فصل فإن قلت قد تقررت عصمته صلى الله عليه وسلم

٣ فقرات، ج ٢ ص ١٩١

  1. بالنبي صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم فَقَد أخطأ قَال وَلَيْس مَعْنَي الخشية هُنَا الخوف وَإِنَّمَا مَعْنَاه الاستحياء أَي يستحيي مِنْهُم أَنّ يقولوا تزوج زَوْجَة ابنه وَأَنّ خشيته صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم مِن النَّاس كَانَت من إرجاف المنافقين واليهود تشغيبهم عَلَى الْمُسْلِمِين بقولهم تزوج زَوْجَة ابنه بَعْد نهيه عَن نكاح حلائل الأبناء كَمَا كَان فَعتَبَه اللَّه عَلَى هَذَا ونَزَّهَه عَن الالْتِفَات إِلَيْهِم فِيمَا أحَلّه لَه كَمَا عَتَبَه عَلَى مُرَاعَاة رَضِي أزواجه في سورة التحريم بقوله: (لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ) الآيَة، كَذَلِك قَوْله: لَه ههُنَا (وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أن تخشاه) وَقَد رُوِي عَن الْحَسَن وعائشة: لَو كَتَم رَسُول اللَّه صلى الله عليه وَسَلَّم شَيْئًا لَكَتم هذا الآيَة لَمّا فِيهَا من عَتْبِه وَإبْدَاء مَا أخْفَاه

    فصل فَإِنّ قُلْت قَد تَقَرّرَت عِصْمَتُه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم فِي أقْوَاله فِي جَمِيع أَحْوَالِه وَأنَّه لَا يَصِحّ مِنْه فِيهَا خُلْف وَلَا اضْطِرَاب فِي عَمْد وَلَا سَهْو وَلَا صِحَّة وَلَا مَرَض وَلَا جَدّ وَلَا مَزْح وَلَا رِضّى وَلَا غَضَب وَلَكِن مَا مَعْنَي الْحَدِيث فِي وَصِيَّتِه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم الَّذِي حَدَّثَنَا بِهِ الْقَاضِي الشَّهِيدُ أَبُو عَلِيٍّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا أَبُو ذَرٍّ حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ وَأَبُو الهيثم وَأَبُو إِسْحَاقَ قَالُوا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ عُبَيْدِ اللَّهِ

    ج ٢ ص ١٩٢ابن عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَال لَمَّا احْتُضِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي الْبَيْتِ رِجَالٌ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (هَلُمُّوا أَكْتُبُ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ) فَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ غَلَبَهُ الْوَجَعُ (الْحَدِيثَ) وَفِي رِوَايَة (آتُونِي أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَبَدًا) فَتَنَازَعُوا فقالوا ماله أَهَجَرَ: اسْتَفْهِمُوهُ، فَقَالَ (دَعُونِي فَإِنَّ الَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ) وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَهْجُرُ.

    1. (قوله عَبْد الرَّزَّاق) عَن همام عن معمر) هذا يقع في كثير من النسخ والصواب ما في بعضها وهو عبد الراق بن همام أو عَبْد الرَّزَّاق عَن معمر لأن عبد الرزاق لا يروى = (*)
    ج ٢ ص ١٩١
  2. وَفِي رِوَايَة هَجَر ويُرْوى أهُجْر، ويروى أهجرًا، وَفِيه فَقَال عُمَر إنّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم قَد اشتد بِه الوجع وعندنا كِتَاب اللَّه حسبنا وكثر اللعط فمال قُومُوا عَنَّي وَفِي رِوَايَة وَاخْتَلَف أَهْل البَيْت وَاخْتَصَمُوا فَمِنْهُم من يَقُول قَرِّبوا يَكْتُب لَكُم رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم كِتَابًا وَمِنْهُم من يَقُول ما قَال عُمَر، قَال أئِمَّتُنَا فِي هَذَا الْحَدِيث أن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم غَيْر معصوم مِن الأمْرَاض وَمَا يَكُون من عَوَارِضِهَا من شِدة وَجَع غشى وَنَحْوَه مِمَّا يَطْرَأ عَلَى جِسْمِه مَعْصُوم أن يَكُون مِنْه مِن القَوْل أثْنَاء ذَلِك مَا يَطْعَن فِي مُعْجِزَتِه وَيُؤَدِي إلى فَسَاد فِي شَرِيعَتِه من هَذَيَان أَو اخْتِلال فِي الكلام.

  3. وَعَلَى هَذَا لَا يَصِحّ ظَاهِر رِوَايَة من روى فِي الحديث هجر

    ج ٢ ص ١٩٣إِذ مَعْنَاه هذى يُقَال هَجر هُجْرًا إذ هذى، وأهجر هجرا إذَا أفْحَش، وَأَهَجَر تَعْدية هَجَر، وَإِنَّمَا الأصَحّ وَالأوْلى أَهَجَر؟ عَلَى طَرِيق الإنْكار عَلَى من قَال لا يكتب، هكذا رِوايَتُنَا فِيه في صحيح الْبُخَارِيّ من رِوَايَة جميع الرُّوَاة فِي حَدِيث الزُّهْرِيّ المُتَقَدّم، وَفِي حَدِيث مُحَمَّد بن سَلَام عَن ابن عُيَيْنَة وَكَذَا ضبَطَه الأصِيلِيّ بِخَطَّه فِي كِتابه وَغَيْرُه من هذه الطُّرُق وكذا رَوَيْنَاه عَن مُسْلِم فِي حَدِيث سُفْيَان وَعَن غَيْرِه وَقَد تحمل عَلَيْه رِوَايَة من رَوَاه هجر عَلَى حذف أَلْف الاستفهام والتقدير أهجر؟ أَو أن يُحْمَل قَوْل القائل هجر أَو أهجر دَهْشَة من قَائل ذَلِك وحيرة لعظيم مَا شاهد من حال الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم وشدة وجعه والمقام الَّذِي اخْتُلِف فِيه عَلَيْه والأمْر الَّذِي هَمّ بالكتاب فِيه حَتَّى لَم يَضبط هَذَا القائل لفظه وأجرى الهجر مجرى شدة الوجع لَا أنَّه اعتقد أنَّه يجوز عَلَيْه الهجر كَمَا حملهم الإشفاق عَلَى حراسته والله يَقُول (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) ونحو هَذَا * وَأَمَّا عَلَى رِوَايَة أهُجْرا - وَهِي رِوَايَة أَبِي إِسْحَاق المُسْتَمْلِي فِي الصَّحِيح فِي حديث ابن جُبَيْر عَن ابن عَبَّاس من رِوَايَة قُتَيْبَة - فَقَد يَكُون هَذَا رَاجعًا إِلَى المُخْتَلِفِين عِنْدَه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم ومُخَاطَبَة لَهُم من بَعْضُهُم أَي

    جِئْتُم باختلافكم عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم وَبَيْن يَدَيْه هُجْرًا ومنكرا

    ج ٢ ص ١٩٤مِن القَوْل، والهُجْر بِضَمّ الْهَاء: الفُحْش فِي المَنْطِق وَقَد اخْتُلِف الْعُلمَاء فِي مَعْنَي هَذَا الْحَدِيث وَكَيْف اخْتَلَفُوا بَعْد أمْرِه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم أن يَأْتُوه بالكتَاب، فَقَال بَعْضُهُم أوَامِر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم يُفْهَم إيجَابُهَا من نَدْبِهَا من إباحَتِهَا بِقَرَائِن، فَلَعَلّ قَد ظَهَر من قَرَائِن قَوْلِه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم لِبَعْضُهُم ما فهموا أنه لم تكن منه عزمة بل أمر رده إلى اختيارهم وبعضهم لَم يَفْهَم ذَلِك فَقَال: اسْتَفْهِمُوه، فَلَمّا اخْتَلَفُوا كَفّ عَنْه إِذ لَم يَكُن عَزْمَة ولما رَأَوْه من صَوَاب رَأْي عُمَر: ثُمّ هَؤْلَاء قَالُوا وَيَكُون امْتِنَاع عُمَر إِمَّا إشْفَاقًا عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم من تَكْلِيفه فِي تِلْك الحَال إمْلَاء الْكِتَاب وأن تَدْخُل عَلَيْه مَشَقَّة من ذَلِك كَمَا قَال إن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم اشْتَدّ بِه الْوَجَع، وَقِيل خَشِي عُمَر أَنّ يكْتُب أُمُورًا يَعْجَزُون عَنْهَا فَيَحْصَلُون فِي الحَرَج بالْمُخَالفَة وَرَأى أن الأرفق بِالْأُمَّة فِي تِلْك الأمور سِعَة الاجْتِهَاد وَحكْم النَّظَر وَطَلب الصَّوَاب فَيَكُون المُصِيب والْمُخِطِئ مَأْجُورًا، وَقَد علم عُمَر تقَرّر الشّرْع وَتَأْسِيس المِلّة وَأَنّ اللَّه تَعَالَى قَال: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ

    دينكم) وَقَوْلُه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم (أُوِصيكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَعِتْرَتِي) وقوله عُمَرَ: حَسْبُنَا كِتَابُ اللَّهِ رَدَّ عَلَى ما نَازَعَهُ لَا عَلَى أَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ عُمَرَ خَشِيَ تَطَرُّقَ المُنَافِقِين وَمِن فِي قَلْبه مَرَض لَمّا كُتِب فِي ذَلِك الْكِتَاب فِي الخَلْوَة وأن يَتَقَوَّلُوا فِي ذَلِك الأقاويل كادّعاء الرّافِضَة الوَصِيّة وَغَيْر ذَلِك، وَقِيل إنَّه كَان مِن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم لَهُم عَلَى طَرِيق المَشْورَة وَالاخْتِبَار وهل يَتّفقُون عَلَى ذَلِك أم يختلفوا)

    1. = عن همام واسم أبيه همام. ويروى عن معمر. ومعمر بفتح الميمين وسكون العين المهملة (قوله أهجر) بفتح الهمزة والهاء والجيم وَفِي رِوَايَة هَجَر بفتح الهاء والجيم من غير همزة. وفى رواية أهجر بفتح الهمزة وضم الهاء قال ابن الأثير أي هل تغير كلامه واختلط لما به من المرض. وهذا أحسن ما يقال فيه ولا يجعل إخبارا فيكون من الفحش والهذيان والقائل كان عمر لا يظن به ذلك انتهى، وقد أفرد ابن دحية هذه اللفظة بتأليف (*)
    2. (قوله في حَدِيث مُحَمَّد بن سلام) هو السكندرى، قال الذهبي ما ذكر فيه الخطيب ولا ابن ماكولا سوى التخفيف، وقال ابن قرقول والمصنف في المشارق نقله الأكثر (قوله وأجرى الهجر) بفتح الهاء وإسكان الجيم وهو الهذيان (قوله مجرى) بضم الميم لأنه من أجرى (قوله أهجرا) بفتح الهاء (قوله المستملى) بمثناة فوقية بعد السين المهملة (قوله هجرا) بضم الهاء وسكون الجيم: اسم من الإهجار (١٣ - ٢) بمعنى الإفحاش في النطق (*)
    3. (قوله المشورة) في الصحاح: المشورة الشورى وكذلك المشورة بضم الشين، تقول منه شاورته واستشرته (*)