استقرار:

١٥ فقرة، ج ١ ص ٤٥١

  1. زالت غبرة الجاهلية عن افاق الجزيرة كما تزول بقايا الليل أمام طلائع الشروق، وصحّت العقول العليلة فلم تعد تخشى وترجو إلا الله، بعد ما ظلّت دهورا تعبد أصناما جامدة، وسمع الأذان للصلوات يشقّ أجواز الفضاء خلال الصحراء التي أحياها الإيمان الجديد، وانطلق القرّاء شمالا وجنوبا يتلون ايات الكتاب، ويقيمون أحكام الله، ويعلّمون العرب ما لم يعلموا هم ولا اباؤهم.

    ج ١ ص ٤٥١
  2. إنّ هذه الجزيرة- منذ نشأ فوقها عمران- لم تهتزّ بمثل هذه النهضة المباركة، ولم يتألّق تاريخها تألّقه في هذه الأيام الفريدة من عمرها.

  3. وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم في المدينة يستقبل الوفود، ويشيّعها بعد ما ينفخ فيها من روحه الكبير، ويزودها بحكمته الباهرة، فتعود من حيث أتت؛ لتنشئ في مواطنها القصية معاقل للإسلام وصحائف بيضا في تاريخ أمة.

  4. ولم يكتف النبي صلى الله عليه وسلم بترقّب الوفود المقبلة، بل أرسل رجاله الكبار إلى الجنوب ليزيد رقعة الإسلام هناك اتساعا.

  5. فإنّ في اليمن وما حولها قبائل كثيفة العدد، ولأهل الكتاب السابقين نشاط قديم، وقد نشأ الإسلام هناك حقا وتقلّص ظل الفرس لغير عودة.

  6. إلا أنّ هذه البقاع النائية تحتاج مزيدا من رعاية وتفقّد.

  7. ومن ثمّ بعث النبيّ صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد، ثم معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري، ثم عليّ بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين «١» .

    1. (١)بعث هؤلاء الأربعة في صحيح البخاري: ٨/ ٤٩- ٥٧.
  8. وكأنّ هاتفا خفيا انبعث في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم يشعره أنّ مقامه في الدنيا يوشك على النهاية! فإنّه بعد أن علّم معاذ بن جبل كيف يدعو من يلقاهم، وكيف

    ج ١ ص ٤٥٢يعرّفهم دينهم خرج معه إلى ظاهر المدينة يوصيه، ومعاذ راكب ورسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي تحت راحلته!.

  9. فلما فرغ قال: «يا معاذ! إنك عسى ألاتلقاني بعد عامي هذا!! ولعلّك أن تمرّ بمسجدي هذا وقبري» ! فبكى معاذ خشعا لفراق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

  10. ثم التفت النبي صلى الله عليه وسلم بوجهه نحو المدينة فقال: «إنّ أولى النّاس بي المتّقون، من كانوا وحيث كانوا» «١» .

    1. (١)صحيح، أخرجه أحمد: ٥/ ٢٣٥، بسند صحيح عن معاذ.
  11. وقد وقع ما أومأ إليه الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنّ معاذا أقام باليمن، حتى كانت حجة الوداع، ثم كانت وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بعد الحج الأكبر بواحد وثمانين يوما، ومعاذ باليمن.

  12. وقد كان للعناية باليمن ما يبرّرها، فقد ظهر فيها وفي بني حنيفة دجّالان يزعمان النبوة.

  13. ولم يكن لكلا الدجّالين من خلال الرجولة وايات الخير ما يجمع عليه حفنة من الرجال.

  14. ولكنّ داء العصبية العمياء، جعل قبيلا كبيرا من الرعاع يقول:

    نحن نعلم أنّ مسيلمة كذاب، ولكنّ كذّاب ربيعة خير من صادق مضر!!.

  15. وقد اشتعلت فتن المتنبئين حينا، ثم داستها أقدام المجاهدين بعد، فأخمدت جذوتها، وذهبت نبوة مسيلمة وغيره كما تذهب بولة شاة على أديم الثرى.