فصل هذا حكم المسلم فأما الذمي

فقرتان، ج ٢ ص ٢٦٢

  1. المرتد فَلَا عقوبة عَلَيْه وقاله سُحْنُون وأفتى أَبُو عَبْد اللَّه بن عتاب فِيمَن سَبّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم فشهد عَلَيْه شاهدان عدل أحَدُهُمَا بالأدب الموجع والتنكيل والسجن الطويل حَتَّى تظهر توبته وَقَال القابسي فِي مِثْل هَذَا وَمِن كَان أقصى أمره القتل فعاق عائِق أشْكَل فِي القَتْل لَم يَنْبَغ أن يُطْلَق مِن السَّجْن وَيُسْتَطَال سِجْنُه وَلَو كَان فِيه مِن المُدَّة مَا عسى أَنّ يُقِيم ويُحْمَل عَلَيْه مِن القَيْد مَا يُطِيق وَقَال فِي مِثْلِه مِمَّن أشْكَل أمْرُه يُشَدّ فِي القُيُود شَدًّا وَيُضَيَّق عَلَيْه فِي السّجْن حَتَّى يُنْظَر فِيمَا يَجِب عَلَيْه، وَقَال فِي مَسْأَلَة أُخْرَى مِثْلِهَا وَلَا تُهْرَاق الدّماء إلَّا بالأمْر الواضِح وَفِي الأدَب بالسّوْط والسّجْن نكال للسفهاء ويعاقب عقوبة شديدة فَأَمَّا إن لَم يشهد عَلَيْه سوى شاهدين فأثبت من عداوتهما أَو جرحتهما مَا أسقطهما عَنْه وَلَم يُسْمَع ذَلِك من غَيْرِهِمَا فَأمْرُه أخَفّ لِسُقُوط الْحُكْم عَنْه وكأنه لَم يُشْهَد عَلَيْه إلَّا أَن يَكُون مِمَّن يَليق بِه ذَلِك وَيَكُون الشاهدان من أَهْل التَّبْرِيز فأسْقَطَهُما بِعَداوَة فَهُو وَإن لَم ينفذ الحكم عليه بشهادتهما فَلَا يدفع الظن صدقهما وللحاكم هُنَا فِي تنكيله موضع اجتهاد والله ولي الإرشاد

    فصل هَذَا حُكْم المسلم فَأَمَّا الذَّمّيّ إذَا صَرَّح بِسَبّه أَو عَرّض أَو اسْتَخَفّ بِقَدْرِه أَو وَصَفَه بغير الوَجْه الَّذِي كَفَر بِه فَلَا خِلَاف عِنْدَنَا فِي قتله إن

    ج ٢ ص ٢٦٣لَم يُسْلم لأنا لَم نُعْطِه الذَّمَّة أَو العَهْد عَلَى هَذَا وَهُو قَوْل عامّة الْعُلمَاء إلَّا أَبَا حَنِيفَة والثَّوْرِيّ وأتْباعَهُما من أَهْل الكُوفَة فَإِنَّهُم قَالُوا لَا يُقْتَل

    لِأَنّ مَا هُو عَلَيْه مِن الشّرْك أعظم وَلَكِن يُؤْدّب ويعذر واسْتَدَلّ بَعْض شُيُوخنا عَلَى قَتْلِه بِقَوْلِه تَعَالَى (وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دينكم) الآيَة، وَيُسْتَدَلّ أيْضًا عَلَيْه بِقَتْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم لابن الأشْرَف وأشْباهِه ولأنَّا لَم نُعاهِدْهُم وَلَم نُعْطِهِم الذَّمّة عَلَى هَذَا وَلَا يَجُوز لَنَا أن نَفْعَل ذَلِك مَعَهُم فَإِذَا أتَوْا مَا لَم يُعْطَوْا عَلَيْه العَهْد وَلَا الذّمَّة فَقَد نَقَضُوا ذِمَّتَهُم وصارُوا كُفّارًا أَهْل حَرْب يُقْتَلُون لِكُفْرِهِم وأيضًا فَإِنّ ذِمَّتَهُم لَا تُسْقط حُدود الْإِسْلَام عَنْهُم مِن القَطْع فِي سَرِقَة أمْوالِهِم والقَتْل لِمَن قَتَلُوه مِنْهُم وَإِنّ كَان ذَلِك حلالًا عندهم فكذلك سبهم للنبي صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم يقتلون بِه ووردت لأصحابنا ظواهر تقتضي الخِلَاف إذَا ذكره الذمي بالوجه الَّذِي كفر بِه ستقف عَلَيْهَا من كَلَام ابن الْقَاسِم وَابْن سُحْنُون بَعْد وَحَكَى أَبُو المصعب الخِلَاف فِيهَا عَن أصحابه المدنيين واختلفوا إذَا سبه ثُمّ أسلم فَقِيل، يسقط إسلامه قتله لِأَنّ الْإِسْلَام يجب مَا قبله بخلاف المسلم إذَا سبه ثم ناب لأنا نعلم باطنة الكافر فِي بغضه لَه وتنقصه بقلبه لكنا منعناه من إظهاره فَلَم يزدنا مَا أظهره إلَّا مخالفة للأمر ونقضًا للعهد فَإِذَا رجع عَن دينه الأوّل إِلَى الْإِسْلَام سقط مَا قبله، قَال اللَّه تَعَالَى (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) والمُسْلِم بخلافه

    ج ٢ ص ٢٦٤إِذ كَان ظَنُّنا بِباطِنِه حُكْم ظاهِرِه وخلاف مَا بَدا مِنْه الآن فَلَم نَقْبَل بَعْد رُجُوعَه وَلَا اسْتَنَمْنا إِلَى باطِنِه إذ قَد بدت سرائره وما ثَبت عَلَيْه مِن الأحْكام باقية عَلَيْه لَم يسقطها شئ وَقِيل لَا يُسْقط إسلام الذَّمّيّ السابّ قتله لِأَنَّه حَقّ للنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم وَجَب عَلَيْه لانْتَهاكِه حُرْمته وقَصْدِه إلْحَاق النَّقِيصَة والمَعَرّة بِه فَلَم يَكُن رُجُوعُه إِلَى الْإِسْلَام بالذي يُسْقِطُه

    كَمَا وجب عَلَيْه من حقوق الْمُسْلِمِين من قَبْل إسْلامِه من قَتْل وَقَذْف وَإذَا كُنَّا لَا نَقْبَل تَوْبَة المسلم فَأِنّ لَا نقبل توبة الكافر أولى.

    1. (قوله عتاب) بفتح العين المهمة وتشديد المثناة الفوقية (*)
    ج ٢ ص ٢٦٢
  2. قَال مَالِك فِي كِتَاب ابن حبيب المبسوط وَابْن الْقَاسِم وَابْن الماجِشُون وَابْن عَبْد الحَكَم وأصْبَغ فِيمَن شَتَم نَبِيّنا من أَهْل الذّمَّة أَو أَحَدًا مِن الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام قتل إلَّا أَن يُسْلم وَقَالَه ابن الْقَاسِم فِي العتبية وعند مُحَمَّد وَابْن سُحْنُون وَقَال سُحْنُون وأصبغ لَا يقال لَه أسلم وَلَا لَا تسلم وَلَكِن إن أسلم فَذَلِك لَه توبة وَفِي كِتَاب مُحَمَّد أَخْبَرَنَا أَصْحَاب مَالِك أنَّه قَال من سب رسول الله صلى الله عليه وسلم أَو غَيْرِه مِن النَّبِيّين من مُسْلِم أَو كافر قُتِل وَلَم يُسْتَتَب وَرُوي لَنَا عَن مَالِك إلَّا أن يُسْلِم الكافر وَقَد رَوَى ابن وَهْب عَن ابن عمر أَنّ رَاهِبًا تَنَاوَل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم فَقَال ابن عُمَر فَهَلا قتلتموه وَرَوَى عِيسَى عَن ابن الْقَاسِم فِي ذمي قَال إنّ مُحَمَّدًا لَم يُرْسَل إِلَيْنَا إنَّمَا أرسل إِلَيْكُم وَإِنَّمَا نبينا موسى أَو عِيسَى ونحو هَذَا لَا شئ

    ج ٢ ص ٢٦٥عَلَيْهِم لِأَنّ اللَّه تَعَالَى أقَرَّهُم عَلَى مِثْله وَأَمَّا إن سَبَّه فَقَال لَيْس بِنَبِيّ أَو لَم يُرْسَل أَو لَم يُنْزَل عَلَيْه قُرْآن وإنما هو شئ تقوله أَو نَحْو هَذَا فَيُقْتَل قَال ابن الْقَاسِم وَإذَا قَال النَّصْرَانِيّ دِينُنَا خَيْر من دِينِكُم إنَّمَا دِينُكُم دِين الْحَمِير ونحو هَذَا مِن القبيح أَو سَمِع المؤذن يَقُول أشهد أَنّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه فَقَال كَذَلِك يعطيكم اللَّه ففي هَذَا الأدب المُوجِع والسَّجْن الطويل قَال وَأَمَّا إن شَتَم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم شَتْمًا يُعْرَف فَإنَّه يقتل إلَّا أَن يُسْلِم قاله مَالِك غَيْر مَرَّة وَلَم يقل يستتاب قَال ابن الْقَاسِم ومحمل قَوْله عِنْدِي إن أسلم طائعًا، وَقَال ابن سُحْنُون فِي سؤالات سُلَيْمَان بن سالم فِي

    اليهودي يقول لمؤذن إذَا تَشَهّد كَذَبْت يُعَاقَب العُقُوبة المُوجِعَة مَع السجن الطويل وَفِي النوادر من رِوَايَة سُحْنُون عَنْه من شتم الْأَنْبِيَاء مِن الْيَهُود والنصارى بغير الوجه الذي به كفروا ضرب عنقه إلا أن يُسْلِم قَال مُحَمَّد ابن سُحْنُون فإن قِيل لَم قَتَلْتَه في سَبّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم وَمِن دِينِه سَبَّه وتكذيبه قِيل لأنَّا لَم نُعْطِهِم العَهْد عَلَى ذَلِك وَلَا عَلَى قَتْلِنَا وأخْذ أمْوالِنَا فَإِذَا قَتَل واحدًا منا قتلناه وإن كَان من دينه استحلاله فكذلك إظهاره لسب نبينا صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم قَال سُحْنُون كَمَا لَو بذل لَنَا أَهْل الْحَرْب الْجزْيَة عَلَى إقْرَارِهِم عَلَى سَبَّه لَم يَجُز لَنَا ذَلِك فِي قَوْل قائل كَذَلِك يْنَتَقِض عهد من سَبّ مِنْهُم ويحل لَنَا دمه وكما لَم يُحَصّن الْإِسْلَام من سَبَّه مِن القَتْل كَذَلِك لَا تُحَصّنُه الذّمَّة قَال الْقَاضِي أَبُو

    ج ٢ ص ٢٦٦الْفَضْل مَا ذَكَرَه ابن سُحْنُون عَن نفسه وَعَن أَبِيه مُخَالِف لِقَوْل ابن الْقَاسِم فِيمَا خفَّف عُقُوبَتَهُم فِيه مِمَّا بِه كَفُروا فَتَأمّلْه وَيَدُلّ عَلَى أنَّه خِلَاف مَا رُوِي عَن المدنيين فِي ذَلِك فحَكى أَبُو المُصْعَب الزُّهْرِيّ قَال أُتيت بِنَصْرَانِيّ قَال والذي اصْطَفَى عِيسَى عَلَى مُحَمَّد فاخْتُلِف عَلَيّ فِيه فَضَربْتُه حَتَّى قَتَلْتُه أَو عَاش يَوْمًا وَلَيْلَة وأمَرْت من جر بِرِجْلِه وطُرح عَلَى مزْبَلَة فَأَكَلَتْه الكلاب وسئل أَبُو المصعب عَن نصراني قَال عِيسَى خلق مُحَمَّدًا فَقَال يُقْتَل وَقَال ابن الْقَاسِم سَألنا مالكًا عَن نَصْرَانِيّ بِمِصْر شُهِد عَلَيْه أنَّه قَال مِسْكِين مُحَمَّد يُخبرُكُم أنَّه فِي الجنة ماله لم ينفع نَفْسَه إِذ كَانَت الكلاب تَأْكُل سَاقَيْه لَو قَتَلُوه اسْتَرَاح مِنْه النَّاس قَال مَالِك أرَى أَن تُضْرَب عُنُقُه قَال وَلَقَد كدت أن لَا أتكلم فِيهَا بشئ ثُمّ رَأَيْت أنَّه لَا يسعني الصمت قَال ابن كنانة فِي المبسوطة من شتم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم مِن الْيَهُود والنّصَارَى

    فَأرى للإمام أَن يحرقه بالنار وَإِن شَاء قَتَله ثُمّ حَرَق جثته وَإِن شَاء أحرقه بالنار حَيًّا إذَا تهافتوا فِي سبه وَلَقَد كُتِب إِلَى مَالِك من مصر وَذَكَر مسألة ابن الْقَاسِم المُتَقَدّمَة قَال فأمَرَنِي مَالِك فَكَتَبْت بأن يقتل وتضرب عنقه فَكَتَبْت ثُمّ قُلْت يَا أَبَا عَبْد اللَّه وأكتب ثُمّ يحرق بالنار فَقَال إنَّه لحقيق بِذَلِك وَمَا أولاه بِه فكتبته بيدي بَيْن يديه فَمَا أنْكَرَه وَلَا عَابَه ونفذت الصحيفة بِذَلِك فَقُتِل وحرق، وأفنى عبيد اللَّه بن يَحْيَى وَابْن لُبَابَة فِي جَمَاعَة

    ج ٢ ص ٢٦٧سلف أصحابنا الأنْدَلُسِيّين بِقَتْل نَصْرَانِيّة اسْتَهْلّت بنفي الرُّبُوبِيّة ونُبُوَّة عِيسَى لله وتَكْذِيب مُحَمَّد فِي النُّبُوَّة وبقَبُول إسْلَامِهَا وَدَرْء القَتْل عَنْهَا بِه قَالَ غَيْر وَاحِد مِن المُتَأَخّرِين، مِنْهُم القَابِسِيّ وَابْن الْكَاتِب، وَقَال أَبُو الْقَاسِم ابن الجَلَّاب فِي كِتابِه من سَبّ اللَّه وَرَسُولَه من مُسْلِم أَو كَافِر قُتِل وَلَا يُسْتَتَاب وَحَكى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّد فِي الذَّمّيّ يَسُبّ ثُمّ يُسْلِم رِوَايَتَيْن فِي دَرْء القَتْل عَنْه بإسْلَامِه، وَقَال ابن سُحْنُون وحدّ القَذْف وشِبْهُه من حُقُوق العِبَاد لَا يُسْقطُه عَن الذَّمّيّ إسْلَامُه وَإِنَّمَا يَسْقُط عَنْه بإسْلَامِه حُدُود اللَّه فَأَمَّا حَدّ القَذْف فَحَقّ لِلْعِبَاد كَان ذَلِك لِنَبيّ أَو غَيْرِه فأوْجَب عَلَى الذَّمّيّ إذَا قَذَف النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم ثُمّ أسْلَم حَد الْقَذْف وَلَكِن انْظُر ماذا يَجِب عَلَيْه هَل حَدّ القَذْف فِي حَقّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم وَهُو القَتْل لِزيَادَة حُرْمَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم عَلَى غيره أم هل يسقط القَتْل بإسلامه ويحد ثمانين فتأمله

    1. (قوله في كتاب محمد) هو أبو المواز (*)
    2. (قوله على مزبلة) بفتح الميم وتثليث الموحدة (*)