باب: ذكر أول الناس إيمانا به صلى الله عليه وسلم
١١٠ فقرة، ج ١ ص ٣٨١
الصفحة ٣ من ٣
- ج ١ ص ٣٩٤
وأسلم بدعاية أبي بكر رضي الله تعالى عنه أيضا سعد بن أبي وقاص: أي فإن أبا بكر لما دعاه إلى الإسلام لم يبعد، وأتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن أمره فأخبر به فأسلم وكان عمره تسع عشرة سنة، وهو رضي الله تعالى عنه من بني زهرة، ومن ثم قال صلى الله عليه وسلم وقد أقبل عليه: «سعد خالي فليرني امرؤ خاله» .
-
وفي كلام السهيلي أنه عم آمنة بنت وهب أم النبي صلى الله عليه وسلم، وكرهت أمه إسلامه وكان بارا بها، فقالت له: ألست تزعم أن الله يأمرك بصلة الرحمن وبر الوالدين؟
قال: فقلت نعم، فقالت: والله لا أكلت طعاما ولا شربت شرابا حتى تكفر بما جاء به محمد: أي وتمس إسافا ونائلة، فكانوا يفتحون فاها ثم يلقون فيه الطعام والشراب، فأنزل الله تعالى وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما [العنكبوت: الآية ٨] الآية، وفي رواية أنها مكثت يوما وليلة لا تأكل، فأصبحت وقد خمدت ثم مكثت يوما وليلة لا تأكل ولا تشرب. قال سعد: فلما
ج ١ ص ٣٩٥رأيت ذلك قلت لها: تعلمين والله يا أمه لو كان لك مائة نفس تخرج نفسا نفسا ما تركت دين هذا النبي صلى الله عليه وسلم، فكلي إن شئت أو لا تأكلي، فلما رأت ذلك أكلت.
-
وفي الأنساب للبلاذري عن سعد قال: أخبرت أمي أني كنت أصلي العصر:
أي الركعتين اللتين كانوا يصلونهما بالعشي فجئت فوجدتها على بابها تصيح: ألا أعوان يعينوني عليه من عشيرتي أو عشيرته فأحبسه في بيت وأطبق عليه بابه حتى يموت أو يدع هذا الدين المحدث؟ فرجعت من حيث جئت، وقلت: لا أعود إليك ولا أقرب منزلك فهجرتها حينا، ثم أرسلت إليّ أن عد إلى منزلك ولا تتضيفن فيلزمنا عار فرجعت إلى منزلي، فمرة تلقاني بالبشر ومرة تلقاني بالشر وتعيرني بأخي عامر وتقول: هو البر لا يفارق دينه، ولا يكون تابعا، فلما أسلم عامر لقي منها ما لم يلق أحد من الصياح والأذى حتى هاجر إلى الحبشة، ولقد جئت والناس مجتمعون على أمي وعلى أخي عامر فقلت: ما شأن الناس؟ فقالوا: هذه أمك قد أخذت أخاك عامرا، وهي تعطي الله عهدا لا يظلها نخل ولا تأكل طعاما ولا تشرب شرابا حتى يدع صبأته، فقلت لها: والله يا أمه لا تستظلين ولا تأكلين ولا تشربين حتى تتبوئي مقعدك من النار.
-
وجاء «أنه صلى الله عليه وسلم أمر سعد بن أبي وقاص أن يأتي الحارث بن كلدة طبيب العرب ليستوصفه في مرض نزل بسعد وكان ذلك في حجة الوداع، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود عبد الرحمن بن عوف لمرض نزل به فوجد عنده الحارث، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن: إني لأرجو أن يشفيك الله حتى يضرّ بك قوم وينتفع بك آخرون، ثم قال للحارث بن كلدة عالج سعدا مما به وكان سعد بالمجلس، فقال: والله إني لأرجو شفاءه فيما ينفعه من رجله، هل معك من هذه الثمرة العجوة شيء؟ قال نعم، فخلط ذلك الثمر بحلبة ثم أوسعها سمنا ثم أحساه إياها فكأنما نشط من عقال» وهذا استدل به على إسلام الحارث بن كلدة، لأن حجة الوداع لم يحج فيها مشرك، فهو معدود من الصحابة. وأنكر بعضهم إسلامه وجعله دليلا على جواز استشارة أهل الكفر في الطب إذا كانوا من أهله.
-
وممن أسلم بدعاية أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أيضا طلحة بن عبد الله التيمي فجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استجاب له فأسلم.
-
أي ولما تظاهر أبو بكر وطلحة بالإسلام أخذهما نوفل بن العدوية، وكان يدعى أسد قريش فشدهما في حبل واحد ولم يمنعهما بنو تيم، ولذلك سمي أبو بكر وطلحة القرينين ولشدة ابن العدوية وقوة شكيمته كان صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم اكفنا شر ابن العدوية» .
-
أقول: سبب إسلام طلحة بن عبيد الله رضي الله تعالى عنه ما تقدم أنه قال:
حضرت سوق بصرى فإذا راهب في صومعته يقول: سلوا أهل هذا الموسم هل ثم
ج ١ ص ٣٩٦من أهل الحرم أحد؟ فقلت: نعم أنا، قال: هل ظهر أحمد بعد؟ قلت: ومن أحمد؟
قال: ابن عبد الله بن عبد المطلب، هذا شهره الذي يخرج فيه، وهو آخر الأنبياء، مخرجه من الحرم، ومهاجره إلى أرض ذات نخل وسباخ، فإياك أن تسبق إليه، قال طلحة: فوقع في قلبي ما قال، فخرجت سريعا حتى قدمت مكة، فقلت: هل كان من حدث؟ قالوا: نعم، محمد بن عبد الله الأمين يدعو إلى الله، وقد تبعه ابن أبي قحافة، فخرجت حتى دخلت على أبي بكر رضي الله تعالى عنه فأخبرته بما قال الراهب، فخرج أبو بكر حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك، فسر بذلك وأسلم طلحة.
-
وطلحة هذا هو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وقد شاركه رجل آخر في اسمه واسم أبيه ونسبه، وهو طلحة بن عبيد الله التيمي، وهو الذي نزل فيه قوله تعالى:
وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ [الأحزاب: الآية ٥٣] الآية، لأنه قال لئن مات محمد رسول الله لأتزوجن عائشة. وفي لفظ يتزوّج محمد بنات عمنا ويحجبهنّ عنا، لئن مات لأتزوجن عائشة من بعده، فنزلت الآية.
قال الحافظ السيوطي: وقد كنت في وقفة شديدة من صحة هذا الخبر، لأن طلحة أحد العشرة أجلّ مقاما من أن يصدر عنه ذلك، حتى رأيت أنه رجل آخر شاركه في اسمه واسم أبيه ونسبه هذا كلامه.
-
والحاصل أن أبا بكر أسلم على يده خمسة من العشرة المبشرين بالجنة، وهم:
عثمان وطلحة بن عبيد الله، ويقال له طلحة الفياض، وطلحة الجود، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وزاد بعضهم سادسا، وهو أبو عبيدة ابن الجراح وكان كل من أبي بكر وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وطلحة بزازا، وكان الزبير جزارا، وكان سعد بن أبي وقاص يصنع النبل، والله أعلم، ثم دخل الناس في الإسلام أرسالا من الرجال والنساء.
-
وذكر في الأصل جماعة من السابقين للإسلام منهم عبد الله بن مسعود وأن سبب إسلامه ما حدث به، قال: «كنت في غنم لآل عقبة بن أبي معيط، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر بن أبي قحافة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هل عندك لبن؟ فقلت نعم ولكني مؤتمن، قال: هل عندك من شاة لم ينز عليها الفحل؟ قلت نعم فأتيته بشاة شصوص لا ضرع لها فمسح النبي صلى الله عليه وسلم مكان الضرع فإذا ضرع حافل مملوء لبنا» كذا في الأصل. وفي الصحاح كما في النهاية الشصوص التي ذهب لبنها، وحينئذ يكون قول الأصل لا ضرع لها، أي لا لبن لها، ويدل لذلك قول ابن حجر الهيتمي في شرح الأربعين «فمسح ضرعها» وقول ابن مسعود فمسح مكان الضرع، أي محل اللبن «فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم بصخرة منقورة فاحتلب النبي صلى الله عليه وسلم فسقى أبا بكر وسقاني، ثم
ج ١ ص ٣٩٧شرب، ثم قال للضرع: اقلص فرجع كما كان» أي لا وجود له على ظاهر ما في الأصل، أو لا لبن فيه على ما في النهاية كالصحاح، وإلى ذلك أشار الإمام السبكي في تائيته بقوله:
ورب عناق ما نزا الفحل فوقها ... مسحت عليها باليمين فدرّت
قال ابن مسعود: فلما رأيت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: يا رسول الله علمني، فمسح رأسي وقال: «بارك الله فيك فإنك غلام معلم» .
-
أقول: فإن قيل قول ابن مسعود ولكني مؤتمن، وعدوله صلى الله عليه وسلم عن ذات اللبن إلى غيرها يخالف ما سيأتي في حديث المعراج والهجرة أن العادة كانت جارية بإباحة مثل ذلك اللبن لابن السبيل إذا احتاج إلى ذلك، فكان كل راع مأذونا له في ذلك وإذا كان ذلك أمرا متعارفا مشهورا يبعد خفاؤه.
-
قلنا: قد يقال لا مخالفة لأن ابن السبيل المسافر، وجاز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله تعالى عنه لم يكونا مسافرين، لجواز أن تكون تلك الغنم التي كان فيها ابن مسعود ببعض نواحي مكة القريبة منها، التي لا يعدّ قاصدها مسافرا، ولعله لا ينافي ذلك ما سيأتي أن من خصائصه صلى الله عليه وسلم أبيح له أخذ الطعام والشراب من مالكهما المحتاج إليهما إذا احتاج صلى الله عليه وسلم إليهما، وأنه يجب على مالكهما بذل ذلك له.
-
وكان عبد الله بن مسعود يعرف بأمه وهي أم عبد، وكان قصيرا جدا طوله نحو ذراع خفيف اللحم، ولما ضحكت الصحابة رضي الله تعالى عنهم من دقة رجليه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لرجل عبد الله في الميزان أثقل من أحد» وقال صلى الله عليه وسلم في حقه:
«رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد، وسخطت لها ما سخط لها ابن أم عبد» .
-
وقوله: «لرجل عبد الله في الميزان» يدل للقول بأن الموزون الإنسان نفسه لا عمله، وكان صلى الله عليه وسلم يكرمه ويدنيه ولا يحجبه، فلذلك كان كثير الولوج عليه صلى الله عليه وسلم، وكان يمشي أمامه صلى الله عليه وسلم ومعه، ويستره إذا اغتسل، ويوقظه إذا نام، ويلبسه نعليه إذا قام، فإذا جلس أدخلهما في ذراعيه، ولذلك كان مشهورا بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم بأنه صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، ولم أقف على أنه أسلم حين أجفلت الشاة، لكن قول العلامة ابن حجر الهيتمي في شرح الأربعين:
أسلم قديما بمكة لما مرّ به صلى الله عليه وسلم وهو يرعى غنما إلى آخره، يدل على أنه أسلم حينئذ. ومما يؤثر عنه: الدنيا كلها هموم، فما كان فيها من سرور فهو ربح، والله أعلم.
-
وذكر في الأصل أن من السابقين أبا ذر الغفاري، واسمه جندب بن جنادة بضم الجيم فيهما قال: وسبب إسلامه ما حدث به قال: صليت قبل أن ألقى النبي صلى الله عليه وسلم
ج ١ ص ٣٩٨ثلاث سنين لله أتوجه حيث يوجهني ربي، فبلغنا أن رجلا خرج بمكة يزعم أنه نبي فقلت لأخي أنيس انطلق إلى هذا الرجل فكلمه وأتني بخبره، فلما جاء أنيس قلت له: ما عندك فقال: والله رأيت رجلا يأمر بخير وينهي عن الشر، وفي رواية: رأيتك على دينه يزعم أن الله أرسله ورأيته يأمر بمكارم الأخلاق، قلت فما يقول الناس فيه؟
قال: يقولون شاعر كاهن ساحر، والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون، فقلت اكفني حتى أذهب فأنظر، قال نعم وكن على حذر من أهل مكة، فحملت جرابا وعصا ثم أقبلت حتى أتيت مكة، فجعلت لا أعرفه وأكره أن أسأل عنه، فمكثت في المسجد ثلاثين ليلة ويوما، وما كان لي طعام إلا ماء زمزم فسمنت حتى تكسرت عكن بطني، وما وجدت على بطني سحنة جوع. والسحنة: بالتحريك، قيل حرارة يجدها الإنسان من الجوع، ففي ليلة لم يطف بالبيت أحد وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه جاآ فطافا بالبيت، ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قضى صلاته أتيته، فقلت: السلام عليك يا رسول الله، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فرأيت الاستبشار في وجهه ثم قال من الرجل؟ قلت من غفار بكسر المعجمة قال: متى كنت؟ قال: كنت من ثلاثين ليلة ويوما ههنا، قال: فمن كان يطعمك قلت ما كان لي طعام إلا ماء زمزم فسمنت حتى تكسرت عكن بطني، وما أجد على بطني سحنة جوع قال:
«مبارك، إنها طعام طعم وشفاء سقم» أي وجاء «ماء زمزم لما شرب له، إن شربته لتشفى شفاك الله، وإن شربته لتشبع أشبعك الله، وإن شربته لتقطع ظمأك قطعه الله، وهي همزة جبريل، وسقيا الله إسمعيل» وجاء «التضلع من ماء زمزم براءة من النفاق» وجاء «آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من ماء زمزم» .
-
وذكر أن أبا ذر أول من قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم السلام عليك التي هي تحية الإسلام، فهو أول من حيا رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحية الإسلام، وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يأخذه في الله لومة لائم، وعلى أن يقول الحق ولو كان مرا، ومن ثم قال رسول صلى الله عليه وسلم:
«ما أظلت الخضراء» أي السماء «ولا أقلت الغبراء» أي الأرض «أصدق من أبي ذر» وقال صلى الله عليه وسلم في حقه: «أبو ذر يمشي في الأرض على زهد عيسى ابن مريم» وفي الحديث «أبو ذر أزهد أمتي وأصدقها» وقد هاجر أبو ذر إلى الشام بعد وفاة أبي بكر، واستمر بها إلى أن ولي عثمان، فاستقدمه من الشام لشكوى معاوية منه وأسكنه الربذة، فكان بها حتى مات، فإن أبا ذر صار يغلظ القول لمعاوية ويكلمه بالكلام الخشن.
-
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «أن لقيا أبي ذر لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان بدلالة عليّ رضي الله تعالى عنه، وأنه قال له: ما أقدمك هذه البلدة، فقال له أبو ذر: إن كتمت عليّ أخبرتك» وفي رواية «إن أعطيتني عهدا وميثاقا أن ترشدني
ج ١ ص ٣٩٩أخبرتك، ففعل قال أبو ذر: فأخبرته فأرشدني وأوصلني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسلمت» .
-
وفي الإمتاع «أن عليا استضاف أبا ذر ثلاثة أيام لا يسأله عن شيء وهو لا يخبره، ثم في الثالث قال له: ما أمرك وما أقدمك هذه البلدة؟ قال له: إن كتمت علي أخبرتك قال: فإني أفعل، قال له: بلغنا أنه خرج هنا رجل يزعم أنه نبي، فأرسلت أخي ليكلمه فرجع ولم يشفني من الخبر، فأردت أن ألقاه فقال له: أما إنك قد رشدت، هذا وجهي أي خروجي إليه فاتبعني، أدخل حيث أدخل فإن رأيت أحدا أخافه عليك قمت إلى الحائط كأني أصلح نعلي «وفي لفظ» كأني أريق الماء فامض أنت، قال أبو ذر: «فمضى ومضيت حتى دخل ودخلت معه على النبي صلى الله عليه وسلم فقلت له:
«أعرض علي الإسلام فعرضه علي فأسلمت مكاني» الحديث.
-
وما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم له: «من كان يطعمك» وجواب أبي ذر له صلى الله عليه وسلم بقوله: ما كان لي طعام إلا ماء زمزم يبعد أن يكون عليّ رضي الله تعالى عنه أضاف أبا ذر ولم يأكل عنده، وكذا يبعده ما جاء أن أبا بكر قال: يا رسول الله ائذن لي في إطعامه الليلة، قال أبو ذر: فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، فانطلقت معهما، ففتح أبو بكر بابا، فجعل يفيض لنا من زبيب الطائف، فكان ذلك أول طعام أكلته، إلا أن يحمل الطعام على خصوص الزبيب.
-
ويمكن التوفيق بين الروايتين: أي رواية دخوله على النبي صلى الله عليه وسلم مع علي فأسلم، ورواية اجتماعه به في الطواف فأسلم، بأن يكون أبو ذر دخل عليه أولا مع عليّ ثم لقيه في الطواف، ويكون المراد حينئذ بإسلامه الثاني الثبات عليه بتكرير الشهادتين، وعذره في عدم اجتماعه به في المسجد مدة ثلاثين يوما عدم خلو المطاف، كما يرشد لذلك قوله: ففي ليلة لم يطف بالبيت أحد إلى آخره، وإلا فيبعد أن يكون صلى الله عليه وسلم لم يدخل المسجد للطواف مدة ثلاثين يوما.
-
ويعد هذا الجمع قوله صلى الله عليه وسلم له: «من الرجل إلى آخره» ثم قال صلى الله عليه وسلم: لأبي ذر «يا أبا ذر اكتم هذا الأمر، وارجع إلى قومك فأخبرهم يأتوني، فإذا بلغك ظهورنا فأقبل، فقلت: والذي بعثك بالحق لأصرخنّ بهذا بين ظهرانيهم، قال: وكنت في أول الإسلام خامسا» وفي رواية «رابعا» ولعل المراد من الإعراب فلا ينافي ما يأتي في وصف خالد بن سعيد «فلما اجتمعت قريش بالمسجد ناديت بأعلى صوتي: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، فقالوا قوموا إلى هذا الصابىء فضربت لأموت» وفي لفظ «فمال عليّ أهل الوادي بكل مدرة وعظم حتى خررت مغشيا علي فأكب عليّ العباس، ثم قال لهم: ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار، وأن طريق تجارتكم عليهم، فخلوا عني، قال: فجئت زمزم فغسلت عني الدماء، فلما أصبحت
ج ١ ص ٤٠٠الغداة رجعت لمثل ذلك، فصنع بي مثل ما صنع، وأدركني العباس، وكان منه كالأمس، فخرجت وأتيت أنيسا فقال ما صنعت؟ فقلت: قد أسلمت وصدقت، فقال: ما لي رغبة عن دينك فإني قد أسلمت وصدقت فأتينا أمنا، فقالت: ما لي رغبة عن دينكما، فإني أسلمت وصدقت ثم أتينا قومنا غفارا فأسلم نصفهم، وقال نصفهم: إذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أسلمنا، فلما جاء المدينة أسلم نصفهم الثاني» أي لأنه صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر: «إني وجهت إلى الأرض ذات نخل لا أراها إلا يثرب، فهل أنت مبلغ قومك عسى الله أن ينفعهم بك ويأجرك فيهم، وجاءت أسلم: القبيلة المعروفة فقالوا يا رسول الله نسلم على الذي أسلم عليه إخواننا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله» .
-
أي وقد ذكر أن أبا ذر وقف يوما عند الكعبة: أي في حجة حجها أو عمرة اعتمرها فاكتنفه الناس فقال لهم: لو أن أحدكم أراد سفرا أليس يعد زادا؟ فقالوا بلى، فقال سفر القيامة أبعد مما تريدون، فخذوا ما يصلحكم، قالوا: وما يصلحنا؟
قال: حجوا حجة لعظائم الأمور، وصوموا يوما شديدا حره ليوم النشور، وصلوا في ظلمة الليل لوحشة القبور.
-
وممن أسلم خالد بن سعيد بن العاص رضي الله تعالى عنه. قيل كان حين أسلم رابعا وقيل ثالثا وقيل خامسا. وهو أول من أسلم من إخوته. ويمكن أن يكون ذلك محمل قول ابنته أم خالد: أول من أسلم أبي: أي من إخوته.
-
وسبب إسلامه أنه رأى في النوم النار ورأى من فظاعتها وأهوالها أمرا مهولا، ورأى أنه على شفيرها، وأن أباه يريد أن يلقيه فيها، ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم آخذا بحجزته يمنعه من الوقوع فيها، فقام من نومه فزعا وقال: أحلف بالله أن هذه الرؤيا حق وعلم أن نجاته من النار تكون على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتى أبا بكر فذكر له ذلك، فقال له: أريد بك خير، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعه، فأتاه فقال يا محمد إلا م تدعو؟ قال: أدعو إلى الله وحده، لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وتخلع ما أنت عليه من عبادة حجر لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع، فأسلم خالد.
-
وفي الوفاء عن أم خالد بنت خالد بن سعيد أنها قالت: كان خالد بن سعيد ذات ليلة نائما، قبيل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: رأيت كأنه غشيت مكة ظلمة حتى لا يبصر امرؤ كفه، فبينما هو كذلك إذ خرج نور أي من زمزم، ثم علا في السماء فأضاء في البيت، ثم أصاب مكة كلها، ثم تحول إلى يثرب فأصابها حتى أني لأنظر إلى البسر في النخل، فاستيقظت فقصصتها على أخي عمرو بن سعيد وكان جزل الرأي، فقال: يا أخي إن هذا الأمر يكون في بني عبد المطلب ألا ترى أنه خرج من حفر أبيهم ثم إنه ذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي بعد مبعثه، فقال: يا خالد أنا والله
ج ١ ص ٤٠١ذلك النور، وأنا رسول الله، وقص عليه ما بعثه الله به فأسلم خالد، وعلم أبوه بذلك، أبوه وهو سعيد أبو أجيحة وكان من عظماء قريش، كان إذا اعتمّ لم يعتم قرشي إعظاما له، ومن ثم قال فيه القائل:
أبا أجيحة من يغتم عمته ... يضرب وإن كان ذا مال وذا عدد
وعند إسلام ولده خالد أرسل في طلبه فانتهره وضربه: أي بمقرعة كانت في يده حتى كسرها على رأسه، ثم قال: اتبعت محمدا وأنت ترى خلافه لقومه، وما جاء به من عيب آلهتهم وعيب من مضى من آبائهم، فقال: والله تبعته على ما جاء به، فغضب أبوه وقال: اذهب يا لكع حيث شئت، وقال: والله لأمنعنك القوت، قال إن منعتني فإن الله يرزقني ما أعيش به، فأخرجه وقال لبنيه ولم يكونوا أسلموا: لا يكلمه أحد منكم إلا صنعت به، فانصرف خالد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان يلزمه ويعيش معه، ويغيب عن أبيه في نواحي مكة، حتى خرج أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية، فكان خالد أول من هاجر إليها.
-
وذكر عن والده سعيد أنه مرض فقال إن رفعني الله من مرضي هذا لا يعبد إله ابن أبي كبشة بمكة أبدا، فقال خالد عند ذلك: اللهم لا ترفعه، فتوفي في مرضه ذلك. وخالد هذا أول من كتب بسم الله الرحمن الرحيم، وأسلم أخوه عمرو بن سعيد بن العاص رضي الله تعالى عنه.
-
قيل وسبب إسلامه أنه رأى نورا خرج من زمزم أضاءت له منه نخل المدينة حتى رأى البسر فيها، فقص رؤياه، فقيل له هذه بئر بني عبد المطلب، وهذا النور منهم يكون فكان سببا لإسلامه، وتقدم قريبا أن هذه الرؤيا وقعت لخالد، فكانت سبب إسلامه، وأنه قصها على أخيه عمرو المذكور، فهو من خلط بعض الرواة، إلا أن يقال لا مانع من تعدد هذه الرؤية لخالد ولأخيه عمرو، وأنها كانت سببا لإسلامهما، وأسلم من بني سعيد أيضا أبان والحكم الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله.
-
أي ومن السابقين للإسلام صهيب، كان أبوه عاملا لكسرى، أغارت الروم عليهم فسبت صهيبا وهو غلام صغير، فنشأ في الروم حتى كبر، ثم ابتاعه جماعة من العرب وجاؤوا به إلى سوق عكاظ، فابتاعه منهم بعض أهل مكة، أي وهو عبد الله ابن جدعان فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ صهيب على دار رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى عمار ابن ياسر، فقال له عمار بن ياسر: أين تريد يا صهيب؟ قال: أريد أن أدخل إلى محمد فاسمع كلامه وما يدعو إليه، قال عمار: وأنا أريد ذلك، فدخلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرهما بالجلوس فجلسا، وعرض عليهما السلام، وتلا عليهما ما حفظ من القرآن، فتشهدا ثم مكثا عنده يومهما ذلك حتى أمسيا خرجا مستخفيين،
ج ١ ص ٤٠٢فدخل عمار على أمه وأبيه فسألاه أين كان؟ فأخبرهما بإسلامه وعرض عليهما الإسلام وقرأ عليهما ما حفظ من القرآن في يومه ذلك، فأعجبهما فأسلما على يده فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسميه الطيب المطيب.
-
وأسلم أيضا حصين والد عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما بعد إسلام والده عمران.
-
وسبب إسلامه أن قريشا جاءت إليه وكانت تعظمه وتجله، فقالوا له: كلم لنا هذا الرجل، فإنه يذكر آلهتنا ويسبها، فجاؤوا معه حتى جلسوا قريبا من باب النبي صلى الله عليه وسلم ودخل حصين، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أوسعوا للشيخ، وعمران ولده في الصحابة، فقال حصين: ما هذا الذي بلغنا عنك أنك تشتم آلهتنا وتذكرها؟ فقال: يا حصين كم تعبد من إله؟ قال سبعة في الأرض وواحد في السماء، فقال: فإذا أصابك الضرّ لمن تدعو؟ قال الذي في السماء، قال: فإذا هلك المال من تدعو؟ قال الذي في السماء، قال: فيستجيب لك وحده وتشرك معه، أرضيته في الشرك؟ يا حصين أسلم تسلم فأسلم، فقام إليه ولده عمران فقبل رأسه ويديه ورجليه، فبكى صلى الله عليه وسلم وقال: بكيت من صنع عمران، دخل حصين وهو كافر فلم يقم إليه عمران ولم يلتفت ناحيته، فلما أسلم وفي حقه فدخلني من ذلك الرقة، فلما أراد حصين الخروج قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: شيعوه إلى منزله، فلما خرج من سدة الباب: أي عتبته رأته قريش، قالوا:
قد صبا وتفرقوا عنه» .