ذكر السنة الثانية من الهجرة وتعرف «بسنة الأمر» لأنه أمر فيها بالقتال

١٠ فقرات، ج ١ ص ٢٠٢

  1. ثم غزوة غزاها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في صفر في المهاجرين خاصة، حتى بلغ ودّان والأبواء وبينهما ثمانية أميال، يعترض عير قريش. فرجع ولم يلق كيدا، فكانت غيبته خمس عشرة ليلة، واستخلف على المدينة سعد بن عبادة ابن دليم الأنصاري ثم الخزرجي، وفي هذا الشهر تزوج أمير المؤمنين على بن أبى طالب بفاطمة رضى الله عنهما ثم غزوته صلّى الله عليه وسلّم بواط في شهر ربيع الأول في مائتين، يعترض عيرا لقريش وكانت ألفين وخمسمائة بعير، فيها مائة رجل من قريش منهم أمية ابن خلف الجحمي، ففاتته العير، ورجع ولم يلق كيدا وبواط جبل من جبال جهينة، من ناحية ذي خشب من طريق الشام، وبين بواط والمدينة ثمانية برد، وقيل أقل من ذلك، واستخلف على المدينة سعد ابن معاذ ثم غزوته صلّى الله عليه وسلّم في هذا الشهر أيضا، في طلب كرز بن جابر الفهري، وكان أغار على سرح المدينة من ناحية العقيق، فبلغ الى سفوان، وهي من بدر ففاته كرز بالسرح، فرجع واستخلف على المدينة مولاه زيد بن حارثة ابن شراحيل الكلبي ثم الكناني- كنانة بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة- وفي الناس من يسمى هذه الغزاة بدرا الأولى ثم غزوته صلّى الله عليه وسلّم في جمادى الأولى من هذه السنة- وقيل جمادى

    ج ١ ص ٢٠٣الآخرة- ذا العشيرة، يعترض عيرا لقريش ذاهبة إلى الشام ففاتته، وهي العير التي كان القتال ببدر بسببها في رجعتها وذو العشيرة بناحية ينبع، وبين المدينة وينبع تسعة برد، واستخلف على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي.

    ج ١ ص ٢٠٢
  2. وقبل إن خروجه في طلب كرز بعد غزوته ذا العشيرة، والأشهر ما ذكرناه، وولد النعمان بن بشير الأنصاري من بنى الحارث بن الخزرج، وهو أول مولود ولد للأنصار بعد الهجرة ثم سرية عبد الله بن جحش من بنى دودان بن أسد بن خزيمة، في رجب في أحد عشر رجلا، وقيل ثمانية إلى نخلة- وهو الموضع المعروف في هذا الوقت ببستان بن عامر، على جادة العراق- فلقوا عير قريش، فقتلوا ابن الحضرميّ، وأسروا منهم نفرا، واستاقوا العير، وقسم عبد الله بن جحش الغنيمة، وأخرج منها الخمس، قبل أن ينزل القرآن بذلك، فعزله رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى جاء الاذن من الله فأنفذه، وكان أول فيء قسمه وفي هذه الغزاة فيما ذكر سمي عبد الله بن جحش أمير المؤمنين، وهو أول من سمى بذلك، وقالت قريش استحل محمد القتل في الشهر الحرام يعنون رجب، وندم أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لذلك لأنه قال لهم ما أمرتكم بقتال في الأشهر الحرم فأنزل الله عز وجل في ذلك يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ ٢: ٢١٧- الآية وفرض صوم شهر رمضان في شعبان من هذه السنة، وصرفت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة في صلاة الظهر من يوم الثلاثاء للنصف من شعبان فاستدار النبي صلّى الله عليه وسلّم، وهو راكع في الركعة الثانية، ودارت الصفوف خلفه فسمى ذلك المسجد مسجد القبلتين، وقيل إن ذلك بعد افتراض صوم

    ج ١ ص ٢٠٤شهر رمضان بثلاثة عشر يوما.

  3. وفيها أرى عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري، من بنى زيد مناة بن الحارث بن الخزرج الأذان في النوم، وورد الوحي بذلك فعمل به ثم غزوة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بدرا العظمى، وهي؟ بدر القتال، وبين بدر والمدينة ثمانية برد، وميلان وكان خروجه لثلاث خلون من شهر رمضان في ثلاثمائة وأحد عشر رجلا من المهاجرين والأنصار، عدة المهاجرين أربعة وسبعون رجلا، وباقيهم من الأنصار. وقيل ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، وقيل وأربعة عشر رجلا.

  4. الخبر المستفيض أنه كان في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، فوقع التنازع فيما زاد على الثلاثمائة والعشرة، وهو البضع وكانت قريش تسعمائة وخمسين مقاتلا منهم ستمائة دارع، معهم من الخيل مائة فرس، وكانت الوقعة يوم الجمعة صبيحة. لتسعة عشر يوما من شهر رمضان كذلك روى عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن عبد الله بن مسعود، وخارجة ابن زيد الأنصاري ثم الخزرجي عن أبيه زيد وقد روى علقمة بن زيد عن ابن مسعود غير هذا، وهو أنّها كانت صبيحة اليوم السابع عشر من شهر رمضان، كذلك روى عن خارجة بن زيد عن أبيه زيد أيضا، وكذلك روى عن الحسن بن على بن أبى طالب رضى الله عنهما، فيما ذكر أبو عبد الرحمن السلمي، والى هذا القول ذهب محمد بن عمر الواقدي صاحب المغازي والسير.

  5. فقتل من قريش سبعون رجلا، وأسر سبعون رجلا، كذلك ذكر احمد ابن منصور الرمادي عن عاصم بن على عن عكرمة بن عمار قال:

    حدثنا أبو زميل قال حدثني عبد الله بن العباس قال حدثني عمر بن الخطاب

    ج ١ ص ٢٠٥قال: لما كان يوم بدر التقينا، فهزم الله المشركين، فقتل منهم سبعون رجلا واسر سبعون رجلا، وقيل ان عدة من قتل يوم بدر من قريش وحلفائهم سبعة وأربعون رجلا والأسرى تسعة وأربعون رجلا، وقيل إن عدة القتلى منهم يومئذ خمسة وأربعون رجلا، والأسرى مثل ذلك رجالا واستشهد من المسلمين أربعة عشر رجلا قال المسعودي: وقسم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما أفاء الله عليه لكل رجل سهما وللفرس سهمين وضرب لثمانية نفر بأسهمهم لم يشهدوا القتال، وهم:

    عثمان بن عفان، تخلف عن بدر لمرض رقية بنت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فضرب له بسهمه. فقال يا رسول الله وأجرى قال وأجرك ومنهم طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤيّ بن غالب، يجتمع مع أبى بكر الصديق عليه السلام في عمرو بن كعب بن سعد وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤيّ بن غالب، يجتمع مع عمر بن الخطاب في نفيل بن عبد العزى. وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعثهما لما خرج من المدينة يتحسسان أخبار العير، نعادا بعد انقضاء الحرب، وقيل انهما كانا بالشأم في تجارة لهما فقد ما بعد رجوع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من بدر فضرب لهما بسهميهما، فقالا يا رسول الله وأجرنا، قال وأجركما على الله- والأول أشهر وعليه العمل والحارث بن الصمة من بنى مالك بن النجار بن ثعلبة بن عمرو بن حارثة ابن الخزرج- وخوات بن جبير بن ثعلبة بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس- والحارث بن حاطب- وعاصم بن عدي الأنصاريان- وأبو لبابة بشير

    ج ١ ص ٢٠٦ابن عبد المنذر الأنصاري ثم الأوسي. وكان استخلفه على المدينة وما ذكرنا من أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قسم للفرس سهمين ولفارسه سهما باتفاق من سائر فقهاء الأمصار وغيرهم، إلا أبا حنيفة النعمان بن ثابت، فإنه قال يسهم للفرس سهما ولفارسه سهما وخالفه صاحباه أبو يوسف ومحمد بن الحسن في ذلك.

  6. واعتل أصحاب أبى حنيفة لصحة قوله بأحاديث رووها عن أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وعن أمير المؤمنين على بن أبى طالب، وأبى موسى الأشعري. وغيرهم، وإنما ذكرنا ذلك الخلاف للخلاف الواقع بينهم في الخبر.

  7. وكانت غيبة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الى أن عاد الى المدينة تسعة عشر يوما ودخلها لثمان بقين من شهر رمضان، وكان استخلف عليها ابن أم مكتوم الضرير، وهو عمرو بن قيس من بنى عامر بن لؤيّ بن غالب.

  8. وكانت وفاة أبى لهب عبد العزى بن عبد المطلب عم النبي صلّى الله عليه وسلّم بمكة في اليوم الّذي ورد فيه خبر وقعة بدر ثم سرية عمير بن عدي بن خرشة الأوسي ثم الخطميّ إلى عصماء ابنة مروان من بنى أمية بن بدر، وكانت تؤذى المسلمين وتحرض عليهم أعداءهم فقتلها عمير، وفي هذه السنة أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، بإخراج زكاة الفطر ثم سرية سالم بن عمير الأنصاري إلى أبى عفك شيخ من بنى عمرو بن عوف، وكان يحرض على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقتله في شوال من هذه السنة.

  9. ثم غزوة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم للنصف من شوال إلى بنى قينقاع من من اليهود وكانوا أربعمائة فحصرهم إلى هلال ذي القعدة، فنزلوا على حكمه فاستوهبهم منه عبد الله بن أبى بن سلول- وكانوا حلفاء للخزرج- فأجلاهم إلى

    ج ١ ص ٢٠٧أذرعات من أرض الشأم، وغنم أموالهم وأخذ الخمس، وهو أول خمس خمسه، وفرق الأربعة أخماس على أصحابه. وقيل إن فعله ذلك كان ببدر. وكان استخلف على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر الخزرجي ثم غزوة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المعروفة بغزوة السويق، خرج في ذي الحجة في طلب أبى سفيان صخر بن حرب، وكان أقبل في مائتي راكب من أهل مكة ليبر نذره أن لا يمس النساء، ولا الطيب حتى يثأر بأهل بدر، فصار إلى العريض، فقتل رجلا من الأنصار، وحرق أبياتا هنالك. فلما بلغه خروج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه في طلبه جعل وأصحابه يلقون جرب السويق تخففا، فسميت غروة السويق وكان استخلف على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر أيضا، وفي هذا الشهر بنى على بفاطمة عليهما السلام قال المسعودي: وقد ذكرنا التنازع في سنها عند ذكر وفاتها في خلافة أبى بكر فيما يرد من هذا الكتاب وضحى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أول أضحى رآه المسلمون، وأمر بذلك، وخرج إلى المصلّى، وذبح به شاتين بيده وقيل شاة وفي هذه السنة كانت الوقعة بذي قار بين بكر بن وائل- وعليهم حنظلة ابن سيار من ولد جذيمة بن سعد بن عجل بن لجيم بن صعب بن على بن بكر ابن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة ابن نزار، وقيل إنه من ولد كعب بن سعد بن ضبيعة بن عجل- وبين الجيش الّذي بعثه إليهم الملك خسرو أبرويز عليهم الهامرز، وذلك لما امتنع هانئ بن قبيصة بن هانئ بن مسعود بن عامر بن عمرو بن أبى ربيعة بن ذهل بن شيبان ابن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن على بن بكر بن وائل من تسليم ما كان النعمان

    ج ١ ص ٢٠٨ابن المنذر اللخمي ملك الحيرة أودعه إياه من أهله وماله وسلاحه قبل قتل كسرى إياه فاقتتلوا قتالا شديدا، فهزمت الفرس، ومن كان معها من العرب، من تغلب وعليها بشر بن سوادة التغلبي، وطيِّئ وعليها إياس بن قبيصة الطائي، وضبة وتميم وعليهما عطارد بن حاجب بن زرارة، والنمر وعليها أوس بن الخزرج النمري، وبهراء وتنوخ وغيرهم من العرب وقتل الهامرز.

  10. وقيل إن ذلك كان قبل الهجرة، وإن أناسا من عبد القيس وحنيفة وغيرهم من بكر بن وائل جاءوا من اليمامة وبلاد البحرين الموسم يريدون المضي إلى بكر لانجادها، فوقف عليهم النبي صلّى الله عليه وسلّم، وهو يعرض نفسه على قبائل العرب ومعه أبو بكر فدعاهم إلى الايمان باللَّه وجرى بين أبى بكر ودغفل بن حنظلة بن زيد بن عبدة بن عبد الله بن ربيعة بن عمرو بن شيبان النسابة ما جرى حتى قال النبي صلّى الله عليه وسلّم إن البلاء موكل بالمنطق فوعدوا النبي صلّى الله عليه وسلّم إن نصرهم الله على الأعاجم آمنوا به وصدقوا بنبوته، فدعا لهم النبي صلّى الله عليه وسلّم بالنصر فلما بلغه ظهورهم على الأعاجم قال هذا أول يوم انتصفت فيه العرب من العجم، وبى نصروا وهذا يوم تفخر به بكر بن وائل على سائر العرب وفوضل به في مناقبها وذكره من تقدم من الشعراء وتأخر في مدح بكر، وذكر أيامها المذكورة ووقائعها المشهورة ولقد أحسن أبو تمام حبيب بن أوس الطائي في تلطفه لذلك في مديحه أبا دلف القاسم بن عيسى بن إدريس بن معقل بن عمير بن شيخ بن معاوية بن خزاعيّ ابن عبد العزى بن دلف بن جشم بن قيس بن سعد بن عجل بن لجيم بن صعب

    ج ١ ص ٢٠٩ابن على بن بكر بن وائل ببائيته التي أولها

    على مثلها من أربع وملاعب

    فقال

    إذا افتخرت يوما تميم بقوسها ... على الناس أو ما ولدت من مناقب

    فأنتم بذي قار أمالت سيوفكم ... عروش الذين استرهنوا قوس حاجب

    وقد ذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتابه المترجم بالديباج- أو فياء العرب فعد- السموأل بن عاديا الغساني، والحارث بن ظالم المري، وعمير بن سلمى الحنفي. ولم يذكر هانئا وهو أعظم العرب وفاء، وأعزهم جوارا، وأمنعهم جارا، لأنه عرض نفسه، وقومه للحتوف، ونعمهم للزوال، وحرمهم للسبى، ولم يخفر أمانته، ولا ضيع وديعته