غزوة الأحزاب

٨٤ فقرة، ج ١ ص ٢٩٧

الصفحة ٣ من ٣

  1. وكأنّما كان زئير الرياح الهوج سوطا يلهب المهاجمين، حتى لا يتوانوا في الخلاص من هذا الموقف، ونظر رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء أسوار المدينة، وحوله أصحابه جاثمون في مكامنهم يرمقون الأفق بحذر، ويرقبون الغيب بأمل، والظلام البارد الثقيل يرين على كلّ شيء في الصحراء المترامية.

    قال حذيفة بن اليمان: رأيتنا ليلة الأحزاب ونحن صافون قعود، وأبو سفيان ومن معه فوقنا، وبنو قريظة أسفل منّا، نخافهم على ذرارينا، وما أتت علينا ليلة قط أشدّ ظلمة ولا أشدّ ريحا منها، تطن في رياحها أصوات أمثال الصواعق، وما يتستطيع أحدنا أن يرى إصبعه من قتامها السائد، ولم يكن عليّ جنّة من العدو ولا من البرد إلا مرط لامرأتي، لا يجاوز ركبتي، فأتاني الرسول صلى الله عليه وسلم وأنا جاث على الأرض فقال: «من هذا؟» فقلت: حذيفة، فقال: «حذيفة؟» فتقاصرت في موضعي وأنا أقول: بلى يا رسول الله- كراهية أن أقوم! - فندبني لما يريد، وقال: «إنّه كائن في القوم خبر فأتني به» . فخرجت، وأنا أشدّ الناس فزعا وأشدهم قرّا، فدعا لي بخير، فمضيت لشأني كأنّما أمشي في حمّام- إنّها حرارة الإيمان، وحماسة الطاعة جعلت الرجل يغلب بعاطفته المتقدة قسوة الجو.

    ج ١ ص ٣١٠قال حذيفة: وأوصاني الرسول صلى الله عليه وسلم- حين ولّيت- ألّا أحدث في القوم حدثا حتى اتيه، فلما دنوت من معسكر القوم، نظرت ضوء نار توقد، وإذا رجل أدهم ضخم يمد يديه إلى النار مستدفئا، ويمسح خاصرته، ويقول: الرحيل الرحيل، ولم أكن أعرف أبا سفيان قبل ذلك، فوضعت سهما في كبد قوسي وأردت أن أرميه، ثم ذكرت وصاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمسكت، ولو رميته لأصبته.

    ج ١ ص ٣٠٩
  2. وأحسست عصف الريح في جنبات المعسكر، لا تقرّ قدرا ولا نارا ولا بناء، ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش إنّكم والله ما أصبحتم بدار مقام، قد هلك الكراع والخفّ، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من شدة الريح ما ترون، ما تطمئن لنا قدر، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فإنّي مرتحل، ثم قام إلى جمله وهو معقول، فجلس عليه، ثم ضربه فوثب به على ثلاث، فو الله ما أطلق عقاله إلا وهو قائم ... «١» .

    ورجع حذيفة إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم يقصّ عليه ما رأى ... وطلع النهار فإذا ظاهر المدينة خلاء.. ارتحلت الأحزاب، وانفكّ الحصار، وعاد الأمن، ونجح الإيمان في المحنة!.

    1. (١)هذه القصة صحيحة، وسياقها- هنا- مركب من ثلاث روايات: الأولى: عند الحاكم والبيهقي في الدلائل، من طريق عبد العزيز ابن أخي حذيفة عن حذيفة. وقد ذكر لفظه ابن كثير في التاريخ: ٤/ ١١٤- ١١٥. الثانية: عند ابن هشام في (السيرة) : ٢/ ١٩٤، عن محمد بن إسحاق بسنده عن محمد بن كعب القرظي عن حذيفة، وكذلك أخرجه أحمد: ٥/ ٣٩٢- ٣٩٣، من مسند حذيفة عن ابن إسحاق، وظاهر إسناده الاتصال، فهو صحيح. والرواية الثالثة: أخرجها مسلم: ٥/ ١٧٧- ١٧٨، من طريق إبراهيم التيمي عن أبيه عن حذيفة. ولها طريق رابعة: أخرجها الحاكم في (المستدرك) : ٣/ ٣١، من طريق بلال العبسي عن حذيفة. وقال: «صحيح الإسناد» ، ووافقه الذهبي؛ وأخرجه البزار أيضا كما في (المجمع) : ٦/ ١٣٦، وقال: «ورجاله ثقات» .
  3. وهتف رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا إله إلّا الله واحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعزّ جنده، وهزم الأحزاب واحده، فلا شيء بعده..!» «٢» .

    1. (٢)أخرجه البخاري في (غزوة الخندق) من صحيحه: ٧/ ٣٢٦، من حديث أبي هريرة: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول ... فذكره، وهذا مطلق ليس فيه ذكر الخندق. والله أعلم.
  4. رجعت الطمأنينة إلى النفوس، وظهرت خيبة الأحزاب بعد ما أقبلت من كل فجّ لتجتاح يثرب، وظهرت صلابة المسلمين في مواجهة الأزمات المرهقة.

    ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- بعد هذه النتيجة الباهرة-: «الان نغزوهم ولا يغزوننا ... » «١» .

    1. (١)حديث صحيح، أخرجه البخاري: ٧/ ٣٢٥، من حديث سليمان بن صرد رضي الله عنه.
    ج ١ ص ٣١١