سيرة أبي الحسنين علي رضي الله عنه
١٩٠ فقرة، ج ٢ ص ٤٩٥
الصفحة ٥ من ٥
- ج ٢ ص ٥٣٧
ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الموالي، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، سمع محمد ابن الحنفية يقول: كان أبي يريد الشام، فجعل يعقد لواءه، ثم يحلف لا يحله حتى يسير فيأبى عليه الناس، وينتشر عليه رأيهم، ويجبنون فيحله ويكفر عن يمينه، فعل ذلك أربع مرات، وكنت أرى حالهم فأرى ما لا يسرني، فكلمت المسور بن مخرمة يومئذ، وقلت: ألا تكلمه أين يسير بقوم لا والله ما أرى عندهم طائلا. قال: يا أبا القاسم يسير لأمر قد حم، قد كلمته فرأيته يأبى إلا المسير. قال ابن الحنفية: فلما رأى منهم ما رأى، قال: اللهم إني قد مللتهم وملوني، وأبغضتهم وأبغضوني، فأبدلني بهم خيرا منهم، وأبدلهم بي شرا مني.
- سنة أربعين:
-
فيهاك بعث معاوية إلى اليمن بسر بن أبي أرطاة القرشي العامري في جنود، فتنحى عنها عامل علي عبيد الله بن عباس، وبلغ عليا فجهز إلى اليمن جارية بن قدامة السعدي فوثب بسر على ولدي عبيد الله بن عباس صبيين، فذبحهما بالسكين وهرب، ثم رجع عبيد الله على اليمن.
قال ابن سعد: قالوا: انتدب ثلاثة من الخوارج، وهم: عبد الرحمن بن ملجم المرادي، والبرك بن عبد الله التميمي، وعمرو بن بكير التميمي، فاجتمعوا بمكة، فتعاهدوا وتعاقدوا ليقتلن هؤلاء الثلاثة علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، ومعاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، ويريحوا العباد منهم فقال ابن ملجم: أنا لعلي، وقال البرك: أنا لكم لمعاوية، وقال الآخر: أنا أكفيكم عمرا. فتواثقوا أن لا ينكصوا، واتعدوا بينهم أن يقع ذلك ليلة سبع عشرة من رمضان، ثم توجه كل رجل منهم إلى بلد بها صاحبه، فقدم ابن ملجم الكوفة،
ج ٢ ص ٥٣٨فاجتمع بأصحابه من الخوارج، فأسر إليهم، وكان يزورهم ويزورونه. فرأى قطام بنت شجنة من بني تيم الرباب، وكان علي قتل أباها وأخاها يوم النهروان، فأعجبته، فقالت: لا أتزوجك حتى تعطيني ثلاثة آلاف درهم، وتقتل عليا، فقال: لك ذلك. ولقي شبيب بن بجرة الأشجعي، فأعلمه ودعاه إلى أن يكون معه، فأجابه.
-
وبقي ابن ملجم في الليلة التي عزم فيها على قتل علي يناجي الأشعث بن قيس في مسجده حتى كاد يطلع الفجر، فقال له الأشعث: فضحك الصبح، فقام هو وشبيب، فأخذوا أسيافهما، ثم جاءا حتى جلسا مقابل السدة التي يخرج منها علي، فذكر مقتل علي رضي الله عنه ، فلما قتل أخذوا عبد الرحمن بن ملجم، وعذبوه وقتلوه.
وقال حجاج بن أبي منيع: حدثنا جدي، عن الزهري، عن أنس قال: تعاهد ثلاثة من أهل العراق على قتل معاوية، وعمرو بن العاص، وحبيب بن مسلمة، وأقبلوا بعد ما بويع معاوية.
-
من توفي فيها: الحارث بن خزمة بن عدي، أبو بشير الأنصاري الأشهلي.
-
شهد بدرا والمشاهد كلها، وهو من حلفاء بني عبد الأشهل. توفي بالمدينة سنة أربعين وله سبع وستون سنة. وخزمة: بفتحتين، قيده ابن ماكولا.
-
خارجة بن حذافة بن غانم.
قال ابن ماكولا: له صحبة، وشهد فتح مصر، وكان أمير ربع المدد الذين أمد بهم عمر بن الخطاب عمرو بن العاص، وكان على شرطة مصر في خلافة عمر، وفي خلافة معاوية، قتله عمرو بن بكير الخارجي بمصر، وهو يعتقد أنه عمر بن العاص.
-
روى عنه عبد الله بن أبي مرة حديثا.
-
شرحبيل بن السمط بن الأسود الكندي، أبو يزيد، ويقال: أبو السمط.
-
له صحبة ورواية. وروى أيضا عن عمر، وسلمان الفارسي. وعنه: جبير بن نفير، وكثير بن مرة، وجماعة.
قال البخاري: كان على حمص، وهو الذي افتتحها وكان فارسا بطلا شجاعا، قيل: إنه شهد القادسية. وكان قد غلب الأشعث بن قيس على شرف كندة، واستقدمه معاوية قبل صفين يستشيره.
- ج ٢ ص ٥٣٩
وقد قال الشعبي: إن عمر استعمل شرحبيل بن السمط على المدائن، واستعمل أباه بالشام، فكتب إلى عمر: إنك تأمر أن لا يفرق بين السبايا وأولادهن، فإنك قد فرقت بيني وبين ابني، قال: فألحقه بابنه.
قال يزيد بن عبد ربه الحمصي: توفي شرحبيل سنة أربعين.
-
عبد الرحمن بن ملجم المرادي، قاتل علي رضي الله عنه .
-
خارجي مفتر، ذكره ابن يونس في "تاريخ مصر" فقال: شهد فتح مصر، واختط بها مع الأشراف، وكان ممن قرأ القرآن، والفقه، وهوأحد بني تدول وكان فارسهم بمصر. قرأ القرآن على معاذ بن جبل، وكان من العباد، ويقال: هو الذي أرسل صبيغا التميمي إلى عمر، فسأله عما سأله من مستعجم القرآن.
-
وقيل: إن عمر كتب إلى عمرو بن العاص: أن قرب دار عبد الرحمن بن ملجم من المسجد ليعلم الناس القرآن والفقه، فوسع له مكان داره، وكانت إلى جانب دار عبد الرحمن بن عديس البلوي، يعني أحد من أعان على قتل عثمان. ثم كان ابن ملجم من شيعة علي بالكوفة سار إليه إلى الكوفة، وشهد معه صفين.
قلت: ثم أدركه الكتاب، وفعل ما فعل، وهو عند الخوارج من أفضل الأمة، وكذلك تعظمه النصيرية.
قال الفقيه أبو محمد بن حزم: يقولون: إن ابن ملجم أفضل أهل الأرض، خلص روح اللاهوت من ظلمة الجسد وكدره.
-
فاعجبوا يا مسلمون لهذا الجنون.
-
وفي ابن ملجم يقول عمران بن حطان الخارجي.
يا ضربة من تقي ما أراد بها … إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إني لأذكره حينا فأحسبه … أوفى البرية عند الله ميزانا
وابن ملجم عند الروافض أشقى الخلق في الآخرة. وهو عندنا أهل السنة ممن نرجو له النار، ونجوز أن الله يتجاوز عنه، لا كما يقول الخوارج والروافض فيه، وحكمه حكم قاتل عثمان، وقاتل الزبير، وقاتل طلحة، وقاتل سعيد بن جبير، وقاتل عمار، وقاتل خارجة، وقاتل الحسين، فكل هؤلاء نبرأ منهم ونبغضهم في الله، ونكل أمورهم إلى الله عز وجل .
- المتوفون في خلافة علي تحديدا وتقريبا على الحروف:
-
رفاعة بن رافع بن مالك بن العجلان، أبو معاذ الأنصاري الزرقي، أخو مالك وخلاد.
-
شهد بدرا هو وأخوه خلاد، وكان أبوه من نقباء الأنصار، له أحاديث. روى عنه ابناه: عبيد ومعاذ، وابن أخيه يحيى بن خلاد، وغيرهم. وله عقب كثير بالمدينة، وبغداد.
-
توفي في حدود سنة أربعين.
وقال ابن سعد: توفي في أول خلافة معاوية.
-
صفوان بن عسال المرادي: غزا مع رسول الله ﷺ ثنتي عشرة غزوة، وله أحاديث. روى عنه: زر بن حبيش، وعبد الله بن مسلمة المرادي، وأبو الغريف عبيد الله بن خليفة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن. وسكن الكوفة.
-
قرظة بن كعب الأنصاري الخزرجي: أحد فقهاء الصحابة، وهو أحد العشرة الذين وجههم عمر إلى الكوفة ليعلموا الناس، ثم شهد فتح الري زمن عمر، وولاه علي على الكوفة، ثم سار إلى الجمل مع علي، ثم شهد صفين.
-
توفي بالكوفة، وصلى عليه علي على الصحيح، وهو أول من نيح عليه بالكوفة، وقيل: توفي بعد علي.
-
القعقاع بن عمرو التميمي: قيل: إنه شهد وفاة رسول الله ﷺ . وله أثر عظيم في قتال الفرس في القادسية وغيرها، وكان أحد الأبطال المذكورين، يقال: إن أبا بكر قال: صوت القعقاع في الجيش خير من ألف رجل. وشهد الجمل مع علي وكان الرسول في الصلح يومئذ بين الفريقين، وسكن الكوفة.
-
سحيم عبد بني الحسحاس: شاعر مفلق، بديع القول، لا صحبة له.
-
روى معمر، عن سعيد بن عبد الرحمن، عن السائب، قال: قيل لعمر رضي الله عنه : هذا عبد بني الحسحاس يقول الشعر، دعاه فقال: كيف قلت؟ فقال:
ودع سليمى إن تجهزت غاديا … كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا
قال: حسبك، صدقت صدقت. هذا حديث صحيح.
-
وهذه قصيدة طنانة يقول بها:
ج ٢ ص ٥٤١جنونا بها فيما اعتلقنا علاقة … علاقة حب ما استسر وباديا
ليالي تصطاد الرجال بفاحم … تراه أثيثا ناعم النبت عافيا
وجيد كجيد الريم ليس بعاطل … من الدر والياقوت أصبح حاليا
كأن الثريا علقت فوق نحرها … وجمر غضى هبت له الريح زاكيا
إذا اندفعت في ريطة وخميصة … وألقت بأعلى الرأس سبا يمانيا
تريك غداة البين كفا ومعصما … ووجها كدينار الأعزة صافيا
فلو كنت وردا لونه لعشقتني … ولكن ربي شانني بسواديا
أتكتم حييتم على الناي تكتما … تحية من أمسى بحبك مغرما
وماشية مشي القطاة اتبعتها … من السر تخشى أهلها أن تكلما
فقالت له: يا ويح غيرك إنني … سمعت كلاما بينهم يقطر الدما
- وله من قصيدة:
-
وإن لا تلاقي الموت في اليوم فاعلمن … بأنك رهن أن تلاقيه غدا
رأيت المنايا لم يدعن محمدا … ولا أحدا إلا له الموت أرصدا
وقيل: إن سحيما لما أكثر التشبيب بنساء الحي عزموا على قتله، فبكت امرأة كان يرمى بها فقال:
أمن سمية دمع العين مذروف … لو أن ذا منك قبل اليوم معروف
المال مالكم والعبد عبدكم … فهل عذابك عني اليوم مصروف
كأنها يوم صدت ما تكلمنا … ظبي بعسفان ساجي الطرف مطروف
ثم قتل عفا الله عنه.
-
تم الجزء الثاني ويليه: الجزء الثالث
وأوله: أبو عبيدة بن الجراح
ج ٣ ص ٥بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين