مناوشات مع قريش
٩ فقرات، ج ١ ص ٢٥٢
- ج ١ ص ٢٥٢
لم يغترّ المسلمون بالنصر الذي نالوه في (بدر) ، ولم يفتروا عن مراقبة خصومهم والإعداد لهم، وقد علموا علم اليقين أنّ مكة لن تني عن الانتقام لنفسها، ولن تستكين للكارثة التي حلّت بها.
-
ورأى أبو سفيان- حفظا لمكانة قومه، وإبرازا لما لديهم من قوة- أن يتعجّل عملا قليل المغارم ظاهر الأثر، فقرّر أن يفاجئ المدينة بغارة خاطفة يعود عقيبها وقد رد لقريش بعض سمعتها، وألحق بالمسلمين ما يستطيع من خسائر.
-
ثم إنّ أبا سفيان كان نذر ألا يمسّ رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمدا صلى الله عليه وسلم، وينبغي أن يبر في قسمه.
-
فخرج في مئتي راكب حتى وصل إلى مساكن بني النضير في جنح الليل بأطراف المدينة-، ونزل على (سلّام بن مشكم) من سادة اليهود، فتعرّف منه أخبار المسلمين، وتدارسا أجدى الطرق لإيذائهم والإفلات من قواهم.
-
واهتدى أبو سفيان إلى العمل الذي وفّى به يمينه، وحقق به غايته، فهجم برجاله على ناحية يقال لها: العريض، وحرقوا أسوارا من نخيل بها، ووجدوا رجلا من الأنصار وحليفا له في حرث لهما فقتلوهما، ثم لاذوا بالفرار عائدين إلى مكة.
-
وشعر المسلمون بما حدث، فانطلقوا وراء أبي سفيان ورجاله يطاردونهم ويبتغون الإيقاع بهم، وأحس المشركون بالطلب، فجدّوا في الهرب، والمسلمون يقطعون الصحراء خلفهم راغبين في اللحاق بهم، فلمّا أحسّ أبو سفيان بالخطر أخذ يتخفّف من الأزواد التي يحملها حتى تمكّن من النجاة، وعثر المسلمون في طريق المطاردة على هذه المؤن وأكثرها من السويق، فسمّوا هذه المناوشة الطريفة غزوة السويق!.
- ج ١ ص ٢٥٣
ولم تنل قريش من هذه الغارة الفاشلة شيئا يرفع رأسها، ففكّرت أن تتجنّب الصدام بالمسلمين حتى تحين الفرصة المواتية، ولكن أنى لها ذلك وتجارتهم تمرّ في الغدو والرواح بالمدينة؟.
قال صفوان بن أمية لقريش: «إنّ محمدا وصحبه عوّروا علينا متجرنا، فما ندري كيف نصنع بأصحابه، هم لا يبرحون الساحل، وأهل الساحل قد وادعوهم، ودخل عامتهم معه، فما ندري أين نسلك؟! وإن أقمنا في دارنا هذه أكلنا رؤوس أموالنا، فلم يكن لها من بقاء، وإنما حياتنا بمكة على التجارة إلى الشام في الصيف وإلى الحبشة في الشتاء» ، فقال له الأسود بن المطلب: تنكّب الطريق على الساحل، وخذ طريق العراق، ودلّه على فرات بن حيّان من بني بكر بن وائل، ليكون رائدهم في هذه الرحلة.
-
وخرجت عير قريش يقودها صفوان بن أمية اخذة الطريق الجديدة، إلا أن نعيم بن مسعود قدم المدينة يحمل أنباء هذه القافلة وخطّة سيرها، واجتمع في مجلس شرب- قبل تحريم الخمر- بسليط بن النعمان، فباح له بسرها، فأسرع سليط إلى النبي صلى الله عليه وسلم يروي له القصة، فبعث النبي لوقته (زيد بن حارثة) في مئة راكب يعترضون القافلة، فلقيها زيد عند ماء يقال له: (القردة) ، فاستولى عليها، وكانت تحمل مقادير كبيرة من الفضة، وفرّ المشركون مذعورين، فلم يقع في الأسر غير فرات بن حيان، فلمّا جيء به إلى المدينة دخل في الإسلام.
-
ولقد حزنت مكة لهذه النكبة الجديدة، وزادها ذلك إصرارا على المطالبة بثأرها، والتهيؤ للقاء المسلمين في تعبئة كاملة، فكان ذلك وما سبقه من أحداث التمهيد القوي لمعركة (أحد) في السنة الثالثة للهجرة.