معركة أحد

٥٣ فقرة، ج ١ ص ٢٥٦

الصفحة ٢ من ٢

  1. ولم تتوان قريش من جانبها في مهاجمة الرسول صلى الله عليه وسلم ومن انحاز إليه من أصحابه بغية الإجهاز عليه وعليهم، ومرّت ساعة عصيبة من أحرج الساعات في تاريخ الدنيا، وفرسان المشركين ورماتهم يحملون- بعناد وإلحاح- لتحقيق أمنيتهم، فقتل بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم خلق كثير، وهم ينافحون دونه، جالدهم طلحة حتى أجهضهم عنه، ثم سقط بين حي وميت، وترّس عليه أبو دجانة بظهره، فكان النبل يقع فيه وهو لا يتحرك.

    ج ١ ص ٢٦٢
  2. روى مسلم: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش، فلما أرهقه المشركون قال: «من يردّهم عنّي وله الجنّة؟» فتقدّم رجل

    ج ١ ص ٢٦٣من الأنصار، فقاتل حتى قتل! ثم رهقوه، فقال: «من يردّهم عنّي وله الجنّة» فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أنصفنا أصحابنا» يعني من فرّوا وتركوه.

  3. وتركت هذه الاستماتة أثرها، ففترت حدّة قريش في محاولة قتل الرسول صلى الله عليه وسلم وثاب إليه أصحابه من كلّ ناحية، وأخذوا يلمّون شملهم، ويزيلون شعثهم.

  4. وأمر النبي صلى الله عليه وسلم صحبه أن ينزلوا قريشا من القمة التي احتلوها في الجبل قائلا: ليس لهم أن يعلونا، فحصبوهم بالحجارة حتى أجلوهم عنها «١» .

    1. (١)هو من حديث السدي المتقدم.
  5. إن الإفلات من عواقب هذا الانكسار الشنيع عمل لا يقل- في خطره- عن الانتصار الأول، وقد اتجه عزم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى بذل كل جهد ممكن في سبيل مقاومة قريش، حتى لا تظفر بشيء غنيمة باردة، بل حتى تثقل بها مغارمها، فلا تطمع في مزيد من إيذاء المسلمين، فكان ينثل السهام من كنانته، ويعطيها سعد بن أبي وقاص ويقول: «ارم فداك أبي وأمي» «٢» .

    1. (٢)رواه البخاري: ٧/ ٢٨٧، من حديث سعد.
  6. وكان أبو طلحة الأنصاري راميا ماهرا في إصابة الهدف، قاتل دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان إذا رمى رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم شخصه ينظر أين يقع سهمه، ويرفع أبو طلحة صدره قائلا: هكذا بأبي أنت وأمي، لا يصيبك سهم، نحري دون نحرك «٣» ، ويقول: إني جلد يا رسول الله، فوجهني في حوائجك، ومرني بما شئت!! وقد نجح الرماة حول رسول الله صلى الله عليه وسلم في ردّ المشركين الذين حاولوا صعود الجبل، وبذلك أمكن المسلمين الشاردين أن يلحقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ومن معه.

    1. (٣)رواه البخاري: ٧/ ٢٨٩- ٢٩٠، من حديث أنس؛ وكذلك أخرجه أحمد: ٣/ ١٠٥، ٢٦٥، ٢٨٦، وعنده في رواية قول أبي طلحة: «إني جلد ... » .
  7. إلا أنّهم جاؤوا وكأنما خرجوا من عماية حتى إنّ بعضهم- من فرط الغيظ والذهول- قاتل أمامه لا يدري من يقاتل، فقتل اليمان والد الصحابي المعروف حذيفة، وصرخ حذيفة: أبي أبي! دون جدوى.

  8. ولمّا تجمّعت فلول المسلمين بعد هذا الكرّ والفرّ، كان الإعياء قد نال منهم

    ج ١ ص ٢٦٤أيّ منال، لولا أنّ الله قذف في قلوبهم السكينة، وأعاد إليهم- بعد هذا الزلزال- الأمل والثقة، فسكنوا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم يرقبون ما يجدّ، وداعب الكرى أجفان البعض من طول التعب والسهر، فإذا أغفى وسقط من يده السيف، عاودته اليقظة، فتأهب للعراك من جديد! وهذا من نعمة الله على القوم: ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ [ال عمران: ١٥٤] .

  9. ولم تكن قريش أقلّ من المسلمين معاناة لأهوال ذلك اليوم العصيب.

  10. فقد تعبت جدّ التعب في الجولة الأولى، فلما أديل لها، وطمعت أن تجعل المعركة حاسمة قاصمة وجدت المسلمين أصلب عودا؛ دون إفنائهم صعاب لا تستطيع احتمالها، فاكتفت مما ظفرت بالإياب.

  11. وظنّ المسلمون- لأول وهلة- أن قريشا تنسحب لتهاجم المدينة نفسها، فقال النبي عليه الصلاة والسلام لعلي بن أبي طالب: «اخرج في اثار القوم فانظر ماذا يصنعون؟ فإن هم جنّبوا الخيل وامتطوا الإبل فإنّهم يريدون مكّة، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل، فهم يريدون المدينة؛ فو الذي نفسي بيده لئن أرادوها لأسيرنّ إليهم، ثم لأناجزنّهم فيها» .

    قال علي: فخرجت في اثارهم، فرأيتهم جنّبوا الخيل وامتطوا الإبل، واتجهوا إلى مكة «١» .

    قال ابن إسحاق: ثم إنّ أبا سفيان حين أراد الانصراف أشرف على الجبل، ثم صرخ بأعلى صوته: أنعمت، إنّ الحرب سجال، يوم بيوم بدر، اعل هبل!.

    فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر: «قم يا عمر فأجبه، فقل: الله أعلى وأجلّ، لا سواء، قتلانا في الجنّة وقتلاكم في النّار» .

    فقال له أبو سفيان: هلم إليّ يا عمر.

    فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر: «ائته فانظر ما شأنه» ، فجاءه.

    فقال له أبو سفيان: أنشدك الله يا عمر أقتلنا محمّدا؟

    فقال عمر: اللهم لا، وإنّه ليسمع كلامك الان، قال: أنت عندي أصدق من ابن قميئة- وهو الذي زعم أنّه قتل النبيّ صلى الله عليه وسلم.

    1. (١)رواه ابن هشام: ٢/ ١٤٠، عن ابن إسحاق بدون إسناد.
  12. ثم نادى أبو سفيان: إنه قد كان في قتلاكم مثلة، والله ما رضيت ولا سخطت، وما نهيت ولا أمرت «١» .

    1. (١)حديث صحيح، أخرجه أحمد، والحاكم وصحّحه من حديث ابن عباس، وإسناده حسن كما تقدم في أول معركة أحد، وله شاهد من حديث البراء عند البخاري وغيره، وقد سبق تخريجه قريبا. وشاهد اخر من حديث ابن مسعود أخرجه أحمد رقم (٤٤١٤) ، وفيه حمّاد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، وقد سمع منه حالة الاختلاط كما سمع منه قبلها؛ ولهذا قال الحافظ ابن كثير (٤/ ٤١) : «هذا إسناد فيه ضعف» وهذا هو الصواب، خلافا لقول الشيخ أحمد محمد شاكر: إنّه صحيح، فإنه ذهل عما ذكر من سماعه منه في الاختلاط. وقد صحّح فضيلة الشيخ كثيرا من الأحاديث في تعليقه على المسند وغيره كلّها من هذا الطريق، فليتنبه لهذا.
    ج ١ ص ٢٦٥
  13. ولما انصرف أبو سفيان نادى: إن موعدكم بدر العام المقبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل من أصحابه: «قل: نعم هو بيننا وبينك موعد» «٢» .

    1. (٢)لم أجده الان عند غير ابن إسحاق.