عمار بن ياسر رضي الله عنه:
فقرة واحدة، ج ١ ص ١١١
- ج ١ ص ١١١
من هؤلاء عمار بن ياسر، وهو من السابقين الأولين في الإسلام، وكان مولى لبني مخزوم، أسلم وأبوه وأمه، فكان المشركون يخرجونهم إلى الأبطح إذا حميت الرمضاء، فيعذبونهم بحرّها، ومرّ بهم النبيّ عليه الصلاة والسلام وهم يعذّبون فقال: «صبرا ال ياسر، فإن موعدكم الجنة» «١» ، فمات ياسر في العذاب، وأغلظت امرأته (سميّة) القول لأبي جهل فطعنها في قبلها بحربة في يديه، فماتت؛ وهي أول شهيدة في الإسلام، وشدّدوا العذاب على عمار بالحرّ تارة، وبوضع الصخر على صدره أخرى، وبالتغريق أخرى، وقالوا: لا نتركك حتى تسبّ محمدا، أو تقول في اللات والعزّى خيرا، ففعل، فتركوه، فأتى النبيّ صلى الله عليه وسلم يبكي فقال: «ما وراءك؟» قال: شرّ يا رسول الله! كان الأمر كذا وكذا!! قال:
«فكيف تجد قلبك؟» قال: أجده مطمئنا بالإيمان. فقال: «يا عمار إن عادوا فعد» . فأنزل الله تعالى: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ [النحل:
١٠٦] «٢» ، وقد حضر المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
- (١)حديث حسن صحيح، رواه ابن إسحاق في السيرة: ١/ ٢٠٣، بلاغا، ووصله الحاكم: ٣/ ٣٨٨- ٣٨٩؛ والطبراني في الأوسط، كما في (المجمع) : ٩/ ٢٩٣، عن جابر بن عبد الله، وقال الحاكم: «صحيح على شرط مسلم» ، ووافقه الذهبي. وأخرجه أحمد والحاكم كما في (الإصابة) من طريق عقيل، عن الزهري، عن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر، عن أبيه. وهذا سند صحيح من مراسيل الصحابة، وهي مقبولة عند العلماء؛ وأخرجه أحمد، رقم (٤٣٩) ؛ وأبو نعيم في الحلية: ١/ ١٤٠، عن عثمان بن عفان، ورجاله ثقات، إلا أنه منقطع كما قال الحافظ. فهذه طرق تشهد لصحة الحديث.
- (٢)في ثبوت هذا السياق نظر، وعلته الإرسال، أخرجه ابن جرير في تفسيره: ١٢/ ١١٣؛ وأبو نعيم: ٩/ ١٤٠؛ وأبو بكر الجصاص في أحكام القران: ٣/ ٢٣٦، عن طريق أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر. قال: أخذ المشركون عمارا، فلم يتركوه حتى سبّ- - رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر الهتهم بخير ... الحديث؛ وأخرجه الحاكم: ٢/ ٣٥٧، عن أبي عبيدة هذا عن أبيه. ثم قال: «صحيح على شرط الشيخين» ووافقه الذهبي. كذا قالا، وقد كنت قديما اغتررت بقولهما، والان تبين لي خطؤهما إذ إن الجماعة رووه عن أبي عبيدة. وهب أن قوله: «عن أبيه» صحيح، فأبوه تابعي وليس بصحابي، فالحديث مرسل إن لم يكن معضلا، ثم إن أبا عبيدة وأباه لم يخرج لهما الشيخان شيئا، بل إن الأول قال فيه ابن أبي حاتم (٤/ ٤٠٢- ٤٠٥) عن أبيه: «منكر الحديث» ، ووافقه ابن معين وغيره؛ فأنى للحديث الصحة؟! بله على شرطهما!. نعم إنما يصح منه نزول الاية في عمار لمجيء ذلك من طرق ساقها ابن جرير. والله أعلم.