باب الهجرة الأولى إلى أرض الحبشة وسبب رجوع من هاجر إليها من المسلمين إلى مكة وإسلام عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه
٧٦ فقرة، ج ١ ص ٤٥٦
الصفحة ٢ من ٢
- ج ١ ص ٤٦٧
وفي لفظ أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إن جاء بخير قبلناه، وإن جاء بشر قتلناه» وفي لفظ «إن يرد بعمر خير يسلم، وإن يرد غير ذلك يكن قتله علينا هينا، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ائذن له، فأذن له الرجل ونهض إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لقيه في صحن الدار، فأخذ بحجزته وجذبه جذبة شديدة وقال: ما جاء بك يا بن الخطاب؟
-
فو الله ما أدري أن تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة» .
-
وفي لفظ «أخذ بمجامع ثوبه وحمائل سيفه، وقال: ما أنت منته يا عمر حتى ينزل الله بك من الخزي والنكال ما أنزل الله بالوليد بن المغيرة» أي أحد المستهزئين به صلى الله عليه وسلم كما تقدم، فقال عمر: «يا رسول الله جئت لأؤمن بالله ورسوله أشهد أنك رسول الله» وفي رواية «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبيرة عرفت» وفي رواية «سمعها أهل المسجد» .
-
وفي رواية «لما جاء دفع الباب فوجد بلالا وراء الباب، فقال بلال: من هذا؟
فقال: عمر بن الخطاب، فقال: حتى استأذن لك على رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقال بلال: يا رسول الله عمر بالباب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن يرد الله به خيرا أدخله في الدين، فقال لبلال: افتح له، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بضبعه فهزه» .
-
وفي رواية: «أخذ ساعده وانتهزه؛ فارتعد عمر هيبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وجلس» وفي لفظ «أخذ بمجامع ثيابه ثم نتره نترة فما تمالك عمر أن وقع على ركبتيه، فقال صلى الله عليه وسلم: اللهم هذا عمر بن الخطاب، اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب، ما الذي تريد وما الذي جئت له؟ فقال عمر: اعرض عليّ الذي تدعو إليه فقال: تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله فأسلم عمر مكانه» .
-
أقول: ولا ينافي هذا ما تقدم من إسلامه وإتيانه بالشهادتين في بيت أخته قبل خروجه إليه صلى الله عليه وسلم: وقوله ولم يعلموا إسلامي، لأنه يجوز أن يكون مراده بقوله جئت لأومن جئت لأظهر إيماني عندك وعند أصحابك، وعند ذلك قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«أسلم يا بن الخطاب» إلى آخره، وقوله للنبي صلى الله عليه وسلم: اعرض عليّ الذي تدعو إليه يجوز أن يكون عمر جوّز أن الذي يدعو إليه ويصير به المسلم مسلما أخص مما نطق به من الشهادتين، والله أعلم. قال عمر: وأحببت أن يظهر إسلامي وأن يصيا بني ما يصيب من أسلم من الضرر والإهانة، فذهبت إلى خالي وكان شريفا في قريش وأعلمته أني صبوت: أي وهو أبو جهل.
- ج ١ ص ٤٦٨
وقد جاء في بعض الروايات، قال عمر: لما أسلمت تذكرت أيّ أهل مكة أشد لرسول الله صلى الله عليه وسلم عداوة حتى آتيه فأخبره أني قد أسلمت، فذكرت أبا الجهل فجئت له فدققت عليه الباب، فقال: من الباب؟ قلت عمر بن الخطاب، فخرج إليّ فقال:
مرحبا وأهلا يا بن أختي، ما جاء بك؟ قلت جئت لأخبرك. وفي لفظ لأبشرك ببشارة، فقال أبو جهل: وما هي يا ابن أختي؟ فقلت: إني قد آمنت بالله وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم وصدّقت ما جاء به، فضرب الباب في وجهي: أي أغلقه، وهو بمعنى أجاف الباب كما في بعض الروايات وقال: قبحك الله وقبح ما جئت به: أي وإنما كان أبو جهل خال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، قيل لأن أم عمر أخت أبي جهل، وقيل لأن أم عمر بنت هشام بن المغيرة والد أبي جهل، فأبو جهل خال أم عمر وقيل إن أم عمر بنت عم أبي جهل وصححه ابن عبد البر، وعصبة الأم أخوال الابن. قال عمر: وجئت رجلا آخر من عظماء قريش وأعلمته أني صبوت فلم يصبني منها شيء، فقال لي رجل: تحب أن يعلم إسلامك؟ قلت نعم، قال: إذا جلس الناس يعني قريشا في الحجر واجتمعوا فائت فلانا لشخص كان لا يكتم السر وهو جميل بن معمر رضي الله عنه. أسلم يوم الفتح، وشهد مع النبي صلى الله عليه وسلم حنينا، وكان يسمى ذا القلبين، وفيه نزلت ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ [الأحزاب: الآية ٤] ومات في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه، وحزن عليه عمر حزنا شديدا، فقال له فيما بينك وبينه إني قد صبوت، قال فلما اجتمع الناس في الحجر جئت الرجل فدنوت منه وأخبرته، فرفع صوته بأعلاه، فقال: ألا إن عمر بن الخطاب قد صبأ، فما زال الناس يضربوني وأضربهم، فقام خالي- يعني أبا جهل على الحجر فأشار بكمه وقال: ألا إني أجرت ابن أختي، فانكشف الناس عني، فصرت» أي بعد ذلك «أرى الواحد من المسلمين يضرب وأنا لا أضرب، فقلت: ما هذا بشيء حتى يصيا بني ما يصيب المسلمين، فأمهلت حتى جلس الناس في الحجر وصلت إلى خالي وقلت له: جوارك عليك ردّ، فقال: لا تفعل يا بن أختي، فقلت: بل هو ذاك، فما زلت أضرب وأضرب حتى أعز الله الإسلام» .
-
أي وفي السيرة الهشامية: بينما القوم يقاتلونه ويقاتلهم، إذ أقبل شيخ من قريش عليه حلة حبرة وقميص موشى حتى وقف عليهم: أي وهو العاص بن وائل فقال:
ويلكم ما شأنكم؟ قالوا صبأ عمر، قال: فمه، رجل اختار لنفسه أمرا فماذا تريدون؟
-
أترون بني عدي بن كعب مسلمين لكم صاحبهم هكذا، خلوا عن الرجل، فانفرجوا عنه كأنهم ثوب كشط عنه.
-
أي وفي البخاري «لما أسلم عمر اجتمع الناس عند داره وقالوا صبأ عمر، فبينا عمر في داره خائفا إذ جاءه العاص بن وائل، فقال له: ما لك؟ قال: زعم قومك أنهم سيقتلوني إن أسلمت: أي إذ أسلمت، قال: أمنت لا سبيل إليك، فخرج
ج ١ ص ٤٦٩العاص فلقي الناس قد سال بهم الوادي، فقال: أين تريدون؟ فقالوا: نريد هذا عمر بن الخطاب الذي صبأ، قال: لا سبيل إليه فأنا له جار، فكسر الناس، وتصدعوا عنه» أي ويذكر «أن عتبة بن ربيعة وثب عليه فألقاه عمر إلى الأرض وبرك عليه وجعل يضربه وأدخل أصبعيه في عينيه، فجعل عتبة يصيح، وصار لا يدنو منه أحد إلا أخذ بشرا سيفه وهي أطراف أضلاعه» .
-
وعن عمر رضي الله تعالى عنه في سبب إسلامه، قال «خرجت أتعرّض لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن أسلم فوجدته قد سبقني إلى المسجد، فقمت خلفه، فاستفتح بسورة الحاقة، فجعلت أتعجب من تأليف القرآن، فقلت: هذا والله شاعر كما قالت قريش، فقرأ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ (٤١) [الحاقّة:
الآيتان ٤٠ و ٤١] قال: قلت كاهن علم ما في نفسي، فقرأ وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (٤٢) [الحاقّة: الآية ٤٢] إلى آخر السورة، فوقع الإسلام في قلبي كل موقع» .
-
أي ومن ذلك ما في السيرة الهشامية عن عمر رضي الله تعالى عنه «قال: جئت المسجد أريد أن أطوف بالكعبة، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي، وكان إذا صلى استقبل الشام» أي صخرة بيت المقدس «وجعل الكعبة بينه وبين الشام، فكان مصلاه بين الركن الأسود والركن اليماني» أي لأنه لا يكون مستقبلا لبيت المقدس إلا حينئذ كما تقدم «قال: فقلت حين رأيته صلى الله عليه وسلم لو أني استمعت لمحمد الليلة حتى أسمع ما يقول، قال: فقلت لئن دنوت منه أستمع لأروعنه، فجئت من قبل الحجر فدخلت تحت ثيابها يعني الكعبة، فجعلت أمشي رويدا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي فقرأ صلى الله عليه وسلم الرحمن حتى قمت في قبلته مستقبله ما بيني وبينه إلا ثياب الكعبة، فلما سمعت القرآن رق له قلبي فبكيت ودخلني الإسلام، فلم أزل قائما في مكاني ذلك حتى قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته ثم انصرف فتبعته، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حسي عرفني وظن إنما تبعته لأوذيه فنهمني أي زجرني، ثم قال: ما جاء بك يا بن الخطاب هذه الساعة؟ قلت: جئت لأؤمن بالله ورسوله وبما جاء من عند الله» وفي رواية «ضرب أختي المخاض ليلا، فخرجت من البيت فدخلت في أستار الكعبة، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فدخل الحجر فصلى فيه ما شاء الله ثم انصرف، فسمعت شيئا لم أسمع مثله، فخرج فاتبعته، فقال: من هذا؟ قلت عمر، قال: يا عمر ما تدعني لا ليلا ولا نهارا، فخشيت أن يدعو عليّ، فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقال: يا عمر أتسرّه. قلت: لا والذي بعثك بالحق لأعلننه كما أعلنت الشرك، فحمد الله تعالى، ثم قال: هداك الله يا عمر، ثم مسح صدري ودعا لي بالثبات، ثم انصرفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل بيته» .
-
أي ويحتاج للجمع بين هذه الروايات على تقدير صحتها، ثم رأيت العلامة ابن
ج ١ ص ٤٧٠حجر الهيتمي، قال: ويمكن الجمع بتعداد الواقعة قبل إسلامه، هذا كلامه فليتأمل ما فيه.
قال: ومن ذلك أي مما كان سببا لإسلام عمر «أن أبا جهل بن هشام، قال: يا معشر قريش إن محمدا قد شتم آلهتكم وسفه أحلامكم، وزعم أن من مضى من أسلافكم يتهافتون في النار، ألا ومن قتل محمدا فله عليّ مائة ناقة حمراء وسوداء، وألف أوقية من فضة: أي وفي لفظ: جعلوا لمن يقتله كذا وكذا أوقية من الذهب، وكذا كذا أوقية من الفضة، وكذا كذا نافجة من المسك، وكذا كذا ثوبا وغير ذلك، فقال عمر: أنا لها، فقالوا له: أنت لها يا عمر وتعاهد معهم على ذلك، قال عمر:
فخرجت متقلدا سيفي متنكبا كنانتي: أي جعلتها في منكبي أريد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
-
فمررت على عجل يذبح، فسمعت من جوفه صوتا يقول: يا آل ذريح، صائح يصيح، بلسان فصيح، يدعو إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت في نفسي: إن هذا الأمر لا يراد به إلا أنت، وذريح اسم للعجل المذبوح، وقيل له ذلك من أجل الدم، لأن الذريح شديد الحمرة، يقال أحمر ذريحي: أي شديد الحمرة، ثم مر برجل أسلم وكان يكتم إسلامه خوفا من قومه، يقال له نعيم:
أي ابن عبد الله النحام كما تقدم، فقال له: أين تذهب يا بن الخطاب؟ فقال: أريد هذا الصابئ الذي فرّق أمر قريش وسفه أحلامها وسب آلهتها فأقتله، فقال له نعيم:
والله لقد غرتك نفسك: أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على وجه الأرض وقد قتلت محمدا؟ فلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم؟ قال: وأي أهل بيتي؟ قال:
ختنك أي زوج أختك وابن عمك سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وأختك قد أسلما فعليك، وإنما فعل ذلك نعيم ليصرفه عن أذية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل الذي لقيه سعد بن أبي وقاص، فقال له: أين تريد يا عمر؟ فقال: أريد أن أقتل محمدا، قال له: أنت أصغر وأحقر من ذلك، تريد أن تقتل محمدا وتدعك بنو عبد مناف أن تمشي على الأرض، فقال له عمر: ما أراك إلا وقد صبأت فأبدأ بك فأقتلك، فقال سعد: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فسلّ عمر سيفه وسلّ سعد سيفه وشد كل منهما على الآخر حتى كادا أن يختلطا، ثم قال سعد لعمر: ما لك يا عمر لا تصنع هذا بختنك وأختك، فقال صبآ قال نعم، فتركه عمر وسار إلى منزل أخته» أي ولا مانع أن يكون لقي كلا من نعيم وسعد بن أبي وقاص وقال له كل منهما ما ذكر.
-
وفي هذه الرواية «وجد عندهم خباب بن الأرت معه صحيفة فيها سورة طه يقرؤها عليهم، وإنه دق عليهم الباب، فلما سمعوا حس عمر تغيب خباب: أي وترك الصحيفة، فلما دخل قال لأخته: ما هذه الهينمة التي سمعت؟ قالت له: ما سمعت
ج ١ ص ٤٧١شيئا غير حديث تحدثنا به بيننا، قال بلى والله لقد أخبرت أنكما- يخاطب أخته وزوجها- بايعتما محمدا على دينه، وبطش بزوج أخته فألقاه إلى الأرض وجلس على صدره وأخذ بلحيته، فقامت إليه أخته لتكفه عن زوجها، فضربها فشجها: أي فلما رأت الدم قالت له: يا عدو الله أتضربني على أن أوحد الله تعالى؟ لقد أسلمت على رغم أنفك فاصنع ما أنت صانع، فلما رأى ما بأخته وما صنع بزوجها ندم وقال لأخته: أعطني هذه الصحيفة أنظر ما هذا الذي جاء به محمد؟ وكان عمر كاتبا، قالت: أخشاك عليها، فحلف ليردنها إذا قرأها إليها، فقالت له: يا أخي أنت نجس ولا يمسه إلا الطاهر، فقام واغتسل: أي وفي لفظ فذهب يغتسل، فخرج إليها خباب وقال: أتدفعين كتاب الله تعالى إلى عمر وهو كافر؟ قالت نعم، إني أرجو أن يهدي الله أخي، ورجع خباب إلى محله ودخل عمر، فأعطته تلك الصحيفة؛ فلما قرأها عمر وبلغ فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى (١٦) [طه: الآية ١٦] قال: «أشهد أن لا إله إلا الله وإن محمدا عبده ورسوله» اهـ أي وفي رواية «أنه لما قرأ الصحيفة قال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه: أي وقيل إنه لما انتهى إلى قوله تعالى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (١٤) [طه: الآية ١٤] قال: ينبغي لمن يقول هذا أن لا يعبد معه غيره، فلما سمع ذلك خباب خرج إليه فقال: يا عمر إني لأرجو أن يكون الله تعالى قد خصك بدعوة نبيه صلى الله عليه وسلم، فإني سمعته أمس وهو يقول: «اللهم أيد الإسلام بأبي الحكم بن هشام أو بعمر بن الخطاب، فالله الله يا عمر، فقال له عند ذلك:
دلني يا خباب على محمد حتى آتيه فأسلم: أي عنده وعند أصحابه، فلا ينافي ما في الرواية الأولى أنه أسلم، فقال له خباب هو في بيت عند الصفا معه نفر من أصحابه؛ فعمد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم» الحديث.
-
أقول: ويمكن الجمع بين هاتين الروايتين حيث كانت القصة واحدة ولم تتعدد؛ بأنه يجوز أن يكون زوج أخته استخفى أولا مع خباب ورفيقه ثم ظهر فأوقع به وبأخته ما ذكر، وأنه في الرواية الأولى اقتصر على ذكر أخته والصحيفة تعددت، واحدة فيها سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الحديد: الآية ١] والثانية فيها طه، اقتصر في الرواية الأولى على إحداهما وهي التي فيها سَبَّحَ لِلَّهِ [الحديد: الآية ١] وفي الرواية الثانية على الأخرى التي فيها (طه) وإنه في الرواية الأولى أسلم، وفي الرواية الثانية سكت عن ذلك، والله أعلم.
-
وعن ابن عباس أيضا رضي الله تعالى عنهما: لما أسلم عمر رضي الله تعالى عنه قال المشركون: لقد انتصف القوم منا.
-
وعن ابن عباس أيضا رضي الله تعالى عنهما: لما أسلم عمر رضي الله تعالى عنه نزل جبريل عليه الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد استبشر أهل
ج ١ ص ٤٧٢السماء بإسلام عمر» .
قال: وروى البخاري عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه «ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر» اهـ وزاد بعضهم عن ابن مسعود: والله لقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي بالكعبة أي عندها ظاهرين آمنين حتى أسلم عمر، فقاتلهم حتى تركونا، فصلينا: أي وجهروا بالقراءة وكانوا قبل ذلك لا يقرؤون إلا سرا كما تقدم. وعن صهيب: لما أسلم عمر جلسنا حول البيت حلقا.
-
وفي كلام ابن الأثير: مكث صلى الله عليه وسلم مستخفيا في دار الأرقم ومن معه من المسلمين إلى أن كملوا أربعين بعمر بن الخطاب، وعند ذلك خرجوا، وتقدم ما في ذلك.
-
ومما يؤثر عن عمر رضي الله تعالى عنه: من اتقى الله وقاه، ومن توكل عليه كفاه. السيد هو الجواد حين يسأل، الحليم حين يستجهل. أشقى الولاة من شقيت به رعيته. أعدل الناس أعذرهم للناس.
-
وفي مختصر تاريخ الخلفاء لابن حجر الهيتمي أن عمر أول من قال: أطال الله تعالى بقاءك، وأيدك الله، قال ذلك لعلي رضي الله تعالى عنه. وهو أول من استقضى القضاء في الأمصار.
-
ويروى أن الأرقم هذا لما كان بالمدينة بعد الهجرة تجهز ليذهب فيصلي في بيت المقدس فلما فرغ من جهازه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يودعه فقال له: ما يخرجك؟ أي من المدينة حاجة أم تجارة؛ قال: لا يا رسول الله بأبي أنت وأمي، ولكن أريد الصلاة في بيت المقدس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام» فجلس الأرقم ولم يذهب لبيت المقدس.
-
ولما حضرته الوفاة أوصى أن يصلي عليه سعد بن أبي وقاص، فلما مات كان سعد بالعقيق، فقال مروان: يحبس صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل غائب وأراد الصلاة عليه فأبى ولده ذلك على مروان، ووقع بينهم كلام؛ ثم جاء سعد وصلى على الأرقم.
-
أي وقيل لعمر رضي الله عنه: ما سبب تسمية النبي صلى الله عليه وسلم لك بالفاروق؟ قال:
لما أسلمت والنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه مختفون قلت يا رسول الله ألسنا على الحق إن متنا وإن حيينا؟ قال بلى، والذي نفسي بيده إنكم على الحق إن متم وإن حييتم، فقلت:
ففيم الاختفاء، والذي بعثك بالحق ما بقي مجلس كنت أجلس فيه بالكفر إلا أظهرت فيه الإسلام غير هائب ولا خائف، والذي بعثك بالحق لنخرجن، فخرجنا في صفين حمزة في أحدهما وأنا في الآخر، له: أي لذلك الجمع كديد ككديد الطحين أي
ج ١ ص ٤٧٣لذلك الجمع غبار ثائر من الأرض لشدة وطء الأقدام، لأن الكديد التراب الناعم إذا وطئ ثار غباره قال: حتى دخلنا المسجد، فنظرت قريش إليّ وإلى حمزة فأصابتهم كآبة لم يصبهم مثلها: أي فطاف صلى الله عليه وسلم بالبيت وصلى الظهر معلنا ثم رجع ومن معه إلى دار الأرقم، فسماني رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ الفاروق، فرق الله بي بين الحق والباطل.
-
أي وفي رواية «أنه صلى الله عليه وسلم خرج في صفين: حمزة في أحدهما. وعمر في الآخر، لهم كديد ككديد الطحين» .
-
وفي رواية: أن عمر رضي الله تعالى عنه قال له يا رسول الله لا ينبغي أن تكتم هذا الدين، أظهر دينك، وفي رواية «والله لا يعبد الله سرا بعد اليوم، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه المسلمون وعمر أمامهم، معه سيفه ينادي: لا إله إلا الله محمد رسول الله حتى دخل المسجد، ثم صاح مسمعا لقريش: كل من تحرك منكم لأمكنن سيفي منه، ثم تقدم أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يطوف والمسلمون، ثم صلوا حول الكعبة، وقرؤوا القرآن جهرا، وكانوا كما تقدم لا يقدرون على الصلاة عند الكعبة ولا يجهرون بالقرآن» .
-
وفي المنتقى على ما نقله بعضهم «فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر أمامه، وحمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنهما، حتى طاف بالبيت وصلى الظهر معلنا، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى دار الأرقم» .
-
وفيه أن صلاة الظهر لم تكن فرضت حينئذ، إلا أن يقال المراد بصلاة الظهر الصلاة التي وقعت في ذلك الوقت: أي ولعل المراد بها صلاة الركعتين اللتين كان يصليهما بالغداة صلاهما في وقت الظهر.
-
وعن عمر رضي الله عنه «وافقت ربي في ثلاث: قلت: يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى [البقرة: الآية ١٢٥] وقلت: يا رسول الله: إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب، واجتمع على رسول الله صلى الله عليه وسلم نساؤه في الغيرة، فقلت لهن: عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ [التحريم: الآية ٥] ، فنزلت، أي وقد قال له بعض نسائه صلى الله عليه وسلم: يا عمر أما في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يعظ نساءه حتى تعظهن أنت؟» ومنع رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي على عبد الله بن أبي ابن سلول.
-
وفي البخاري «لما توفي عبد الله بن أبي جاء ولده عبد الله رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه» وهذا لا يخالف ما في تفسير القاضي البيضاوي، من أن ابن أبيّ دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه، فلما دخل عليه، فسأله أن يستغفر له ويكفنه في شعاره الذي يلي جسده الشريف ويصلي عليه،
ج ١ ص ٤٧٤فلما مات أرسل له صلى الله عليه وسلم قميصه ليكفن فيه، لأنه يجوز أن يكون إرساله للقميص بسؤال ولده له صلى الله عليه وسلم بعد موت أبيه.
قال في الكشاف: فإن قلت: كيف جازت له صلى الله عليه وسلم تكرمة المنافق وتكفينه في قميصه.
قلت: كان ذلك مكافأة له على صنيع سبق له؛ وذلك أن العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أخذ أسيرا ببدر لم يجدوا له قميصا، وكان رجلا طوالا، فكساه عبد الله قميصه: أي ولأن الضنة بإرساله القميص سيما وقد سئل فيه مخلّ بالكرم، وقال له المشركون يوم الحديبية: إنا لا نأذن لمحمد ولكن نأذن لك، فقال: لا، إن لي في رسول الله أسوة حسنة، فشكر رسول الله صلى الله عليه وسلم له ذلك وإكراما لابنه.
-
وفي هذا تصريح بأن ابن أبي كان مع المسلمين في بدر وفي الحديبية. ثم إن ابنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي عليه، فقال له: أسألك أن تقوم على قبره لا تشمت به الأعداء: أي وذلك بعد سؤال ولده له صلى الله عليه وسلم في ذلك كما تقدم عن القاضي البيضاوي، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه، فقام عمر رضي الله تعالى عنه، فأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله أتصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما خيرت، فقال اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [التّوبة: الآية ٨٠] وسأزيده على السبعين، وفي رواية:
أتصلي على ابن أبيّ وقد قال يوم كذا كذا وكذا؟ أعدّ عليه قوله، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أخر عني يا عمر، فلما أكثرت عليه قال: إني خيرت، لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ [التّوبة: الآية ٨٤] إلى قوله وَهُمْ فاسِقُونَ [التّوبة: الآية ٨٤] ولينظر ما معنى التخيير في الآية، وما الجمع بين قوله «سأزيد على السبعين» وقوله «ولو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها» ؟.
-
ثم رأيت القاضي البيضاوي قال في وجه التخيير: وقوله سأزيد على السبعين إنه صلى الله عليه وسلم فهم من السبعين العدد المخصوص لأنه الأصل، فجوّز أن يكون ذلك حدا يخالفه حكم ما وراءه، فبين له: أي الحق سبحانه أن المراد به التكثير بقوله في الآية الأخرى سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [المنافقون:
الآية ٦] هذا كلامه وحينئذ يشكل قوله «لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها» فإن هذا مقتض لعدم الصلاة عليه، لا للصلاة عليه فليتأمل، وقد قال علي رضي الله تعالى عنه: إن في القرآن لقرآنا من رأي عمر، وما قال الناس في شيء وقال فيه عمر إلا جاء القرآن بنحو ما يقول عمر.
-
وقد أوصل بعضهم موافقاته: أي الذي نزل القرآن على وفق ما قال وما أراد
ج ١ ص ٤٧٥إلى أكثر من عشرين: أي وقد أفردها بعضهم بالتأليف، وقد سئل عنها الجلال السيوطي فأجاب عنها نظما.
قال عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: ما نزل بالناس أمر، فقال الناس وقال عمر إلا نزل القرآن على نحو ما قال عمر.
-
وعن مجاهد: كان عمر يرى الرأي فينزل به القرآن. وقد قال صلى الله عليه وسلم «إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه» ومن موافقاته ما سيأتي في أسارى بدر.
-
ومنها أنه لما سمع قوله تعالى وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) [المؤمنون: الآية ١٢] الآية، قال فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [المؤمنون: الآية ١٤] فنزلت كذلك.
-
ومنها أن بعض اليهود قال له إن جبريل الذي يذكره صاحبكم عدوّ لنا، فقال مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ (٩٨) [البقرة: الآية ٩٨] فنزلت كذلك «واستأذن رضي الله تعالى عنه النبي صلى الله عليه وسلم في العمرة فأذن له وقال: يا أخي لا تنسانا من دعائك» أي وفي رواية «يا أخي أشركنا في صالح دعائك ولا تنسانا، قال عمر ما أحب أن لي بقوله: يا أخي ما طلعت عليه الشمس» وجاء «أول من يصافحه الحق عمر بن الخطاب، وأول من يسلم عليه» وجاء «إن الله وضع الحق على لسان عمر يقول به» وجاء «لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب» وممن نزل القرآن على وفق ما قال مصعب بن عمير أيضا رضي الله تعالى عنه، كان اللواء بيده يوم أحد وسمع الصوت أن محمدا قد قتل، فصار يقول وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ [آل عمران: الآية ١٤٤] فنزلت.