٥٤١١ - عبد الغني
٦٨ فقرة، ج ١٦ ص ٢١
الصفحة ١ من ٢
- ج ١٦ ص ٢١
الإمام العالم الحافظ الكبير الصادق القدوة العابد الأثري المتبع عالم الحفاظ تقي الدين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور بن رافع بن حسن بن جعفر المقدسي الجماعيلي ثم الدمشقي المنشأ الصالحي الحنبلي، صاحب "الأحكام الكبرى" ، و "الصغرى" .
-
قرأت سيرته في جزئين جمع الحافظ ضياء الدين أبي عبد الله المقدسي، على الشيخ عبد الحميد بن أحمد البناء، بسماعه عام ستة وعشرين وست مائة من المؤلف، فعامة ما أورده فمنها.
ج ١٦ ص ٢٢قال: ولد سنة إحدى وأربعين وخمس مائة بجماعيل، أظنه في ربيع الآخر، قالت والدتي: هو أكبر من أخيها الشيخ الموفق بأربعة أشهر، والموفق ولد في شعبان.
-
سمع الكثير بدمشق، والإسكندرية، وبيت المقدس، ومصر، وبغداد، وحران، والموصل، وأصبهان، وهمذان، وكتب الكثير.
-
سمع: أبا الفتح ابن البطي، وأبا الحسن علي بن رباح الفراء، والشيخ عبد القادر الجيلي، وهبة الله بن هلال الدقاق، وأبا زرعة المقدسي، ومعمر بن الفاخر، وأحمد بن المقرب، ويحيى بن ثابت، وأبا بكر بن النقور، وأحمد بن عبد الغني الباجسرائي، وعدة ببغداد، والحافظ أبا طاهر السلفي، فكتب عنه نحوًا من ألف جزء، وبدمشق أبا المكارم بن هلال، وسلمان بن علي الرحبي، وأبا المعالي بن صابر، وعدة. وبمصر: محمد بن علي الرحبي، وعبد الله بن بري، وطائفة، وبأصبهان الحافظ أبا موسى المديني، وأبا الوفاء محمود بن حمكا، وأبا الفتح الخرقي، وابن ينال الترك، ومحمد بن عبد الواحد الصائغ، وحبيب بن إبراهيم الصوفي، وبالموصل أبا الفضل الطوسي، وطائفةً. ولم يزل يطلب ويسمع ويكتب، ويسهر، ويدأب، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويتقي الله، ويتعبد ويصوم، ويتهجد، وينشر العلم إلى أن مات. رحل إلى بغداد مرتين، وإلى مصر مرتين؛ سافر إلى بغداد هو وابن خاله الشيخ الموفق في أول سنة إحدى وستين، فكانا يخرجان معًا ويذهب أحدهما في صحبة رفيقه إلى درسه وسماعه، كانا شابين مختطين، وخوفهما الناس من أهل بغداد، وكان الحافظ ميله إلى الحديث والموفق يريد الفقه، فتفقه الحافظ وسمع الموفق معه الكثير، فلما رآهما العقلاء على التصون وقلة المخالطة أحبوهما، وأحسنوا إليهما، وحصلا علمًا جمًا، فأقاما ببغداد نحو أربع سنين، ونزلا أولًا عند الشيخ عبد القادر فأحسن إليهما، ثم مات بعد قدومهما بخمسين ليلة، ثم اشتغلا بالفقه والخلاف على ابن المني. ورحل الحافظ إلى السلفي في سنة ست وستين، فأقام مدةً، ثم رحل أيضًا إلى السلفي سنة سبعين. ثم سافر سنة نيف وسبعين إلى اصبهان، فأقام بها مدةً، وحصل الكتب الجيدة.
قال الضياء: وكان ليس بالأبيض الأمهق، بل يميل إلى السمرة، حسن الشعر، كث اللحية، واسع الجبين، عظيم الخلق، تام القامة، كأن النور يخرج من وجهه، وكان قد ضعف بصره من البكاء والنسخ والمطالعة.
قلت: حدث عنه الشيخ موفق الدين، والحافظ عز الدين محمد، والحافظ أبو موسى عبد
ج ١٦ ص ٢٣الله، والفقيه أبو سليمان أولاده، والحافظ الضياء، والخطيب سليمان بن رحمة الأسعردي، والبهاء عبد الرحمان، والشيخ الفقيه محمد اليونيني، والزين بن عبد الدائم، وأبو الحجاج بن خليل، والتقي اليلداني، والشهاب القوصي، وعبد العزيز بن عبد الجبار القلانسي، والواعظ عثمان بن مكي الشارعي، وأحمد بن حامد الأرتاحي، وإسماعيل بن عبد القوي بن عزون، وأبو عيسى عبد الله بن علاق الرزاز، وخلق، آخرهم موتًا سعد الدين محمد بن مهلهل الجيني.
-
وروى عنه بالإجازة شيخنا أحمد بن أبي الخير الحداد.
- تصانيفه:
-
كتاب "المصباح في عيون الأحاديث الصحاح" مشتمل على أحاديث "الصحيحين" ، فهو مستخرج عليهما بأسانيده، في ثمانية وأربعين جزءًا، كتاب "نهاية المراد" في السنن، نحو مائتي جزء لم يبيضه، كتاب "اليواقيت" مجلد، كتاب "تحفة الطالبين في الجهاد والمجاهدين" مجلد، كتاب "فضائل خير البرية" أربعة أجزاء، كتاب "الروضة" مجلد، كتاب "التهجد" جزآن، كتاب "الفرج" جزآن، كتاب "الصلات إلى الأموات" جزآن، "الصفات" جزآن، "محنة الإمام أحمد" جزآن، "ذم الرياء" جزء، "ذم الغيبة" جزء، "الترغيب في الدعاء" جزء، "فضائل مكة" أربعة أجزاء، "الأمر بالمعروف" جزء، "فضل رمضان" جزء، "فضل الصدقة" جزء، "فضل عشر ذي الحجة" جزء، "فضائل الحج" جزء، "فضل رجب" ، "وفاة النبي ﷺ " جزء، "الأقسام التي أقسم بها النبي ﷺ " ، كتاب "الأربعين" بسند واحد، "أربعين من كلام رب العالمين" ، كتاب "الأربعين" آخر، كتاب "الأربعين" رابع، "اعتقاد الشافعي" جزء، كتاب "الحكايات" سبعة أجزاء، "تحقيق مشكل الألفاظ" مجلدين، "الجامع الصغير في الأحكام" لم يتم، "ذكر القبور" جزء، "الأحاديث والحكايات" كان يقرؤها للعامة، مائة جزء، "مناقب عمر بن عبد العزيز" جزء، وعدة أجزاء في "مناقب الصحابة" ، وأشياء كثيرة جدًا ما تمت، والجميع بأسانيده، بخطه المليح الشديد السرعة، و "أحكامه الكبرى" مجلد، و "الصغرى" مجيليد، كتاب "درر الأثر" مجلد، كتاب "السيرة" جزء كبير، "الأدعية الصحيحة" جزء، "تبيين الإصابة لأوهام حصلت لأبي نعيم في معرفة الصحابة" جزآن، تدل على براعته وحفظه، كتاب "الكمال في معرفة رجال الكتب الستة" في أربعة أسفار، يروي فيه بأسانيده.
- ج ١٦ ص ٢٤
في حفظه:
قال ضياء الدين: كان شيخنا الحافظ لا يكاد يسأل عن حديث إلَّا ذكره وبينه، وذكر صحته أو سقمه، ولا يسأل عن رجل إلَّا قال: هو فلان بن فلان الفلاني ويذكر نسبه، فكان أمير المؤمنين في الحديث، سمعته يقول: كنت عند الحافظ أبي موسى، فجرى بيني وبين رجل منازعة في حديث، فقال: هو في "صحيح البخاري" . فقلت: ليس هو فيه، قال: فكتبه في رقعة، ورفعها إلى أبي موسى يسأله، قال: فناولني أبو موسى الرقعة، وقال: ما تقول? فقلت: ما هو في "البخاري" ، فخجل الرجل.
قال الضياء: رأيت في النوم بمرو كأن البخاري بين يدي الحافظ عبد الغني، يقرأ عليه من جزء وكان الحافظ يرد عليه، أو ما هذا معناه.
-
وسمعت إسماعيل بن ظفر يقول: قال رجل للحافظ عبد الغني: رجل حلف بالطلاق أنك تحفظ مائة ألف حديث، فقال: لو قال أكثر لصدق!
-
ورأيت الحافظ على المنبر غير مرة يقولون له اقرأ لنا من غير كتاب، فيقرأ أحاديث بأسانيده من حفظه.
-
وسمعت ابنه عبد الرحمن يقول: سمعت بعض أهلنا يقول: إن الحافظ سئل: لم لا تقرأ من غير كتاب? قال: أخاف العجب.
-
وسمعت خالي أبا عمر أو والدي، قال: كان الملك نور الدين بن زنكي يأتي إلينا، وكنا نسمع الحديث، فإذا أشكل شيء على القارئ قاله الحافظ عبد الغني، ثم ارتحل إلى السلفي، فكان نور الدين يأتي بعد ذلك، فقال: أين ذاك الشاب? فقلنا: سافر.
-
وسمعت عبد العزيز بن عبد الملك الشيباني، سمعت التاج الكندي يقول: لم يكن بعد الدارقطني مثل الحافظ عبد الغني.
-
وسمعت أبا الثناء محمود بن همام، سمعت الكندي يقول: لم ير الحافظ مثل نفسه.
-
شاهدت بخط أبي موسى المديني على كتاب "تبيين الإصابة" الذي أملاه عبد الغني -وقد سمعه أبو موسى، والحافظ أبو سعد الصائغ، وأبو العباس الترك: "يقول أبو موسى عفا الله عنه: قل من قدم علينا يفهم هذا الشأن كفهم الشيخ الإمام ضياء الدين أبي محمد عبد الغني المقدسي، وقد وفق لتبيين هذه الغلطات، ولو كان الدارقطني وأمثاله في الأحياء لصوبوا فعله، وقل من يفهم في زماننا ما فهم، زاده الله علمًا وتوفيقًا" .
ج ١٦ ص ٢٥قال أبو نزار ربيعة الصنعاني: قد حضرت الحافظ أبا موسى، وهذا الحافظ عبد الغني، فرأيت عبد الغني أحفظ منه.
-
سمعت عبد الغني يقول: كنت عند ابن الجوزي فقال: وريرة بن محمد الغساني، فقلت: إنما هو وزيرة. فقال: أنتم أعرف بأهل بلدكم.
-
في إفادته واشتغاله:
قال الضياء: وكان رحمه الله مجتهدًا على الطلب، يكرم الطلبة، ويحسن إليهم، وإذا صار عنده طالب يفهم أمره بالرحلة، ويفرح لهم بسماع ما يحصلونه، وبسببه سمع أصحابنا الكثير.
-
سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن محمد الحافظ يقول: ما رأيت الحديث في الشام كله إلَّا ببركة الحافظ، فإنني كل من سألته يقول: أول ما سمعت على الحافظ عبد الغني، وهو الذي حرضني.
-
وسمعت أبا موسى ابن الحافظ يقول عند موته: لا تضيعوا هذا العلم الذي قد تعبنا عليه.
قلت: هو رحل ابن خليل إلى أصبهان، ورحل ابنيه العز محمدًا، وعبد الله إلى أصبهان، وكان عبد الله صغيرًا، وسفر ابن أخته محمد بن عمر بن أبي بكر، وابن عمه علي ابن أبي بكر.
قال الضياء: وحرضني على السفر إلى مصر، وسافر معنا ابنه أبو سليمان عبد الرحمن ابن عشر، فبعث معنا "المعجم الكبير" للطبراني، وكتاب "البخاري" ، و "السيرة" ، وكتب إلى زين الدين علي بن نجيا يوصيه بنا، وسفر ابن ظفر إلى أصبهان، وزوده، ولم يزل على هذا.
قال الضياء: لما دخلنا أصبهان في سفرتي الثانية كنا سبعة، أحدنا الفقيه أحمد بن محمد بن الحافظ، وكان طفلًا، فسمعنا على المشايخ، وكان المؤيد ابن الإخوة عنده جملة من المسموعات، وكان يتشدد علينا، ثم توفي، فحزنت كثيرًا، وأكثر ما ضاق صدري لثلاثة كتب: "مسند العدني" ، و "معجم ابن المقرئ" ، و "مسند أبي يعلى" ، وقد كنت سمعت عليه في النوبة الأولى "مسند العدني" لكن لأجل رفقتي، فرأيت في النوم كأن الحافظ عبد الغني قد أمسك رجلًا وهو يقول لي: أم هذا، أم هذا، وهذا الرجل هو ابن عائشة بنت معمر. فلما استيقظت قلت: ما هذا إلَّا لأجل شيء، فوقع في قلبي أنه يريد الحديث، فمضيت إلى دار بني معمر، وفتشت الكتب، فوجدت "مسند العدني" سماع عائشة مثل ابن الإخوة، فلما
ج ١٦ ص ٢٦سمعناه عليها قال لي بعض الحاضرين: إنها سمعت "معجم ابن المقرئ" فأخذنا النسخة من خباز، وسمعناه، وبعد أيام ناولني بعض الإخوان "مسند أبي يعلى" سماعها، فسمعناه.
- مجالسه:
-
كان رحمه الله يقرأ الحديث يوم الجمعة بجامع دمشق وليلة الخميس، ويجتمع خلق، وكان يقرأ ويبكي ويبكي الناس كثيرًا، حتى إن من حضره مرة لا يكاد يتركه، وكان إذا فرغ دعا دعاءً كثيرًا.
-
سمعت شيخنا ابن نجا الواعظ بالقرافة يقول على المنبر: قد جاء الإمام الحافظ، وهو يريد أن يقرأ الحديث، فاشتهى أن تحضروا مجلسه ثلاث مرات، وبعدها أنتم تعرفونه وتحصل لكم الرغبة، فجلس أول يوم، وحضرت، فقرأ أحاديث بأسانيدها حفظًا، وقرأ جزءًا، ففرح الناس به، فسمعت ابن نجا يقول: حصل الذي كنت أريده في أول مجلس.
-
وسمعت بعض من حضر يقول: بكى الناس حتى غُشِيَ على بعضهم، وكان يجلس بمصر بأماكن.
-
سمعت محمود بن همام الأنصاري يقول: سمعت الفقيه نجم بن عبد الوهاب الحنبلي يقول وقد حضر مجلس الحافظ: يا تقي الدين، والله لقد حملت الإسلام، ولو أمكنني ما فارقت مجلسك.
- أوقاته:
-
كان لا يضيع شيئًا من زمانه بلا فائدة، فإنه كان يصلي الفجر، ويلقن القرآن، وربما أقرأ شيئًا من الحديث تلقينًا، ثم يقوم فيتوضأ، ويصلي ثلاث مائة ركعة بالفاتحة والمعوذتين إلى قبل الظهر، وينام نومة ثم يصلي الظهر، ويشتغل إما بالتسميع، أو بالنسخ إلى المغرب، فإن كان صائمًا أفطر، وإلا صلى من المغرب إلى العشاء، ويصلي العشاء، وينام إلى نصف الليل أو بعده، ثم قام كأن إنسانًا يوقظه، فيصلي لحظةً ثم يتوضأ ويصلي إلى قرب الفجر، ربما توضأ سبع مرات أو ثمانيًا في الليل، وقال: ما تطيب لي الصلاة إلَّا ما دامت أعضائي رطبة، ثم ينام نومة يسيرة إلى الفجر، وهذا دأبه.
-
أخبرني خالي موفق الدين قال: كان الحافظ عبد الغني جامعًا للعلم والعمل، وكان رفيقي في الصبا، وفي طلب العلم، وما كنا نستبق إلى خير إلَّا سبقني إليه إلَّا القليل، وكمل الله فضيلته بابتلائه بأذى أهل البدعة وعداوتهم، ورزق العلم، وتحصيل الكتب الكثيرة، إلَّا أنه لم يعمر.
ج ١٦ ص ٢٧قال أخوه الشيخ العماد: ما رأيت أحدًا أشد محافظة على وقته من أخي.
قال الضياء: وكان يستعمل السواك كثيرًا حتى كأن أسنانه البرد.
-
سمعت محمود بن سلامة التاجر الحراني يقول: كان الحافظ عبد الغني نازلًا عندي بأصبهان، وما كان ينام من الليل إلَّا قليلًا، بل يصلي ويقرأ ويبكي.
-
وسمعت الحافظ يقول: أضافني رجل بأصبهان، فلما تعشينا، كان عنده رجل أكل معنا، فلما قمنا إلى الصلاة لم يصل، فقلت: ما له? قالوا: هذا رجل شمسي. فضاق صدري، وقلت للرجل: ما أضفتني إلَّا مع كافر! قال: إنه كاتب، ولنا عنده راحة، ثم قمت بالليل أصلي، وذاك يستمع، فلما سمع القرآن تزفر، ثم أسلم بعد أيام، وقال: لما سمعتك تقرأ، وقع الإسلام في قلبي.
-
وسمعت نصر بن رضوان المقرئ يقول: ما رأيت أحدًا على سيرة الحافظ، كان مشتغلًا طول زمانه.
- قيامه في المنكر:
-
كان لا يرى منكرًا إلَّا غيره بيده أو بلسانه، وكان لا تأخذه في الله لومة لائم. قد رأيته مرة يهريق خمرًا، فجبذ صاحبه السيف فلم يخف منه، وأخذه من يده، وكان قويًا في بدنه، وكثيرًا ما كان بدمشق ينكر ويكسر الطنابير والشبابات.
قال خالي الموفق: كان الحافظ لا يصبر عن إنكار المنكر إذا رآه، وكنا مرة أنكرنا على قوم، وأرقنا خمرهم، وتضاربنا، فسمع خالي أبو عمر، فضاق صدره، وخاصمنا، فلما جئنا إلى الحافظ طيب قلوبنا، وصوب فعلنا وتلا: ﴿وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان: ١٧] .
-
وسمعت أبا بكر بن أحمد الطحان، قال: كان بعض أولاد صلاح الدين قد عملت لهم طنابير، وكانوا في بستان يشربون، فلقي الحافظ الطنابير، فكسرها. قال: فحدثني الحافظ، قال: فلما كنت أنا وعبد الهادي عند حمام كافور، إذا قوم كثير معهم عصي، فخففت المشي، وجعلت أقول: حسبي الله ونعم الوكيل، فلما صرت على الجسر، لحقوا صاحبي، فقال: أنا ما كسرت لكم شيئًا، هذا هو الذي كسر. قال: فإذا فارس يركض، فترجل، وقبل يدي، وقال: الصبيان ما عرفوك. وكان قد وضع الله له هيبةً في النفوس.
- ج ١٦ ص ٢٨
سمعت فضائل بن محمد بن علي بن سرور المقدسي يقول: سمعتهم يتحدثون بمصر أن الحافظ كان قد دخل على العادل، فقام له، فلما كان اليوم الثاني، جاء الأمراء إلى الحافظ مثل سركس وأزكش، فقالوا: آمنا بكراماتك يا حافظ.
-
وذكروا أن العادل قال: ما خفت من أحد ما خفت من هذا. فقلنا: أيها الملك، هذا رجل فقيه. قال: لما دخل ما خيل إلي إلَّا أنه سبع.
قال الضياء: رأيت بخط الحافظ: والملك العادل اجتمعت به، وما رأيت منه إلَّا الجميل، فأقبل علي، وقام لي، والتزمني، ودعوت له، ثم قلت: عندنا قصور هو الذي يوجب التقصير. فقال: ما عندك لا تقصير ولا قصور، وذكر أمر السنة، فقال: ما عندك شيء تعاب به لا في الدين ولا الدنيا، ولا بد للناس من حاسدين.
-
وبلغني بعد عنه أنه قال: ما رأيت بالشام ولا مصر مثل فلان، دخل علي، فخيل إلي أنه أسد، وهذا ببركة دعائكم ودعاء الأصحاب.
قال الضياء: كانوا قد وغروا عليه صدر العادل، وتكلموا فيه، وكان بعضهم أرسل إلى العادل يبذل في قتل الحافظ خمسة آلاف دينار.
قلت: جر هذه الفتنة نشر الحافظ أحاديث النزول والصفات، فقاموا عليه، ورموه بالتجسيم، فما دارى كما كان يداريهم الشيخ الموفق.
-
سمعت بعض أصحابنا يحكي عن الأمير درباس: أنه دخل مع الحافظ إلى الملك العادل، فلما قضى الملك كلامه مع الحافظ، جعل يتكلم في أمر ماردين وحصارها، فسمع الحافظ، فقال: أيش هذا، وأنت بعد تريد قتال المسلمين، ما تشكر الله فيما أعطاك، أما … أما?! قال فما أعاد ولا أبدى. ثم قام الحافظ وقمت معه، فقلت: أيش هذا? نحن كنا نخاف عليك من هذا، ثم تعمل هذا العمل? قال: أنا إذا رأيت شيئًا لا أقدر أن أصبر، أو كما قال.
-
وسمعت أبا بكر ابن الطحان، قال: كان في دولة الأفضل جعلوا الملاهي عند الدرج، فجاء الحافظ فكسر شيئًا كثيرًا، ثم صعد يقرأ الحديث، فجاء رسول القاضي يأمره بالمشي إليه ليناظره في الدف والشبابة، فقال: ذاك عندي حرام، ولا أمشي إليه، ثم قرأ الحديث. فعاد الرسول، فقال: لا بد من المشي إليه، أنت قد بطلت هذه الأشياء على السلطان. فقال الحافظ: ضرب الله رقبته ورقبة السلطان. فمضى الرسول وخفنا، فما جاء أحد.
- ج ١٦ ص ٢٩
ومن شمائله:
قال الضياء: ما أعرف أحدًا من أهل السنة رآه إلَّا أحبه ومدحه كثيرًا؛ سمعت محمود بن سلامة الحراني بأصبهان، قال: كان الحافظ يصطف الناس في السوق ينظرون إليه، ولو أقام بأصبهان مدة وأراد أن يملكها، لملكها.
قال الضياء: ولما وصل إلى مصر، كنا بها، فكان إذا خرج للجمعة لا نقدر نمشي معه من كثرة الخلق، يتبركون به، ويجتمعون حوله، وكنا أحداثًا نكتب الحديث حوله، فضحكنا من شيء، وطال الضحك، فتبسم ولم يحرد علينا، وكان سخيًا، جوادًا، لا يدخر دينارًا ولا درهمًا مهما حصل أخرجه، لقد سمعت عنه: أنه كان يخرج في الليل بقفاف الدقيق إلى بيوت متنكرًا في الظلمة، فيعطيهم ولا يعرف، وكان يفتح عليه بالثياب، فيعطي الناس وثوبه مرقع.
قال خالي الشيخ موفق الدين: كان الحافظ يؤثر بما تصل يده إليه سرًا وعلانية، ثم سرد حكايات في إعطائه جملة دراهم لغير واحد.
قال: وسمعت بدر بن محمد الجزري يقول: ما رأيت أحدًا أكرم من الحافظ؛ كنت أستدين يعني لأطعم به الفقراء، فبقي لرجل عندي ثمانية وتسعون درهمًا، فلما تهيأ الوفاء، أتيت الرجل، فقلت: كم لك؟ قال: ما لي عندك شيء! قلت: من أوفاه؟ قال: قد أوفى عنك، فكان وفاه الحافظ وأمره أن يكتم عليه.
-
وسمعت سليمان الأسعردي يقول: بعث الأفضل ابن صلاح الدين إلى الحافظ بنفقة وقمح كثير، ففرقه كله.