فصل الوجه الثالث أن يقصد إلى تكذيبه فيما قاله
فقرة واحدة، ج ٢ ص ٢٣٢
- ج ٢ ص ٢٣٢
كَان عقله فِي فطرته سليمًا إلَّا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان وبهذا أفتى الأندلسيون عَلَى ابن حَاتِم فِي نَفْيه الزُّهْد عَن رسول الله صلى الله تَعَالَى عليه وآله وسلم الَّذِي قَدّمْنَاه وَقَال مُحَمَّد بن سُحْنُون فِي المَأمُور يَسُبّ النَّبِيّ صلى الله تعالى عَلَيْه وَسَلَّم فِي أيْدِي العَدُوّ يُقْتَل إلَّا أن يُعْلَم تَبَصُّرُه أَو إكْرَاهُه وَعَن أَبِي محمد ابن أَبِي زيد لَا يُعْذَر بدَعْوَى زَلَل اللسان فِي مِثْل هَذَا وَأفْتى أبو الحسن القابسي فِيمَن شَتَم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم فِي سُكْره يُقْتَل لِأَنَّه يُظَنّ بِه أنَّه يَعْتَقِد هَذَا ويَفْعَلُه فِي صَحْوِه وَأيْضًا فَإنَّه حَد لَا يُسْقِطُه السُّكْر كَالْقَذْف وَالْقَتْل وَسَائِر الحُدُود لِأَنَّه أدْخَلَه عَلَى نَفْسِه لِأَنّ من شَرِب الخَمْر عَلَى عِلْم من زَوَال عَقْلِه بِهَا وَإتْيَان مَا يُنْكَر مِنْه فَهُو كَالْعَامِد لَمّا يَكُون بِسَبَبِه وَعَلَى هذا ألْزَمْنَاه الطّلَاق وَالْعِتَاق وَالْقِصَاص وَالحُدُود وَلَا يُعْتَرَض عَلَى هَذَا بِحَدِيث حَمْزَة وَقَوْلُه للنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم وهل أنْتُم إلا عبيد لأبى قَال فَعَرَف النَّبِيّ صَلَّى
اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم أنَّه ثمل فَانْصَرَف لِأَنّ الخَمْر كَانَت حِينَئِذ غَيْر مُحَرّمة فَلَم يَكُن فِي جِنَايَاتَها إثْم وَكَان حُكْم مَا يَحْدُث عَنْهَا مَعْفُوا عَنْه كَمَا يَحْدُث مِن النّوْم وَشُرْب الدّوَاء الْمَأْمُون
فصل الْوَجْه الثالث أَنّ يقصد إِلَى تَكْذيبه فِيمَا قاله أَو أتى بِه أَو وُجُودَه أَو يَكْفُر أَو يَنْفِي نُبُوّتَه أو رسالته بِه انْتَقَل بِقَوْلِه ذَلِك إلى دِين آخر غير
ج ٢ ص ٢٣٣مِلّتِه أم لَا؟ فَهَذَا كَافِر بإجْمَاع يَجِب قَتْلُه ثُمّ يُنْظَر فإن كَان مُصَرّحًا بِذَلِك كَان حُكْمُه أشْبَه بِحُكْم الْمُرْتَد وَقِوي الخِلَاف فِي اسْتِتَابِتِه وَعَلَى القَوْل الآخَر لَا تُسْقِط القَتْل عنه تَوْبَتُه لِحَقّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم إنّ كَان ذَكَرَه بِنقِيصَة فِيمَا قاله من كَذِب أَو غَيْرِه وَإِنّ كَان متسترا بِذَلِك فَحُكْمُه حُكْم الزَّنْدِيق لَا تُسْقِط قَتْلَه التّوْبَة عِنْدَنَا كَمَا سَنُبَيّنُه قَال أَبُو حنيفة وأصحابه من برئ من مُحَمَّد أَو كَذب بِه فَهُو مُرْتَد حَلَال الدَّم إلَّا أن يَرْجِع وَقَال ابن الْقَاسِم فِي المسلم إذَا قَال إنّ مُحَمَّدًا ليس بنبي أو لَم يُرْسَل أَو لم ينزل عليه قُرْآن وَإِنَّمَا هُو شئ تَقَوّلَه يُقْتَل وَقَال وَمِن كَفَر بِرسول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم وأنْكَرَه مِن الْمُسْلِمِين فَهُو بِمَنْزِلَة المُرْتَد وَكَذَلِك من أعْلَن بِتَكْذِيبه أنَّه كَالْمُرْتَد يُسْتَتَاب وَكَذَلِك قَال فِيمَن تَنَبّأ وزعم أنه يُوحَى إليه وقاله سُحْنُون وَقَال ابن الْقَاسِم دعا إِلَى ذَلِك أَو جهرا وقال أصبغ وَهُو كَالْمُرْتَد لِأَنَّه قَد كَفَر بِكِتَاب اللَّه مَع الْفِرْيَة عَلَى اللَّه وَقَال أشْهَب فِي يَهُودِيّ تَنَبّأ أَو زَعَم أنَّه
أُرْسل إِلَى النَّاس أَو قَال بَعْد نَبِيكُم نَبِيّ أنَّه يُسْتَتَاب إنّ كَان مُعْلِنًا بِذَلِك فإن تَاب وَإِلَّا قُتِل وَذَلِك لِأَنَّه مُكَذّب للنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم فِي قَوْلِه لَا نَبِيّ بَعْدِي مفتر عَلَى اللَّه فِي دعواه عَلَيْه الرسالة والنبوة، وَقَال مُحَمَّد بن سحنون من شك فِي حرف مِمَّا جاء بِه مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم عن اللَّه فَهُو كافر جاحد، وَقَال: من كذب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم كَان حكْمُه عِنْد
- ثمل بفتح المثلثة وكسر الميم: أي سكران، يقال ثمل الرجل بالكسر، ثملا: إذا أخذ فيه الشراب. (*)