الفصل الخامس في قسمه تعالى جده له لتحقق مكانته عنده
فقرتان، ج ١ ص ٣٥
- ج ١ ص ٣٥
قَالَ جلَّ اسْمُهُ (وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إذا سجى) السورة، اخْتُلِفَ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ فَقِيلَ كَانَ تَرْكُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِيَامَ اللَّيْلِ لِعُذْرٍ نَزَلَ بِهِ فَتَكَلَّمَتِ امْرَأةٌ فِي ذَلِكَ بِكَلَامٍ وَقِيلَ بَلْ تَكَلَّمَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ عِنْدَ فَتْرَةِ الْوَحْيِ فَنَزَلَتِ السُّورَةُ.
قَالَ الْفَقِيهُ الْقَاضِي وَفَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى: تَضَمَّنَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مِنْ كَرَامَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ وَتَنْوِيههِ بِهِ وَتَعظِيمِهِ إيَّاهُ سِتَّةَ وُجُوهٍ: الأَوَّلُ الْقَسَمُ لَهُ عَمَّا أَخْبَرَهُ بِهِ مِنْ حَالِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إذا سجى) أَيْ وَرَبِّ الضُّحَى وَهَذَا مِنْ أعْظَمِ دَرَجَاتِ المَبَرَّةِ، الثَّانِي بَيَانُ مَكَانَتِهِ عِنْدَهُ وَحُظْوَتِهِ لَدَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى) أَيْ مَا تَرَكَكَ وَمَا أَبْغَضَكَ وَقِيلَ مَا أَهْمَلَكَ بَعْدَ أَنِ اصْطَفَاكَ، الثَّالِثُ قَوْلُهُ تَعَالَى (وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأولى) قال ابن إسحق أَيْ مَالَكَ فِي مَرْجِعِكَ عِنْدَ اللَّهِ أعْظَمُ مِمَّا أعْطَاكَ مِنْ كَرَامَةِ الدُّنْيَا، وَقَالَ سَهْلٌ: أَيْ مَا ادَّخَرْتُ لَكَ مِنَ الشَّفَاعَةِ وَالْمَقَامِ المَحْمُودِ خَيْرٌ لَكَ
ج ١ ص ٣٦مِمَّا أعْطَيْتُكَ فِي الدُّنْيَا، الرَّابِعُ قَوْلُهُ تَعَالَى (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ ربك فترضى) وَهَذِهِ آيَةٌ جَامِعَةٌ لِوُجُوهِ الْكَرَامَةِ وَأنْوَاعِ السَّعَادَةِ وَشَتَاتِ الْإِنْعَامِ فِي الدَّارَيْنِ وَالزِّيَادَةِ، قَالَ ابْنُ إسحق يُرْضِيهِ بِالْفُلْجِ فِي الدُّنْيَا وَالثَّوَابِ فِي الآخِرَةِ وَقِيلَ يُعْطِيهِ الْحَوْضَ وَالشَّفَاعَةَ، وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ آلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّهُ قَالَ: لَيْسَ آيَةٌ فِي الْقُرْآنِ أرْجَى مِنْهَا، وَلَا يَرْضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِهِ النَّارَ، الْخَامِسُ مَا عَدَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ مِنْ نِعَمِهِ وَقَرَّرَهُ مِنْ آلائِهِ قِبَلَهُ فِي بَقِيَّةِ السُّورَةِ منه دايته إلى ما هداه له أو هداية النَّاسَ بِهِ عَلَى اخْتِلَافِ التَّفَاسِيرِ وَلَا مَالَ لَهُ فَأغْنَاهُ بما آناه أَوْ بِمَا جَعَلَهُ في قلبه
ج ١ ص ٣٧مِنَ الْقَنَاعَةِ وَالْغِنَى وَيَتِيمًا فَحَدَبَ عَلَيْهِ عَمُّهُ وَآوَاهُ إِلَيْهِ وَقِيلَ آوَاهُ إِلَى اللَّهِ وَقِيلَ يَتِيمًا لَا مِثَالَ لَكَ فآوَاكَ إِلَيْهِ، وَقِيلَ الْمَعْنَى أَلَمْ يَجِدْكَ فَهَدَى بِكَ ضَالًّا وأَغْنَى بِكَ عَائِلًا وآوَى بِكَ يَتِيمًا؟ ذَكَّرَهُ بِهَذِهِ الْمِنَنِ وَأنَّهُ عَلَى الْمَعْلُومِ مِنَ التَّفْسِيرِ لَمْ يُهْمِلْهُ فِي حَالِ صِغَرِهِ وَعَيْلَتِهِ وَيُتْمِهِ وَقَبْلَ مَعْرِفَتِهِ بِهِ وَلَا وَدَّعَهُ وَلَا قَلَاهُ فَكَيْفَ بَعْدَ اخْتِصَاصِهِ وَاصْطِفَائِهِ؟ السَّادِسُ أَمَرَهُ بإِظْهَارِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ وَشُكْرِ مَا شَرَّفَهُ بِهِ بِنَشْرِهِ وَإشَادَةِ ذِكْرِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) فَإِنَّ مِنْ شُكْرِ النِّعْمَةِ التَّحَدُّثَ بِهَا وَهَذَا خَاصٌّ لَهُ عَامٌّ لِأُمَّتِهِ * وَقَالَ تَعَالَى (وَالنَّجْمِ إِذَا هوى) إلى قوله تعالى (لَقَدْ رَأَى مِنْ آيات ربه الكبرى) اختلف المفسرون في قَوْلِهِ تَعَالَى (وَالنَّجْمِ) بِأَقَاوِيلَ مَعْرُوفَةٍ مِنْهَا النَّجْمُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَمِنْهَا الْقُرْآنُ وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ أنَّهُ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ هُوَ قَلْبُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ النَّجْمُ الثَّاقِبُ) إنَّ النَّجْمَ هُنَا أَيْضًا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَكَاهُ السُّلَمِيُّ، تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَاتُ مِنْ فضله وشرفه العد مَا يَقِفُ دُونَهُ الْعَدُّ وَأَقْسَمَ جَلَّ اسْمُهُ على
ج ١ ص ٣٨هِدَايَةِ الْمُصْطَفَى وَتَنْزِيهِهِ عَنِ الْهَوَى وَصِدْقِهِ فِيمَا تَلَا وأنَّهُ وَحْيٌ يُوحَى أَوْصَلَهُ إِلَيْهِ عَنِ اللَّهِ جبرئيل وَهُوَ الشَّدِيدُ الْقُوَى ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ قضيلته بِقِصَّةِ الْإِسْرَاءِ وَانْتِهَائِهِ إِلَى سِدْرَةِ المُنْتَهَى وَتَصْدِيقِ بَصَرِهِ فِيمَا رَأَى وَأنَّهُ رَأى مِنْ آيَاتِ رَبِه الْكُبْرَى وَقَدْ نبَّهَ عَلَى مِثْلِ هَذَا فِي أوَّلِ سُورَةِ الْإِسْرَاءِ، وَلَمَّا كَانَ مَا كَاشَفَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ الْجَبَرُوتِ وَشَاهَدَهُ مِنْ عَجَائِبِ الْمَلَكُوتِ لَا تُحِيطُ بِهِ الْعِبَارَاتُ وَلَا تَسْتَقِلُّ بِحَمْلِ سَمَاعِ أدْنَاهُ العُقُولُ رَمَزَ عَنْهُ تَعَالَى بِالإِيمَاءِ وَالْكِنَايَةِ الدَّالَّةِ عَلَى التَّعْظِيمِ فَقَالَ تَعَالَى (فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ ما أوحى) وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْكَلَامِ يُسَمِّيهِ أَهْلُ النَّقْدِ وَالْبَلَاغَةِ بِالْوَحْيِ وَالإِشَارَةِ وَهُوَ عِنْدَهُمْ أبْلَغُ أَبْوَابِ الْإِيجَازِ وَقَالَ لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الكبرى انْحَسَرَتِ الأَفْهَامُ عَنْ تَفْصِيلِ مَا أَوْحَى وَتَاهَتِ الْأَحلَامُ فِي تَعْيِينِ تِلْكَ الآيَاتِ الْكُبْرَى، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ اشتَمَلَتْ هَذِهِ الآيَاتُ عَلَى إِعْلَامِ اللَّهِ تَعَالَى بِتَزْكِيَةِ جُمْلَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِصْمَتِهَا مِنَ الآفَاتِ فِي هَذَا الْمَسْرَى فَزَكَّى فُؤَادَهُ وَلِسَانَهُ وجوارحه، فقلبه بقوه تَعَالَى (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى) وَلِسَانَهُ بِقَوْلِهِ (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى) وبَصَرَهُ بِقَوْلِهِ (مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * وَقَالَ تَعَالَى (فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ) إِلَى قَوْلِهِ (وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ)
- (قوله فتكلمت امرأة) روى الحاكم في المستدرك في تفسير سورة الضحى أنها امرأة أبى لهب أم جميل بنت حرب أخت أبى سفيان بن حرب واسمها العوراء (قوله وحظوته بالحاء المهملة المضمومة والظاء المعجمة الساكنة من حظيت المرأة عند زوجها. واعلم أن كل اسم على فعلة لامه واو بعدها هاء التأنيس فإنه مثلث الفاء (*)
- (قوله بالفلج) هو بضم الفاء وسكون اللام، بعدها جيم: الفوز والظفر كالإفلاج (قوله عن بعض آله عليه السلام) هو علي بن أبي طالب ذكره الثعلبي في تفسيره (قوله وَلَا يَرْضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِهِ النَّارَ) قيل ظاهر الآية مع هذه المقدمة يدل على أن أحدا من أمته صلى الله عليه وسلم لا يدخل النار، والجواب أنه إنما يدل على ذلك لو كان حصول الإعطاء الموعود به في الآية قبل أَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِهِ النَّارَ ولم يقم دَلِيل عَلَى ذَلِك بل جاز أن يكون بعده فإنه مستقبل في القيامة ولو سلم فتلك الدلالة متروكة الظاهر بالأدلة القائمة على أن بعض العصاة من أمته يدخلون النار ثم يخرجون منها لشفاعته صلى الله عليه وسلم (قوله من آلائه) أي نعمه جمع ألا - بفتح الهمزة والتنوين - كرحى، وقيل بكسرها وبالتنوين كمعى، وقيل بفتحها. وسكون اللام وبالواو كدلو، وقيل بكسرها وسكون اللام وبالياء كنحى (قوله قبله) بكسر القاف وفتح الموحدة أي عنده. (*)
- (قوله فحدب) بحاء مهملة مفتوحة فدال مهملة مكسورة فموحدة، في الصحاح حدب عليه ويحدب أي يعطف (قوله عمه) هو أبو طالب واسمه عبد مناف على الصحيح وقيل اسمه كنيته (قوله وإشادة ذكره) هو مصدر أشاد بذكره - بالدال - أي رفع من قدره (قوله وشرفه العد) بكسر العين المهملة أي الذى لا ينقطع مادته يقال ماء عد أي دائم لا انقطاع له كماء العين والبئر. (*)
- (قوله الجبروت) هو فعلوت من الجبر وهو القهر كالملكوت من الملك، والرهبوت من الرهبة، والرحموت من الرحمة (قوله رمز عنه) الرمز الإشارة. (*)
- ج ١ ص ٣٩
لَا أُقْسِمُ أَيْ أُقْسِمُ إِنَّهُ لَقَولُ رَسُولٍ كَرِيمٍ أَيْ كَرِيمٍ عِنْدَ مُرْسِلهِ ذِي قُوَّةٍ عَلَى تَبْلِيغِ مَا حُمِّلَهُ مِنَ الْوَحْيِ مَكِينٍ أَيْ مُتَمَكِّنِ الْمَنْزِلَةِ مِنْ رَبِّهِ رَفِيعِ المَحَلِّ عِنْدَهُ مُطَاعٍ ثَمَّ أَيْ فِي السَّمَاءِ أَمِينٍ عَلَى الْوَحْيِ، قَالَ
عَلِيُّ بْنُ عِيسَى وَغَيْرُهُ: الرَّسُولُ الْكَرِيمُ هُنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَمِيعُ الْأَوْصَافِ بَعْدُ عَلَى هَذَا لَهُ وَقَالَ غَيْرُهُ هُوَ جِبْرِيلُ فَتَرْجِعُ الْأَوْصَافُ إلَيْهِ وَلَقَدْ رَآهُ يَعْنِي محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِيلَ رَأَى رَبَّهُ وَقِيلَ رَأَى جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِظَنِينٍ أَيْ بِمُتَّهَمٍ وَمَنْ قَرَأَهَا بِالضَّادِ فَمَعْنَاهُ مَا هُوَ بِبَخيلٍ بِالدُّعِاءِ بِهِ وَالتَذْكِيرِ بِحُكْمِهِ وَبِعلْمِهِ وهَذِهِ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاتِّفَاقٍ * وَقَالَ تَعَالَى (ن وَالْقَلَمِ) الآيَاتِ أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِمَا أَقْسَمَ بِهِ مِنْ عَظِيمِ قَسَمِهِ عَلَى تَنْزِيهِ المُصْطَفَى مِمَّا غَمَصَتْهُ الْكَفَرةُ بِهِ وَتَكْذِيبِهِمْ لَهُ وَآنَسَهُ وَبَسَطَ أَمَلَهُ بِقَوْلِهِ مُحْسِنًا خِطَابَهُ (مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ) وَهَذِهِ نِهَايَةُ الْمَبَرَّةِ فِي المُخَاطَبَةِ وَأَعْلَى دَرَجَاتِ الآدَابِ فِي المُحَاوَرَةِ ثُمَّ أَعْلَمَهُ بِمَا لَهُ عِنْدَهُ مِنْ نَعِيمٍ دَائِمٍ وَثَوَابٍ غَيْرِ مُنْقَطِعٍ لَا يَأْخُذُهُ عَدٌّ وَلَا يَمُنُّ بِهِ عَلَيْهِ فَقَالَ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ ممنون ثُمَّ أَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا مَنَحَهُ مِنْ
ج ١ ص ٤٠هِبَاتِهِ وَهَدَاهُ إِلَيْهِ وأكد ذلك تتميما للتمجيد بحرفى التأكيد فَقَالَ تَعَالَى (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) قِيلَ الْقُرْآنُ وَقِيلَ الْإِسْلَامُ وَقِيلَ الطَبْعُ الْكَرِيمُ وقَيلَ لَيْسَ لَكَ هِمَّةٌ إِلَّا اللَّهَ، قَالَ الوَاسِطِيُّ أَثْنَى عَلَيْهِ بِحُسْنِ قَبْولِهِ لِمَا أَسْدَاهُ إلَيْهِ مِنْ نِعَمِهِ وَفَضَّلَهُ بِذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ لأنَّهُ جَبَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْخُلُقِ فَسُبْحَانَ اللَّطِيفِ الْكَرِيمِ الْمُحْسِنِ الْجَوَادِ الْحَمِيدِ الَّذِي يَسَّرَ لِلْخَيْرِ وَهَدَى إِلَيْهِ، ثُمَّ أَثْنَى عَلَى فَاعِلِهِ وَجَازَاهُ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ
مَا أَغْمَرَ نَوَالَهُ وَأَوْسَعَ إِفْضَالَهُ ثُمَّ سَلاهُ عَنْ قَوْلِهِمْ بَعْدَ هَذَا بِمَا وَعَدَهُ بِهِ مِنْ عِقَابِهِمْ وَتَوَعَّدَهُمْ بِقَوْلِهِ (فَسَتُبْصِرُ ويبصرون) الثَّلَاثَ الْآيَاتِ ثُمَّ عَطَفَ بَعْدَ مَدْحِهِ عَلَى ذَمِّ عَدُوِّهِ وَذِكْرِ سُوءِ خُلُقِهِ وَعَدَّ مَعَايِبَهُ مُتَولِّيًا ذَلِكَ بِفَضْلِهِ وَمُنْتَصِرًا لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ بِضْعَ عَشْرَةَ خَصْلَةً مِنْ خِصَالِ الذَّمِّ فِيهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى (فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ) إِلَى قَوْلِهِ (أَسَاطِيرُ الأولين) ثُمَّ خَتَمَ ذَلِكَ بِالْوَعِيدِ الصَّادِقِ بِتَمَامِ شَقَائِهِ وَخَاتِمَةِ بَوَارِهِ بقَوْلِهِ تَعَالَى (سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ) فَكَانَتْ نُصْرَةُ اللَّهِ تعالى لم أَتَمَّ مِنْ نُصْرَتِهِ لِنَفْسِهِ وَرَدُّهُ تَعَالَى عَلَى عَدُوِّهِ أَبْلَغُ مِنْ رَدِّهِ وَأَثْبَتُ فِي دِيوَانِ مَجْدِهِ.
- (قوله علي بن عيسى) الظاهر أنه الرماني النحوي، توفى سنة أربع وثمانين وثلاثمائة له تفسير القرآن أخذ الأدب عن أبى دريد وغيره قال ابن خلكان يَجُوز أن يَكُون نسبته إلى الرمان وبيعه وأن يكون إلى قصر الرمان وهو قصر بواسط معروف (قوله غمصته) بفتح المعجمة والميم وبعدهما صاد مهملة، قال ابن القطاع: غمص الناس احتقارهم والطعن عليهم. (*)
- (قوله مَا أَغْمَرَ نَوَالَهُ) هو بالغين المعجمة أي ما أكثره، والنوال: العطاء. (قوله بِضْعَ عَشْرَةَ خَصْلَةً) البضع في العدد بكسر الموحدة وفتحها من ثلاث إلى تسعة وقيل ما بين الواحد إلى العشرة لأنه قطعة من العدد، والخصلة بفتح الخاء المعجمة وسكون الصاد المهملة. (*)