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ) وَقَال تَعَالَى (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ) وَقَال تَعَالَى (وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ الله إنى رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ) الآيَة قِيل فِي رَبّي اللَّه وَقِيل الْمُلْك وَقِيل هَمّ بِهَا أَي بزجْرِهَا وَوَعظها وَقِيل همّ بِهَا أَي غَمَّهَا امتناعه عنها وَقِيل هم بِهَا نَظَر إِلَيْهَا وَقِيل هُم بضربها دفعها وَقِيل هَذَا كله كَان قَبْل نبوته، وَقَد ذَكَر

    1. (قوله إنما نقم) بفتح القاف، وقد تكسر. (*)
    2. (قوله أو رياء) بفتح الهمزة وسكون الواو كسر الراء بعدها مثناة تحتية وهمزة ممدودة (*)
  8. بَعْضُهُم مَا زال النّسَاء يملن إِلَى يُوسُف ميل شهوة حَتَّى نبأه اللَّه فألقى عَلَيْه هيبة النُّبُوَّة فشغلت هيبته كُلّ من رآه عَن حسنه * وَأَمَّا خبر موسى صلى الله عليه وسلم مَع قَتِيلِه الَّذِي وَكَزَه وَقَد نص اللَّه تَعَالَى أنَّه من عَدُوّه وَقِيل كَان مِن القِبْط الَّذِين عَلَى دِين فِرْعَوْن وَدَلِيل السُّورَة فِي هَذَا كله أنَّه قَبْل نُبُوَّة مُوسَى، وَقَال قَتَادَة وَكَزَه بالعَصَا وَلَم يَتَعَمَّد قَتْلَه فَعَلَى هَذَا لَا مَعْصيَة فِي ذَلِك، وَقَوْلُه هَذَا مِنْ عَمَلِ الشطان وَقَوْلُه ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغفر لى

    ج ٢ ص ١٦٦قَال ابن جُرَيج قَال ذَلِك من أجل أنَّه لَا يَنْبَغِي لِنَبِيّ أن يَقْتُل حَتَّى يُؤْمَر، وَقَال النَّقَّاش: لَم يَقْتُلْه عَن عَمْد مُرِيدًا لِلْقَتْل وَإِنَّمَا وَكَزَه وَكزَة يُريد بِهَا دَفْع ظُلْمِه قَال وَقَد قِيل أن هَذَا كان قبل النبوة وهو مقتضى للتلاوة وَقَوْلُه تَعَالَى فِي قصته (وفتناك فتنا) أي ابْتَلَيْناك ابْتِلَاء بَعْد ابْتِلَاء قِيل فِي هَذِه الْقِصَّة وَمَا جَرَى لَه مَع فِرْعَوْن وَقِيل إلماؤه فِي التَّابُوت وَاليَمّ وَغَيْر ذَلِك وَقِيل معناه أخْلَصْنَاك إخْلاصًا قَاله ابن جُبَيْر وَمُجَاهِد من قَوْلِهِم فَتَنْت الفِضَّة فِي النَّار إذَا خَلَّصْتَهَا وَأَصْل الفتنة معنى الاحتبار وإظْهَار مَا بَطَن إلَّا أنَّه اسْتُعْمِل فِي عَرْف الشَّرْع وفى اخْتِبَار أدَّى إلى مَا يُكْرَه وَكَذَلِك مَا رُوِي فِي الْخَبَر الصَّحِيح من أَنّ مَلَك الْمَوْت جاءَه فَلَطَم عَيْنَه فَفَقَأها (الْحَدِيث) لَيْس فِيه مَا يُحْكَم عَلَى مُوسَى عَلَيْه السَّلَام بالتَّعَدّي وَفِعْل مَا لَا يَجِب إِذ هُو ظَاهِر الأَمْر بَيْن الْوَجْه جائز الفِعْل لَأن مُوسَى دَافَع عَن نَفْسِه من أتاه لإتْلافِهَا وَقَد تُصُوّر لَه فِي صورة آدمِي وَلَا يُمْكِن أنَّه عَلِم حِينَئذ أنَّه مُلْك المَوْت فَدَافَعَه عَن نَفْسِه مُدَافَعَة أدّت إِلَى ذَهَاب عَيْن تِلْك الصُّورَة التي تَصَوَّر لَه فِيهَا المَلك امْتِحَانًا مِن اللَّه فَلَمّا جاءَه بَعْد وَأعْلَمَه اللَّه تَعَالَى أنَّه رَسُولُه إليْه اسْتَسْلَم،

    وَلِلْمُتَقَدّمِين وَالمُتأخَرِين عَلَى هَذَا الْحَدِيث أجْوِبَة هَذَا أسَدُّها عِنْدِي وَهُو تَأْوِيل شَيْخِنَا الْإِمَام أَبِي عَبْد اللَّه المازِرِيّ وَقَد تَأوَّلَه قَدِيمًا ابن عَائِشَة وَغَيْرِه عَلَى صَكّه وَلَطْمِه بالحُجَّة وفقء عَيْن حُجَّتِه وَهُو كَلَام مُسْتَعْمَل فِي هذا الْبَاب فِي اللُّغَة وَمَعْرُوف * وَأَمَّا قِصَّة سُلَيْمَان وَمَا حَكى فِيهَا أَهْل التَّفَاسِير من ذَنْبِه وَقَوْلُه وَلَقَدْ فَتَنَّا سليمان فَمَعْنَاه ابْتَلَيْنَاه وابْتِلاؤُه مَا حُكِي عَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم أنَّه قَال: (لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى مِائَةِ امْرَأَةٍ أَوْ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ

    ج ٢ ص ١٦٧كُلُّهُنَّ يَأْتِينَ بِفَارسَ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: قُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَمْ يقل.

    1. (قوله وقد حكى أبو حاتم) هو الإمام الحافظ الكبير محمد بن إدريس المنذر توفى سنة سبع وسبعين ومائتين. (*)
    2. (قوله أسدهما) بالسين المهملة، من السداد. (*)
  9. فلم تحمل منهن إلَّا وَاحِدَة جَاءَت بِشقّ رَجُل قَال النبي صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بِيَدِهِ لَوْ قَالَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) قَال أَصْحَاب المَعَاني: وَالشَّقّ هُو الجَسَد الَّذِي أُلْقِي عَلَى كُرْسِيّه حِين عُرِض عَلَيْه وَهِي عُقُوبَتُه وَمِحْنَتُه وَقِيل بَل مات فَأُلْقِي عَلَى كُرْسِيّه مَيّتًا، وَقِيل ذَنْبُه حِرْصُه عَلَى ذَلِك وَتَمَنّيه، وَقِيل لِأَنَّه لَم يَسْتَثْن لَمّا اسْتَغْرَقَه مِن الْحِرْص وَغَلَب عَلَيْه مِن التَّمَنّي وَقِيل عُقُوبَتُه أن سُلِب مُلْكه وَذَنْبُه أن أحَبّ بِقَلْبِه أن يَكُون الْحَقّ لأخْتَانِه عَلَى خَصْمِهِم وَقِيل أوخِذ بِذَنْب قارَفَه بَعْض نِسَائِه وَلَا يَصِحّ مَا نَقَلَه الأخْبَارِيُّون من تَشبُّه الشَّيْطَان بِه وَتَسَلُّطِه عَلَى مُلْكِه وَتَصرُّفِه في أمته بالجور فِي حُكْمِه لِأَنّ الشياطين لَا يُسَلَّطُون عَلَى مِثْل هَذَا، وَقَد عُصِم الْأَنْبِيَاء من مِثِلِه، وإن سُئِل لِمَ لَمْ يَقُل سُلَيْمَان فِي الْقِصَّة المَذْكُورَة إن شَاء اللَّه؟ فَعَنْه أجْوبَة أَحَدُهَا مَا رُوِي فِي الْحَدِيث الصَّحِيح أنَّه نَسي أن يَقُولَهَا وَذَلِك ليفذ مُرَاد اللَّه، والثاني أنَّه لَم يَسْمَع صَاحِبَه وَشُغْل عَنْه وَقَوْلُه (وَهَبْ لِي مُلْكًا لا ينبغي لأَحَدٍ

    مِنْ بَعْدِي) لَم يَفْعَل هَذَا سُلَيْمَان غَيْرِه عَلَى الدُّنْيَا ولا نقاسة بِهَا وَلَكِن مَقْصِدُه فِي ذَلِك عَلَى مَا ذَكَرَه الْمُفَسِّرُون أن لَا يُسَلَّط عَلَيْه أَحَد كما سُلّط عَلَيْه الشَّيْطَان الَّذِي سَلَبَه إيَّاه مسدة امتحانه على قوله من قَال ذَلِك.

  10. وَقِيل بَل أرَاد أن يَكُون لَه مِن اللَّه فَضِيلَة وَخَاصَّة يَخْتَصّ بِهَا كاخْتِصَاص غَيْرِه من أنْبِيَاء اللَّه ورُسُلِه بِخَوَاصّ مِنْه، وَقِيل لِيَكُون دَليلًا وَحُجَّة عَلَى نبوته كإلابة الحَدِيد لأبِيه وَإحْيَاء المَوْتى لِعِيسَى وَاخْتصَاص مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم بالشَّفَاعَة ونحو هَذَا * وَأَمَّا قِصَّة نوح عَلَيْه السَّلَام

    ج ٢ ص ١٦٨فَظَاهِرَة العُذْر وَأنَّه أخَذ فِيهَا بالتّأْوِيل وَظَاهِر اللّفْظ لِقَوْلِه تَعَالَى وَأَهْلَك، فَطَلَب مُقْتَضى هَذَا اللَّفْظ وَأَرَاد عِلْم مَا طُوِي عَنْه من ذَلِك لَا أنَّه شَكّ فِي وَعْد اللَّه فَبيَّن اللَّه عَلَيْه أنَّه لَيْس من أهله الَّذِين وَعَدَه بِنَجاتِهِم لِكُفْرِه وَعَمَلِه الَّذِي هُو غَيْر صَالِح وَقَد أعْلَمَه أنَّه مُغْرِق الَّذِين ظَلَمُوا وَنَهَاه عَن مُخَاطَبِتِه فِيهِم فووخذ بِهَذا التأويل وَعُتب عَلَيْه وَأشْفَق هُو من إِقْدامِه عَلَى رَبَّه لِسُؤَالِه مَا لَم يُؤْذَن له في السؤال فيه وَكَان نُوح فِيمَا حَكاه النَّقَّاش لَا يَعْلَم بِكُفْر ابْنِه وَقِيل فِي الآيَة غَيْر هَذَا وَكُلّ هَذَا لَا يَقْضِي عَلَى نُوح بِمَعْصِيَة سِوَى مَا ذَكَرْنَاه من تَأْوِيلِه وَإقدامِه بالسُّؤَال فِيمَن لم يُؤْذَن لَه فِيه وَلَا نُهَي عَنْه، وَمَا رُوِي فِي الصَّحِيح من أَنّ نَبِيًّا قَرَصَتْه نَمْلَة فَحَرَّق قَرْيَة النَّمْل فَأَوْحى اللَّه إليْه: (إِنْ قَرَصَتْكَ نَمْلَةٌ أَحْرَقَتْ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ تُسَبِّحُ) فَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ هَذَا الَّذِي أَتَى مَعْصَيةٌ بَلْ فَعَلَ مَا رَآهُ مَصْلَحَةً وَصَوَابًا بِقَتْلِ مَنْ يُؤْذِي جِنْسُهُ وَيَمْنَعُ المنْفَعَةَ بِمَا أَبَاحَ اللَّهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ هذا النبي كَان نازِلًا تحت الشَّجَرَة فَلَمّا آذَتْه النَّمْلَة تَحَوَّل بِرَحْلِه عَنْهَا مَخَافَة تكْرَار الأذَى عَلَيْه وَلَيْس فِيمَا أوْحى اللَّه إليْه مَا يُوجِب عَلَيْه مَعْصِيَة بَل نَدَبَه إِلَى احْتِمَال الصَّبْر وَتَرْك التَّشَفي كَمَا

    قَال تَعَالَى: (وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خير للصابرين) إِذ ظَاهِر فِعْلِه إنَّمَا كَان لأجْل أنَّهَا آذَتْه هُو فِي خَاصَّتِه فكان نتقاما لِنَفْسِه وَقَطْع مَضَرّه يتَوَقَّعُهَا من بَقِيَّة النَّمْل هُنَاك وَلَم يَأْت فِي كُلّ هَذَا أمْرًا نُهِي عَنْه فَيُعَصَّى بِه ولا نص فيها أوْحى اللَّه إليْه بِذَلِك وَلَا بالتَّوْبَة والاسْتِغْفَار مِنْه والله أعلم

    1. (قوله أَنّ نَبِيًّا قَرَصَتْه نملة) قال الزكي المنذرى إنه موسى وإن قيل جاء مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ إنه عزير، ونقل المحب الطبري عن الحكيم الترمذي أنه موسى. (*)