ثم سرية خالد بن الوليد

٧ فقرات، ج ٢ ص ٢٣٤

  1. إِلَى بَنِي جُذَيْمَةَ من كنانة، وكانوا بأسفل مكة على ليلة بناحية يلملم، فِي شَوَّالٍ سَنَةَ ثَمَانٍ [٣] ، وَهُوَ يَوْمَ الْغُمَيْصَاءِ، وهي عند ابن إسحق قِبَلَ سَرِيَّتِهِ لِهَدْمِ الْعُزَّى.

    ج ٢ ص ٢٣٤
  2. وَسِيَاقُ مَا قَالَ أَذْكُرُهُ لابْنِ سَعْدٍ قَالُوا: لَمَّا رَجَعَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مِنْ هَدْمِ الْعُزَّى وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُقِيمٌ بِمَكَّةَ، بَعَثَهُ إِلَى بَنِي جُذَيْمَةَ دَاعِيًا إِلَى الإِسْلامِ، وَلَمْ يبعثه مقاتلا، فخرج في ثلاثمائة وَخَمْسِينَ رَجُلا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَبَنِي سُلَيْمٍ، فَانْتَهَى إِلَيْهِمْ، قَالَ: مَا أَنْتُمْ؟ قَالُوا: مُسْلِمُونَ، قَدْ صَلَّيْنَا وَصَدَّقْنَا بِمُحَمَّدٍ، وَبَنَيْنَا الْمَسَاجِدَ فِي ساحتنا، وَأَذَّنَّا فِيهَا، قَالَ: فَمَا بَالُ السِّلاحِ عَلَيْكُمْ؟ قَالُوا: إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ مِنَ الْعَرَبِ عَدَاوَةً، فَخِفْنَا أَنْ تَكُونُوا هُمْ فَأَخَذْنَا السِّلاحَ، قَالَ: فَضَعُوا السِّلاحَ، قَالَ: فَوَضَعُوهُ، فَقَالَ لَهُمْ: اسْتَأْسَرُوا، فَاسْتَأْسَرَ الْقَوْمُ، فَأَمَرَ بَعْضُهُمْ فَكَتَّفَ بَعْضًا وفرقهم في أصحابه، فَلَمَّا كَانَ فِي السَّحَرِ نَادَى خَالِدٌ: مَنْ كَانَ مَعَهُ أَسِيرٌ فَلْيُذَافِّهِ، وَالْمُذَافَّةُ الإِجْهَازُ عَلَيْهِ بِالسَّيْفِ.

  3. فَأَمَّا بَنُو سُلَيْمٍ فَقَتَلُوا مَنْ كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَأَمَّا الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ فَأَرْسَلُوا أَسْرَاهُمْ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا صنع خالد، فقال: «اللهم

    ج ٢ ص ٢٣٥إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ» وَبَعَثَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَوَدَى لَهُمْ قَتْلاهُمْ وَمَا ذَهَبَ مِنْهُمْ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى رَسُولِ الله صلّى الله عليه وسلّم فأخبره.

  4. وعند ابن إسحق فِي هَذَا الْخَبَرِ أَنَّ خَالِدًا قَالَ لَهُمْ: ضَعُوا السِّلاحَ، فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ أَسْلَمُوا، فَلَمَّا وَضَعُوهُ أَمَرَ بِهِمْ عِنْدَ ذَلِكَ فَكُتِفُوا، ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى السَّيْفِ، وَقَدْ كَانَ بَيْنَ خَالِدٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ كَلامٌ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: عَمِلْتَ بِأَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي الإِسْلامِ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا ثَأَرْتُ بِأَبِيكَ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: كَذَبْتَ، قَدْ قَتَلْتُ قَاتِلَ أَبِي، وَإِنَّمَا ثَأَرْتُ بِعَمِّكَ الْفَاكِهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، حَتَّى كَانَ بَيْنَهُمَا شَرٌّ،

    فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «مَهْلا يَا خَالِدُ، دَعْ عَنْكَ أَصْحَابِي، فَوَاللَّهِ لَوْ كَانَ لَكَ أُحُدٌ ذَهَبًا ثُمَّ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا أَدْرَكْتَ غَدْوَةَ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِي وَلا رَوْحَتَهُ» .

  5. وَكَانَ بَنُو جُذَيْمَةَ قَتُلوا الْفَاكِهَ بْنَ الْمُغِيرَةِ وَعَوْفَ بْنَ عَبْدِ عَوْفٍ قَبْلَ ذَلِكَ، وَقَتَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ خَالِدَ بْنَ هِشَامٍ قَاتِلَ أبيه منهم.

    قال ابن إسحق: وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الأَخْنَسِ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ الأَسْلَمِيِّ قَالَ: كُنْتُ يَوْمَئِذٍ فِي خَيْلِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَقَالَ لِي فَتًى مِنْ بَنِي جُذَيْمَةَ، هُوَ فِي سِنِّي وَقَدْ جُمِعَتْ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ بِرُمَّةٍ [١] وَنِسْوَةٌ مُجْتَمِعَاتٌ غَيْرَ بَعِيدٍ منه، يلفتي، قُلْتُ مَا تَشَاءُ، قَالَ: هَلْ أَنْتَ آخِذٌ بِهَذِهِ الرُّمَّةِ فَقَائِدِي إِلَى هَذِهِ النِّسْوَةِ حَتَّى أَقْضِيَ إِلَيْهِنَّ حَاجَةً ثُمَّ تَرُدَّنِي بَعْدُ فَتَصْنَعُوا بِي مَا بَدَا لَكُمْ؟ قَالَ: قُلْتُ:

    وَاللَّهِ لَيَسِيرُ مَا طَلَبْتَ، فَأَخَذْتُهُ بِرُمَّتِهِ فَقُدُتْهُ بِهَا حَتَّى وَقَفْتُهُ عَلَيْهِنَّ فَقَالَ: أَسْلِمِي حُبَيْشُ، عَلَى نَفَدِ الْعَيْشِ:

    أَرَيْتُكَ إِنْ طَالَبْتُكُمْ فَوَجَدْتُكُمْ ... بِحِلْيَةَ أَوْ أَلْفَيْتُكُمْ بِالْخَوَانِقِ

    أَلَمْ أَكُ أَهْلا أَنْ ينول عائق ... تَكَلَّفَ إِدْلاجَ السُّرَى وَالْوَدَائِقِ

    فَلا ذَنْبَ لِي قَدْ قُلْتُ إِذْ أَهْلُنَا مَعًا ... أَثِيبِي بِوُدٍّ قَبْلَ إِحْدَى الصَّفَائِقِ

    أَثِيبِي بِوُدٍّ قَبْلَ أَنْ يَشْحَطِ النَّوَى ... وَيَنْأَى الأَمِيرُ بِالْحَبِيبِ الْمُفَارِقِ [٢]

    أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ الصوري بقراءتي عليه بظاهر دمشق

    ج ٢ ص ٢٣٦قُلْتُ لَهُ: أَخْبَرَكُمُ الشَّيْخَانِ أَبُو الْفَخْرِ أَسْعَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ رَوْحٍ، وَأُمُّ حَبِيبَةَ عَائِشَةُ بِنْتُ مَعْمَرِ بْنِ الْفَاخِرِ فِي كِتَابِهِمَا إِلَيْكَ مِنْ أَصْبَهَانَ فَأَقَرَّ بِهِ قَالا: أَخْبَرْتَنَا أُمُّ إِبْرَاهِيمَ فَاطِمَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ الْجَوْزَدَانِيَّةُ قَالَتْ: أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رِيذَةَ قَالَ: أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ الْمَرْوَزِيُّ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَزيِدَ النَّحْوِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ سَرِيَّةً فَغَنِمُوا، وَفِيهِمْ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُمْ: إِنِّي لَسْتُ مِنْهُمْ، عَشِقْتُ امْرَأَةً فَلَحِقْتُهَا، فَدَعُونِي أَنْظُرُ إِلَيْهَا ثُمَّ اصْنَعُوا بِي مَا بَدَا لَكُمْ، فَإِذَا امْرَأَةٌ طَوِيلَةٌ أَدْمَاءُ، فَقَالَ لَهَا: أَسْلِمِي حُبَيْشُ قَبْلَ نَفَادِ الْعَيْشِ:

    أَرَأَيْتِ لَوْ تَبِعْتُكُمْ فَلَحِقْتُكُمْ ... بِحلْيَةَ أَوْ أَدْرَكْتُكُمْ بِالْخَوَانِقِ

    أَمَا كَانَ حَقًّا أَنْ يُنَوَّلَ عَاشِقٌ ... تَكَلَّفَ إِدْلاجَ السُّرَى وَالْوَدَائِقِ

    قَالَتْ: نَعَمْ فَدَيْتُكَ، قَالَ: فَقَدَّمُوهُ فَضَرَبُوا عُنُقَهُ، فَجَاءَتِ الْمَرْأَةُ فَوَقَعَتْ عَلَيْهِ، فَشَهِقَتْ شَهْقَةً أَوْ شَهْقَتَيْنِ ثُمَّ مَاتَتْ، فَلَمَّا قَدِمُوا علي رسول الله صلى الله عليه وسلم أَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَا كَانَ فِيكُمْ رَجُلٌ رَحِيمٌ» .

  6. الغميصاء: ماء لبني جذيمة، والنفد والنفاد: مصادر نَفِدَ الشَّيْءِ إِذَا فَنِيَ.

  7. وَحُبَيْشٌ: مُرَخَّمٌ مِنْ حُبَيْشَةَ. وَحلْيَةٌ وَالْخَوَانِق: مَوْضِعَانِ. وَالْوَدَائِقُ: جَمْعُ وَدِيقَةٍ، وَهِيَ شِدَّةُ الْحَرِّ.