فصل في القول في عصمة الملائكة

٤ فقرات، ج ٢ ص ١٧٤

  1. بِجَهْلِه إذَا سَمِع شَيْئًا مِنْهَا يَرَى أَنّ الْكَلَام فِيهَا جُمْلَة من فُضُول الْعِلْم وَأَنّ السُّكُوت أوْلَى وَقَد اسْتَبَان لَك أنَّه مُتَعَيَّن لِلْفَائِدَة التي ذَكَرْنَاهَا وفائدة ثانية يظطر إِلَيْهَا فِي أُصُول الْفَقْه وَيُبْتَنى عَلَيْهَا مَسَائِل لا تتعد مِن الْفِقْه وَيُتَخَلَّص بها من تشعيب مختلفي الفقهاء فِي عِدَّة مِنْهَا وَهِي الحكم فِي أقوال النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم وأفعاله وَهُو بَاب عظيم وأصل كَبير من أصول الفقه وَلَا بُد مِن بنائه عَلَى صَدَق النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم فِي أخباره وبلاغه وَأنَّه لَا يجوز عَلَيْه السَّهْو فِيه وعصمته مِن المخالفة فِي أفعاله عَمْدًا وَبِحَسَب اختلافهم فِي وقوع الصَّغَائِر وَقَع خِلَاف فِي امتثال الفعل بَسْط بَيَانِه فِي كُتُب ذَلِك الْعِلْم فَلَا نُطَوّل بِه وَفَائِدَة ثالِثَة يحتاج إليها الحاكم والمفتي فيمن أضاف إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم شَيْئًا من هَذِه الأمور ووصفه بِهَا فعن لَم يعرف مَا يجوز وَمَا يمتنع عَلَيْه وَمَا وَقَع الإجماع فِيه والخلاف كَيْف يصمم فِي الفتيا فِي ذَلِك وَمِن أَيْن يدري هَل مَا قاله في نقص أَو مدح فإما أَن يجترئ عَلَى سفك دم مُسْلِم حرام أَو يسقط حقا ويضيع حرمة للنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم؟ وبسبيل هَذَا مَا قَد اخْتُلِف أرْباب الأصُول وأئمة الْعُلمَاء والمحققين فِي عصمة الْمَلَائِكَة

    فصل فِي القَوْل فِي عصمة الْمَلَائِكَةِ أجمع الْمُسْلِمُون عَلَى أَنّ الْمَلَائِكَة مؤمنون فضلاء وأتفق أئِمَّة الْمُسْلِمِين أَنّ حُكْم المُرْسَلِين مِنْهُم حُكْم النَّبِيّين سواء فِي العِصْمَة مِمَّا ذَكَرْنَا عِصْمتَهُم مِنْه وَأَنَّهُم فِي حُقُوق الْأَنْبِيَاء والتَّبْلِيغ إِلَيْهِم كالْأَنْبِيَاء مَع الْأُمَم واختلفوا فِي غَيْر الْمُرْسَلِين مِنْهُم فذهبت طائفة إِلَى عصمة جميعهم عَن

    ج ٢ ص ١٧٥المعاصي واحتجُّوا بِقَوْلِه تَعَالَى (لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) وبقوله (وَمَا مِنَّا إِلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ) وبقوله (وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يفترون) وبقوله (إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عبادته) الآية، وبقوله (كرام بررة) و (لا يَمَسُّهُ إِلا المطهرون) وَنَحْوَه مِن السَّمْعِيَّات، وذهبت طائفة إن أَنّ هَذَا خُصُوص لِلْمُرْسَلِين مِنْهُم وَالمُقَرَّبِين، واحْتَجُّوا بأشْيَاء ذَكَرَهَا أهْل الْأَخْبَار والتَّفَاسِير نَحْن نَذْكُرُهَا إن شَاء اللَّه بَعْد وتبين الْوَجْه فِيهَا أن شَاء اللَّه، والصواب عصمة جميعهم وتنزيه نصابهم الرفيع عَن جميع مَا يحط من رتبتهم ومنزلتهم عَن جليل مقدارهم ورأيت بَعْض شيوخنا أشَار بأن لَا حاجة بالفقيه إِلَى الْكَلَام فِي عصمتهم.

    ج ٢ ص ١٧٤
  2. وَأَنَا أقول إن للكلام فِي ذَلِك مَا للكلام فِي عصمة الْأَنْبِيَاء مِن الْفَوَائِد التي ذَكَرْنَاهَا سوى فائدة الْكَلَام فِي الأقوال والأفعال فهي ساقطة ههنا، فما احْتَجّ بِه من لَم يُوجِب عصمة جميعهم قِصَّة هاروت وماروت وَمَا ذَكَر فيها أهل الْأَخْبَار ونَقَلَة الْمُفَسّرِين وَمَا رُوِي عَن عَلِيّ وَابْن عَبَّاس فِي خبرهِمَا وابْتلائِهِمَا، فاعلم أكْرَمَك اللَّه أَنّ هَذِه الأخْبَار لَم يُرْو منها شئ لَا سَقِيم وَلَا صَحِيح عَن رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم وَلَيْس هُو شَيْئًا يُؤْخَذ بِقِيَاس وَالَّذِي مِنْه فِي الْقُرْآن اخْتَلف الْمُفَسِّرُون فِي مَعْنَاه، وَأنْكَر مَا قَال بَعْضُهُم فِيه كَثير مِن السَّلَف كَمَا سنذكره، وهذه الْأَخْبَار من كُتُب اليَهُود وَافْتِرَائِهِم كَمَا نَصَّه اللَّه أَوَّل

    الآيات مِن افْتِرَائِهِم بِذَلِك عَلَى سُلَيْمَان وتَكْفِيرِهِم إيَّاه، وَقَد انْطَوَت الْقِصَّة عَلَى شُنَع عَظِيمَة وها نحن نحبر فِي ذَلِك مَا يشكف غِطَاء هَذِه

    ج ٢ ص ١٧٦الإشْكَالات إنّ شَاء اللَّه فاخْتُلِف أوَّلًا فِي هَارُوت ومَارُوت هَل هما مَلَكَان أَو إنْسِيَّان، وَهَل هما المُرَاد بَالْمَلَكَيْن أم لَا، وهل القراءة مَلَكَيْن أو ملِكَيْن، وهل مَا فِي قَوْله (وَمَا أنزل) (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أحد) نافية أو موجية؟ فَأكْثَر الْمُفَسّرِين أَنّ اللَّه تَعَالَى أمْتَحَن النَّاس بِالْمَلَكَيْن لِتَعْلِيم السّحْر وَتَبيينِه وَأن عَمَلَه كُفْر، فَمَن تَعَلَّمَه كَفَر، وَمِن تَرَكَه آمَن، قَال اللَّه تَعَالَى (إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ) وتعليمهما النَّاس لَه تَعْلِيم إنْذَار أَي يَقُولان لِمَن جَاء يَطْلُب تَعَلُّمَه لَا تَفْعَلُوا كذا فَإنَّه يُفَرَّق بَيْن الْمَرْء وَزَوْجِه وَلَا تَتَخَيَّلُوا بِكَذَا فَإنَّه سِحْر فَلَا تَكْفُرُوا فَعَلَى هَذَا فِعْل الْمَلَكَيْنِ طَاعَة وَتَصَرُّفُهُمَا فِيمَا أمرا بِه لَيْس بِمَعْصِيَة وَهِي لغَيْرِهِمَا فِتَْنَة، وَرَوَى ابن وَهْب عَن خَالِد بن أَبِي عِمْرَان أنَّه ذَكَر عِنْدَه هاروت وماروت وأنهما يُعَلّمَان السّحْر فَقَال نَحْن ننزههما عَن هَذَا فَقَرأ بعضهم (وما أنزل على الملكين) فَقَال خَالِد لَم يُنْزَل عَلَيْهَمَا فَهَذَا خَالِد عَلَى جَلَالَتِه وعلمه نزههما عَن تعليم السحر الَّذِي قَد ذَكَر غَيْرِه انهما مأذون لهما فِي تعليمه بشريطة أن يبيننا أنَّه كفر وَأنَّه امتحان مِن اللَّه وابتلاء، فكيف لَا ينزههما عَن كبائر المعاصي والكفر المذكورة فِي تِلْك الْأَخْبَار، وقوله خَالِد لَم ينزل يريد أَنّ (مَا) نافية وَهُو قَوْل ابن عَبَّاس، قَال مَكّيّ وتقدير الْكَلَام وَمَا كفر سُلَيْمَان يريد بالسحر الَّذِي افتعلته عَلَيْه الشياطين واتبعهم فِي ذَلِك اليهود وَمَا أنزل عَلَى الملكين، قَال مَكّيّ هما جِبْرِيل وميكائيل ادعى اليهود عليهما المجئ بِه كَمَا ادعوا عَلَى سُلَيْمَان فأكذبهم اللَّه فِي ذَلِك

    وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ.

  3. ببابل هاروت وماروت:
  4. قِيل: هما رَجُلان تعلماه، قَال الْحَسَن: هارُوت ومارُوت علجان من أهل بابل، وقرأ، وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلِكَيْنِ بِكَسْر اللَّام وتكون (مَا) إيجَابًا عَلَى هَذَا، وَكَذَلِك قراءة عَبْد الرَّحْمن بن أبزى بكسر اللام، ولكنه قَال الملكان هُنَا دَاوُد وسليمان وتكون (مَا) نفيًا عَلَى مَا تقدم، وَقِيل: كانا ملكين من بَنِي إسرائيل فمسخهما اللَّه، حكاه السَّمْرَقَنْدِيّ والقراءة بكسر اللام شاذة فمحمل الآيَة عَلَى تقدير أَبِي مُحَمَّد مَكّيّ حَسَن ينزه الْمَلَائِكَة ويذهب الرجس عَنْهُم ويطهرهم تطهيرا وَقَد وصفهم اللَّه بأنهم مطهرون و (كِرَامٍ بَرَرَةٍ) و (لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ) ومما يذكرونه قِصَّة إبليس وَأنَّه كَان مِن الْمَلَائِكَة ورئيسا فبهم ومِن خزان الْجَّنة إِلَى آخر مَا حكوه وَأنَّه استثناه مِن الْمَلَائِكَة بِقَوْلِه (فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ) وَهَذَا أيْضًا لَم يتفق عَلَيْه بَل الأكثر ينفون ذَلِك وَأنَّه أَبُو الجن كَمَا آدَم أو الإنس وهو قوله الْحَسَن وقتادة وَابْن زَيْد، وَقَال شهر بن حوشب كَان مِن الجِنّ الَّذِين طَرَدَتْهُم الْمَلَائِكَة فِي الْأَرْض حِين أفْسَدُوا، وَالاسْتثْنَاء من غَيْر الجنْس شَائع فِي كَلَام الْعَرَب سائغ وَقَد قَال اللَّه تَعَالَى (مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ) ومما رووه في الْأَخْبَار أَنّ خلقًا مِن الْمَلَائِكَة عصوا اللَّه فحرقوا وأمروا أَنّ يسجدوا لآدم فأبوا فحرقوا ثُمّ أخرون كَذَلِك حَتَّى سجد لَه من ذَكَر اللَّه إلَّا إبليس فِي أخبار لَا أصل لَهَا تردها صحاح الْأَخْبَار فَلَا يشتغل بِهِا والله أعلم

    1. (قوله علجان) العلج بكسر العين المهملة وسكون اللام بعدها جيم: الرجل من كفار العجم وغيرهم (قوله أبزى) بفتح الهمزة وسكون الموحدة وفى آخره الف مقصورة اختلف في صحبته (قوله ابن حوشب) بفتح الهاء المهملة وسكون الواو وفتح الشين المعجمة بعدها موحدة (١٢ - ٢) (*)
    ج ٢ ص ١٧٧