سنة ست من الهجرة
١٢١ فقرة، ج ٢ ص ٥
الصفحة ٣ من ٤
- ج ٢ ص ٣١
فوضع كفه في الماء، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه حتى توضؤوا. فقلنا لأنس: كم كنتم؟ قال: زهاء ثلاث مائة.
-
أخرجه مسلم، والبخاري أيضا بمعناه (٣) . والزوراء بالمدينة عند السوق والمسج.
وقال أبو عبد الرحمن المقرئ: حدثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: حدثني زياد بن نعيم الحضرمي، قال: سمعت زياد بن الحارث الصدائي، قال: بايعت رسول الله ﷺ ، فذكر حديثا طويلا منه: فوضع كفه ﷺ في الماء فرأيت بين إصبعين من أصابعه عينا تفور. فقال لي رسول الله ﷺ : "لولا أن أستحيي من ربي لسقينا واستقينا" . عبد الرحمن ضعيف.
-
وهذه الأحاديث تدل على البركة في الماء غير مرة.
-
وقال إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: كنا نأكل مع
ج ٢ ص ٣٢النبي ﷺ ونحن نسمع تسبيح الطعام. وأتي بإناء فجعل الماء ينبع من بين أصابعه ﷺ . فقال: "حي على الطهور المبارك والبركة من السماء" . حتى توضأنا كلنا. أخرجه البخاري (١) .
-
وقال أبو كدينة، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى، عن ابن عباس، قال: أتي رسول الله ﷺ بإناء من ماء، فجعل أصابعه في فم الإناء وفتح أصابعه، فرأيت العيون تنبع من بين أصابعه. وذكر الحديث. إسناده جيد.
وقال ابن لهيعة: حدثنا أبو الأسود، قال: قال عروة في نزوله ﷺ بالحديبية: ففزعت قريش لنزوله عليهم، فأحب أن يبعث إليهم رجلا. فدعا عمر ليبعثه فقال: إني لا آمنهم، وليس بمكة أحد من بني كعب يغضب لي، فأرسل عثمان فإن عشيرته بها. فدعا عثمان فأرسله وقال: أخبرهم أنا لم نأت لقتال، وادعهم إلى الإسلام. وأمره أن يأتي رجالا بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات فيدخل عليهم ويبشرهم بالفتح. فانطلق عثمان فمر على قريش ببلدح. فقالت قريش: إلى أين؟ فقال: بعثني رسول الله ﷺ إليكم لأدعوكم إلى الإسلام، ويخبركم أنا لم نأت لقتال وإنما جئنا عمارا. فدعاهم عثمان كما أمره رسول الله ﷺ . قالوا: قد سمعنا ما تقول فانفذ لحاجتك. وقام إليه أبان بن سعيد بن العاص فرحب به وأسرج فرسه، فحمل عليه عثمان فأجاره، وردفه أبان حتى جاء مكة. ثم إن قريشا بعثوا بديل بن ورقاء؛ فذكر الحديث والصلح. وذكر أنهم أمن بعضهم بعضا وتزاوروا. فبيناهم كذلك، وطوائف من المسلمين في المشركين، إذ رمى رجل رجلا من الفريق الآخر. فكانت معاركة، وتراموا بالنبل والحجارة، وصاح الفريقان وارتهن كل واحد من الفريقين من فيهم، فارتهن المسلمون سهيل بن عمرو وغيره، وارتهن المشركون عثمان وغيره.
-
ودعا رسول الله ﷺ إلى البيعة. ونادى منادى رسول الله ﷺ : ألا إن روح القدس قد نزل على رسول الله ﷺ فأمر بالبيعة، فاخرجوا على اسم الله فبايعوا. فثار المسلمون إلى رسول الله ﷺ وهو تحت الشجرة، فبايعوه على أن لا يفروا أبدا. فذكر القصة بطولها، وفيها: فقال المسلمون وهم بالحديبية قبل أن يرجع عثمان بن عفان: خلص عثمان من بيننا إلى البيت فطاف به. فقال رسول الله ﷺ : "ما أظنه طاف بالبيت ونحن محصورون" . قالوا: وما يمنعه يا رسول الله وقد خلص؟ قال: "ذلك ظني به أن لا يطوف بالكعبة حتى يطوف معنا" . فرجع إليهم عثمان، فقال المسلمون: اشتفيت يا أبا عبد الله من الطواف بالبيت؟
ج ٢ ص ٣٣فقال: عثمان: بئس ما ظننتم بي، فوالذي نفسى بيده لو مكثت بها مقيما سنة ورسول الله ﷺ مقيم بالحديبية ما طفت بها حتى بها رسول الله ﷺ ، ولقد دعتني قريش إلى الطواف بالبيت فأبيت.
وقال البكائي، عن ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله ﷺ قال حين بلغه أن عثمان قد قتل: "لا نبرح حتى نناجز القوم" . فدعا الناس إلى البيعة. فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة. فكان الناس يقولون: بايعهم رسول الله ﷺ على الموت، وكان جابر يقول: لم يبايعنا على الموت ولكن بايعنا على أن لا نفر.
وقال يونس، عن ابن إسحاق: حدثني بعض آل عثمان أن رسول الله ﷺ ضرب بإحدى يديه على الأخرى، وقال: هذه لي وهذه لعثمان إن كان حيًّا: ثم بلغهم أن ذلك باطل، ورجع عثمان. ولم يتخلف عن بيعة رسول الله ﷺ أحد إلا الجد بن قيس أخو بني سلمة. قال جابر: والله لكأني أنظر إليه لاصقا بإبط ناقة رسول الله ﷺ ، وقد ضبأ إليهايستتر بها من الناس.
قال الحسن بن بشر البجلي: حدثنا الحكم بن عبد الملك -وليس بالقوي قال النسائي- عن قتادة، عن أنس، قال: لما أمر رسول الله ﷺ ببيعة الرضوان كان عثمان رسول الله ﷺ إلى مكة. فبايع الناس، فقال رسول الله ﷺ : "إن عثمان في حاجة الله ورسوله" . فضرب بإحدى يديه على الأخرى فكانت يد رسول الله ﷺ لعثمان خيرا من أيديهم لأنفسهم.
وقال ابن عيينة: حدثنا أبو الزبير، سمع جابرا يقول: لما دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة وجدنا رجلا منا يقال له: الجد بن قيس مختبئا تحت إبط بعير. أخرجه مسلم من حديث ابن جريج، عن أبي الزبير، وبه قال: لم نبايع النبي ﷺ على الموت، ولكن بايعناه على أن لا نفر.
-
أخرجه مسلم عن ابن أبي شيبة، عن ابن عيينة، وأخرجه من حديث الليث، عن أبي الزبير، وقال: فبايعناه وعمر رضي الله عنه آخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة.
-
وقال خالد الحذاء، عن الحكم بن عبد الله الأعرج، عن معقل بن يسار، قال: لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي ﷺ يبايع الناس وأنا رافع غصنا من أغصانها عن رأسه، ونحن أربع عشرة مائة. ولم نبايعه على الموت ولكن بايعناه على أن لا نفر. أخرجه مسلم (١) .
ج ٢ ص ٣٤وقال ابن عيينة: حدثنا ابن أبي خالد، عن الشعبي، قال: لم دعا النبي ﷺ الناس إلى البيعة كان أول من انتهى إليه أبو سنان الأسدي، فقال: ابسط يدك أبايعك. فقال النبي ﷺ : "علام تبايعني" قال: على ما في نفسك.
-
وقال مكي بن إبراهيم، وأبو عاصم -واللفظ له- عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع، قال: بايعت رسول الله ﷺ يوم الحديبية، ثم عدلت إلى ظل شجرة. فلما خف الناس قال: "يا ابن الأكوع ألا تبايع" قلت: قد بايعت يا رسول الله. قال: "وأيضا" . فبايعته الثانية فقلت لسلمة: يا أبا مسلم على أى شي كنتم تبايعون يومئذ؟ قال: على الموت. متفق عليه (١) .
-
وقال عكرمة بن عمار، عن إياس بن سلمة، عن أبيه، فذكر الحديث، وقال: ثم إن رسول الله ﷺ دعا البيعة في أصل الشجرة، فبايعته أول الناس ويايع، حتى إذا كان في وسط الناس، قال: "بايعني يا سلمة" . فقلت: يا رسول الله قد بايعتك. قال: "وأيضا" .
قال: ورآني عزلا فأعطاني حجفة أو درقة. ثم بايع، حتى إذا كان في آخر الناس قال: "ألا تبايع" ؟ قلت: يا رسول الله قد بايعتك في أول الناس وأوسطهم. قال: "وأيضا" . فبايعت الثالثة. فقال: "يا سلمة أين حجفتك أو درقتك التي أعطيتك" ؟ قلت: لقيني عامر فأعطيتها إياه. فضحك ثم قال: "إنك كالذي قال الأول: اللهم ابغني حبيبا هو أحب إلي من نفسي" . ثم إن مشركي مكة راسلونا بالصلح حتى مشى بعضنا إلى بعض فاصطلحنا. وكنت خادما لطلحة بن عبيد الله أسقي فرسه وأحسه (٢) وآكل من طعامه. وتركت أهلي ومالي مهاجرا إلى الله ورسوله. فلما اصطلحنا واختلط بعضنا ببعض أتيت شجرة فكسحت شوكها فاضطجعت في ظلها. فأتاني أربعة من أهل مكة، فجعلوا يقعون في رسول الله ﷺ فأبغضتهم، فتحولت إلى شجرة أخرى، فعلقوا سلاحهم واضطجعوا. فبينا هم كذلك إذ ناد مناد من أسفل الوادي: يا للمهاجرين، قتل ابن زنيم. فاخترطت سيفي فشددت على أولئك الأربعة وهم رقد، فأخذت سلاحهم فجعلته ضغثا في يدي، ثم قلت: والذي كرم وجه محمد ﷺ لا يرفع أحد منكم إلا ضربت الذي فيه عيناه، ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله ﷺ . وجاء عمي عامر برجل من العبلات يقال له: مكرز يقوده حتى وقفنا بهم على
ج ٢ ص ٣٥رسول الله ﷺ في سبعين من المشركين، فنظر إليهم. وقال: "دعوهم، يكون لهم بدء الفجور وثناؤه" . فعفا عنهم رسول الله ﷺ ، وأنزلت: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ [الفتح: ٢٤] ، أخرجه مسلم (١) .
-
وقال حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، أن رجالا من أهل مكة هبطوا إلى النبي ﷺ من قبل جبل التنعيم ليقاتلوه. قال: فأخذهم رسول الله ﷺ أخذا، فأعتقهم. فأنزل الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ الآية، أخرجه مسلم (٢) .
وقال الوليد بن مسلم: حدثنا عمر بن محمد العمري، قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر، أن الناس كانوا مع النبي ﷺ يوم الحديبية، قد تفرقوا في ظلال الشجر، فإذا الناس محدقون برسول الله ﷺ ، فقال - يعني عمر: يا عبد الله انظر ما شأن الناس؟ فوجدهم يبايعون، فبايع ثم رجع إلى عمر، فخرج فبايع.
-
أخرجه البخاري (٣) فقال: وقال هشام بن عمار، حدثنا الوليد. قلت: ورواه دحيم، عن الوليد.
قلت: وسميت بيعة الرضوان من قوله - تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨] .
-
قال أبو عوانة، عن طارق بن عبد الرحمن، عن سعيد بن المسيب، قال: كان أبي ممن بايع رسول الله ﷺ عند الشجرة، قال: فانطلقنا في قابل حاجين، فخفي علينا مكانها، فإن كانت تبينت لكم فأنتم أعلم. متفق عليه (٤) .
وقال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير المكي أنه سمع جابرا يقول: أخبرتني أم مبشر أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول عند حفصة: "لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة
ج ٢ ص ٣٦"الذين بايعوا تحتها أحد" . قلت: بلى يا رسول الله، فانتهرها، فقال: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] ، فقال: قد قال - تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢] ، أخرجه مسلم (١) .
-
قرأت على عبد الحافظ بن بدران: أخبركم موسى بن عبد القادر، والحسين بن أبي بكر، قالا: أخبرنا عبد الأول بن عيسى، قال: أخبرنا محمد بن أبي مسعود، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي شريح، قال: حدثنا أبو القاسم البغوي، قال: حدثنا العلاء بن موسى إملاء، سنة سبع وعشرين ومائتين، قال: أخبرنا الليث بن سعد، عن أبي الزبير المكي، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يدخل أحد ممن بايع تحت الشجرة النار" . أخرجه النسائي (٢) .
وقال قتيبة: حدثنا الليث، عن أبي الزبير، عن جابر، أن عبدا لحاطب بن أبي بلتعة جاء رسول الله ﷺ يشكو حاطبا؛ قال: يا رسول الله ليدخلن حاطب النار. فقال رسول الله ﷺ : "كذبت لا يدخلها، فإنه شهد بدرا والحديبية" (٣) .
وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق: حدثني الزهري، عن عروة، عن المسور بن مخرمة، ومروان في قصة الحديبية؛ قالا: فدعت قريش سهيل بن عمرو؛ قالوا: اذهب إلى هذا الرجل فصالحه ولا تكونن في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا، لا تحدث العرب أنه دخلها علينا عنوة. فخرج سهيل من عندهم، فلما رآه رسول الله ﷺ مقبلا، قال: "قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل" . فوقع الصلح على أن توضع الحرب بينهما عشر
ج ٢ ص ٣٧سنين، وأن يخلوا بينه وبين مكة من العام المقبل، فيقيم بها ثلاثا، وأنه لا يدخلها إلا بسلاح الراكب والسيوف في القرب، وأنه من أتانا من أصحابك بغير إذن وليه لم نرده عليك، ومن أتاك منا بغير إذن وليه رددته علينا، وأن بينا وبينك عيبة مكفوفة، وأنه لا إسلال ولا إغلال.
-
وذكر الحديث.
-
الإسلال: الخفية، وقيل: الغارة، وقيل: سل السيوف والإغلال: الغارة.
وقال شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: لما صالح رسول الله ﷺ مشركي مكة كتب بينهم كتابا: "هذا ما صالح عليه محمد رسول الله" . قالوا: لو علمنا أنك رسول الله لم نقاتلك. قال لعلي: "امحه" . فأبى، فمحاه رسول الله ﷺ بيده، وكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله. واشتراطوا عليه أن يقيموا ثلاثا، وأن لا يدخلوا مكة بسلاح إلا جلبان السلاح، يعني السيف بقرابه. متفق عليه (١) .
-
وقال حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس نحوه أو قريبا منه. أخرجه مسلم (٢) .
-
وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، حدثني بريدة بن سفيان، عن محمد بن كعب أن كاتب رسول الله ﷺ للصلح كان عليا رضي الله عنه فقال رسول الله ﷺ : "اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو" . فجعل علي يتلكأ ويأبى أن يكتب إلا: محمد رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : "اكتب، فإن لك مثلها تعطيها وأنت مضطهد" ، فكتب: "هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله" .
وقال عبد العزيز بن سياه: حدثنا حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل، قال: قام سهل بن حنيف يوم صفين فقال: أيها الناس اتهموا أنفسكم، لقد كنا مع رسول الله ﷺ يوم الحديبية، ولو نرى قتالا لقاتلنا. فأتي عمر فقال: ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ قال: بلى. قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى. قال: ففيم نعطي الدنية في أنفسنا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ قال: "يا ابن الخطاب، إني رسول الله ولن يضيعني الله" ، فانطلق متغيظا إلى أبي بكر، فقال له كما قال رسول الله ﷺ ، ونزل القرآن، فأرسل النبي ﷺ إلى عمر فأقرأه إياه. فقال: يا رسول الله، أوفتح هو؟ قال: "نعم" ، فطابت نفسه ورجع. متفق عليه (٣) .
- ج ٢ ص ٣٨
وقال يونس، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن المسور، ومروان، قالا: خرج رسول الله ﷺ من عند أم سلمة فلم يكلم أحدا حتى أتى هديه فنحر وحلق. فلما رأى الناس ذلك قاموا فنحروا وحلق بعض وقصر بعض. فقال رسول الله ﷺ : "اللهم اغفر للمحلقين" . فقيل: يا رسول الله والمقصرين؟ فقال: "اغفر للمحلقين" ، ثلاثا. قيل: يا رسول الله وللمقصرين؟ قال: "وللمقصرين" .
وقال يونس، عن ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: قيل له: لم ظاهر رسول الله ﷺ للمحلقين ثلاثا وللمقصرين واحدة؟ فقال: إنهم لم يشكوا.
-
وقال يونس -هو ابن بكير- عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي إبراهيم، عن أبي سعيد، قال: حلق أصحاب رسول الله ﷺ يوم الحديبية كلهم غير رجلين؛ قصرا ولم يحلقا.
-
أبو إبراهيم مجهول.
-
وقال ابن عيينة، عن إبراهيم بن ميسرة، عن وهب بن عبد الله بن قارب، قال: كنت مع أبي، فرأيت رسول الله ﷺ يقول: "يرحم الله المحلقين" . قال رجل: والمقصرين يا رسول الله؟ فلما كانت الثالثة، قال: "والمقصرين" .
وقال يحيى بن أبي بكير، قال: حدثنا زهير بن محمد، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: نحر يوم الحديبية سبعون بدنة فيها جمل أبي جهل، فلما صدت عن البيت حنت كما تحن إلى أولادها.
-
ويروى عن ابن عباس، أن النبي ﷺ أهدي في عمرة الحديبية جملا كان لأبي جهل، في أنفه برة من ذهب أهداه ليغيظ به قريشا.
-
وقال فليح بن سليمان، [عن نافع] عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ خرج معتمرا، فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية، وقاضاهم على أن يعتمر العام المقبل، ولا يحمل سلاحا عليها إلا سيوفا، ولا يقيم بها إلا ما أحبوا، فاعتمر من العام المقبل، فدخلها كما صالحهم. فلما أن أقام بها ثلاثا، أمروه أن يخرج فخرج. أخرجه البخاري (١) .
-
وقال مالك عن أبي الزبير، عن جابر، نحرنا بالحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة. رواه مسلم (٢) .
- ج ٢ ص ٣٩
[نزول سورة الفتح]
-
قال مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه أن رسول الله ﷺ كان يسير في بعض أسفاره، وعمر معه ليلا. فسأله عمر عن شيء فلم يجبه، ثم سأله فلم يجيه، ثم سأله فلم يجبه، فقال عمر: ثكلتك أمك، نزرت رسول الله ﷺ ، قال: فحركت بعيري حتى تقدمت أمام الناس وخشيت أن ينزل في قرآن، فلم أنشب أن سمعت صارخا يصرخ، قال: قلت: لقد خشيت أن يكون نزل في قرآن، فجئت رسول الله ﷺ فسلمت عليه، فقال: "لقد أنزلت علي الليلة سورة هي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس" ، ثم قرأ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح] ، أخرجه البخاري (١) .
-
وقال يونس بن بكير، عن عبد الرحمن المسعودي، عن جامع بن شداد، عن عبد الرحمن بن أبي علقمة، عن ابن مسعود؛ قال: لما أقبل رسول الله ﷺ من الحديبية، جعلت ناقته تثقل، فتقدمنا، فأنزل عليه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾.
وقال شعبة، عن قتادة، عن أنس: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ قال: فتح الحديبية، فقال رجل: هنيئا مريئا يا رسول الله هذا لك، فما لنا؟ فأنزلت: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ﴾ [الفتح: ٥] .
قال شعبة: فقدمت الكوفة فحدثتهم عن قتادة، عن أنس، ثم قدمت البصرة فذكرت ذلك لقتادة، فقال: أما الأول فعن أنس، وأما الثاني: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ﴾، فعن عكرمة، أخرجه البخاري (٢) .
وقال همام: حدثنا قتادة، عن أنس، قال: لما نزلت: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ إلى آخر الآية على رسول الله ﷺ مرجعه من الحديبية، وأصحابه مخالطو الحزن والكآبة، فقال:
ج ٢ ص ٤٠"نزلت علي آية هي أحب إلي من الدنيا" . فلما تلاها قال رجل: قد بين الله ما يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فأنزلت التي بعدها: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ﴾. أخرجه مسلم (١) .
-
وقال يونس، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن المسور، ومروان قالا في قصة الحديبية: ثم انصرف رسول الله ﷺ راجعا، فلما أن كان بين مكة والمدينة نزلت عليه سورة الفتح. فكانت القصة في سورة الفتح وما ذكر الله من بيعة الرضوان تحت الشجرة. فلما أمن الناس وتفاوضوا، لم يكلم أحد بالإسلام إلا دخل فيه. فلقد دخل في تينك السنتين في الإسلام أكثر مما كان فيه قبل ذلك. وكان صلح الحديبية فتحا عظيما.
وقال ابن لهيعة: حدثنا أبو الأسود، عن عروة؛ قالوا: وأقبل رسول الله ﷺ من الحديبية راجعا. فقال رجال من أصحاب رسول الله ﷺ : والله ما هذا بفتح؛ لقد صددنا عن البيت وصد هدينا، وعكف رسول الله ﷺ بالحديبية ورد رسول الله ﷺ رجلين من المسلمين خرجا. فبلغ رسول الله ﷺ قول رجال من أصحابه: إن هذا ليس بفتح، فقال: "بئس الكلام، هذا أعظم الفتح، لقد رضي المشركون أن يدفعوكم بالراح عن بلادهم ويسألونكم القضية ويرغبون إليكم في الأمان، وقد رأوا منكم ما كرهوا، وقد أظفركم الله عليهم وردكم سالمين غانمين مأجورين، فهذا أعظم الفتوح. أنسيتم يوم أحد، إذ تصعدون ولا تلوون على أحد وأنا أدعوكم في أخراكم؟ أنسيتم يوم الأحزاب، إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم" ؟، فقال المسلمون: صدق الله ورسوله، هذا أعظم الفتوح والله يا نبي الله.
قال ابن أبي عروبة، عن قتادة، قال: ظهرت الروم على فارس عند مرجع المسلمين من الحديبية، وقال مثل ذلك عقيل، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود.
-
وكانت بين الروم وبين فارس ملحمة مشهودة نصر الله -تعالى- فيها الروم، ففرح المسلمون بذلك، لكون أهل الكتاب في الجملة نصروا على المجوس.
وقال مغيرة، عن الشعبي في قوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾؛ قال: فتح الحديبية، وبايعوا بيعة الرضوان، وأطعموا نخيل خيبر، وظهرت الروم على فارس. ففرح المؤمنون بتصديق كتاب الله ونصر أهل الكتاب على المجوس.
- ج ٢ ص ٤١
وقال شعبة، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨] ، قال: خيبر. ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾ [الفتح: ٢١] ، قال: فارس والروم.
وقال ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: أرى رسول الله ﷺ وهو بالحديبية أنه يدخل مكة هو وأصحابه آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين، فقالوا له حين نحر بالحديبية: أين رؤياك يا رسول الله؟ فأنزل الله: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ﴾ إلى قوله: ﴿فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ٢٧] ، يعني النحر بالحديبية، ثم رجعوا ففتحوا خيبر، فكان تصديق رؤياه في السنة المقبلة.
وقال هشيم: أخبرنا أبو بشر، عن سعيد، وعكرمة: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الفتح: ١٦] ، قالا: هوازن يوم حنين. رواه سعيد بن منصور في سننه.
وقال بندار: حدثنا غندر، قال: حدثنا شعبة، عن هشيم، فذكره، وزاد: هوازن وبنو حنيفة.
-
وقال عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله: ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾، قال: فارس. وقال: ﴿السَّكِينَة﴾ هي الرحمة.
وقال أبو حذيفة النهدي: حدثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الأحوص، عن علي ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٤] ، قال: السكينة لها وجه كوجه الإنسان، ثم هي بعد ريح هفافة.
وقال ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: السكينة كهيئة الريح، لها رأس كرأس الهرة وجناحان.
-
وقال المسعودي، عن قتادة عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَة﴾، قال السرية، ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾، قال: هو محمد ﷺ . ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾ [الرعد: ٣١] ، قال: فتح مكة.
-
وعن مجاهد: ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾، قال: الحديبية ونحوها. رواه شريك، عن منصور، عنه.
ج ٢ ص ٤٢وقال الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب: أخبرني عروة أنه سمع مروان بن الحكم، والمسور، يخبران عن أصحاب رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ لما كاتب سهيل بن عمرو، فذكر الحديث، وفيه: وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله ﷺ يومئذ وهي عاتق، فجاء أهلها يسألون رسول الله ﷺ يرجعها إليهم فلم يرجعها إليهم لما أنزل الله فيهن: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] .
قال عروة: فأخبرتني عائشة أن رسول الله ﷺ كان يمتحنهن بهذه الآية: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ الآية [الممتحنة: ١٢] ، قالت: فمن أقر بهذا الشرط منهن قال لها: "قد بايعتك" ، كلاما يكلمها به، والله ما مست يده يد امرأة قط في المبايعة، ما بايعهن إلا بقوله. أخرجه البخاري (١) .
وقال موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، قال: ولما رجع رسول الله إلى المدينة انفلت من ثقيف أبو بصير بن أسيد بن جارية الثقفي من المشركين، فذكر من أمره نحوًا مما قدمناه. وفيه زيادة وهي: فخرج أبو بصير معه خمسة كانوا قدموا من مكة، ولم ترسل قريش في طلبهم كما أرسلوا في أبي بصير، حتى كانوا بين العيص وذي المروة من أرض جهينة على طريق عير قريش مما يلي سيف البحر، لا يمر بهم عير لقريش إلا أخذوها وقتلوا أصحابها.
-
وانفلت أبو جندل في سبعين راكبا أسلموا وهاجروا، فلحقوا بأبي بصير، وقطعوا مادة قريش من الشام، وكان أبو بصير يصلي بأصحابه، فلما قدم عليه أبو جندل كان يؤمهم.
-
واجتمع إلى أبي جندل حين سمعوا بقدومه ناس من بني غفار وأسلم وجهينة وطوائف، حتى بلغوا ثلاث مائة مقاتل وهم مسلمون، فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ يسألونه أن يبعث إلى أبي بصير ومن معه فيقدموا عليه، وقالوا: من خرج منا إليك فأمسكه، قال: ومر بأبي بصير أبو العاص بن الربيع من الشام فأخذوه، فقدم على امرأته زينب سرا. وقد تقدم شأنه.
-
وأرسل رسول الله ﷺ كتابه إلى أبي بصير أن لا يعترضوا لأحد. فقدم الكتاب على أبي جندل وأبي بصير، وأبو بصير يموت، فمات وكتاب رسول الله ﷺ في يده يقرؤه، فدفنه أبو جندل مكانه، وجعل عند قبره مسجدا.
وقال يحيى بن أبي كثير: حدثني أبو سلمة، أن أبا هريرة حدثه، أن النبي ﷺ كان إذا
صلى العشاء الآخرة نصب في الركعة الآخرة بعدما يقول: "سمع الله لمن حمده" ، ويقول: "اللهم نج الوليد بن الوليد، اللهم نج سلمة بن هشام، اللهم نج عياش بن أبي ربيعة، اللهم نج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها سنين مثل سني يوسف" (٢) . ثم لم يزل يدعو حتى نجاهم الله -تعالى- ثم ترك الدعاء لهم بعد ذلك.
- ج ٢ ص ٤٣
[وفي سنة ست]
-
مات سعد بن خولة رضي الله عنه في الأسر بمكة. ورثى له النبي ﷺ لكونه مات بمكة.
-
وفيها قتل هشام بن صبابة أخو مقيس، قتله رجل من المسلمين وهو يظن أنه كافر، فأعطى النبي ﷺ مقيسا ديته. ثم إن مقيسا قتل قاتل أخيه، وكفر وهرب إلى مكة.