باب ذكر مولده صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم
١٨٣ فقرة، ج ١ ص ٧٨
الصفحة ٣ من ٥
- ج ١ ص ٩٦
وأخت موسى عليه الصلاة والسلام لم يذكر أنها تزوجت، وهذا يفيد أن بنات عبد مناف أو بنات عبد المطلب على ما تقدم كنّ متميزات عن غيرهن من النساء في إفراط الطول.
- ج ١ ص ٩٧
وقد رأيت أن علي بن عبد الله بن عباس وهو جد الخليفتين السفاح والمنصور أول خلفاء بني العباس أبو أبيهما محمد كان مفرطا في الطول، كان إذا طاف كأن الناس حوله وهو راكب، وكان مع هذا الطول إلى منكب أبيه عبد الله بن عباس، وكان عبد الله بن عباس إلى منكب أبيه العباس، وكان العباس إلى منكب أبيه عبد المطلب.
-
لكن ابن الجوزي اقتصر في ذكر الطوال على عمر بن الخطاب، والزبير بن العوام، وقيس بن سعد، وحبيب بن سلمة، وعلي بن عبد الله بن العباس. وسكت عن عبد الله بن عباس، وعن أبيه العباس، وعن أبيه عبد المطلب.
-
وفي المواهب أن العباس كان معتدلا، وقيل كان طوالا. ورأيت أن عليا هذا جد الخلفاء العباسيين كان على غاية من العبادة والزهادة والعلم والعمل وحسن الشكل، حتى قيل: إنه كان أجمل شريف على وجه الأرض، وكان يصلي في كل ليلة ألف ركعة ولذلك كان يدعى السجاد، وأن سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه هو الذي سماه عليا وكناه أبا الحسن.
-
فقد روي أن عليا رضي الله تعالى عنه افتقد عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما في وقت صلاة الظهر، فقال لأصحابه ما بال أبي العباس يعني عبد الله لم يحضر؟ فقالوا ولد له مولود، فلما صلى عليّ كرم الله وجهه قال امضوا بنا إليه، فأتاه فهنأه، فقال: شكرت الواهب، وبورك لك في الموهوب. زاد بعضهم. ورزقت بره، وبلغ أشده، ما سميته؟ قال: أو يجوز لي أن أسميه حتى تسميه؟ فأمر به فأخرج إليه فأخذه فحنكه، ودعا له ثم رده إليه وقال: خذ إليك أبا الأملاك، قد سميته عليا، وكنيته أبا الحسن، فلما ولى معاوية الخلافة قال لابن عباس: ليس لكم اسمه ولا كنيته يعني علي بن أبي طالب كرم الله وجهه كراهة في ذلك، وقد كنيته أبا محمد فجرت عليه.
-
وقد يخالف ذلك ما ذكر بعضهم أن عليا المذكور لما قدم على عبد الملك بن مروان قال له غير اسمك أو كنيتك، فلا صبر لي على اسمك وهو عليّ وكنيتك وهي أبو الحسن، قال: أما الاسم فلا أغيره. وأما الكنية فأكتني بأبي محمد، وإنما قال عبد الملك ذلك كراهة في اسم علي بن أبي طالب وكنيته.
-
وعليّ هذا دخل هو وولدا ولده محمد وهما السفاح والمنصور وهما صغيران يوما على هشام بن عبد الملك بن مروان وهو خليفة، فأكرمه هشام، فصار يوصيه عليهما ويقول له: سيليان هذا الأمر يعني الخلافة، فصار هشام يتعجب من سلامة باطنه وينسبه في ذلك إلى الحمق. ويقال إن الوليد بن عبد الملك: أي لما ولي الخلافة وبلغه عنه أنه يقول ذلك ضربه بالسياط على قوله المذكور، وأركبه بعيرا،
ج ١ ص ٩٨وجعل وجهه مما يلي ذنب البعير، وصائح يصيح عليه: هذا علي بن عبد الله بن عباس الكذاب، قال بعضهم: فأتيته وقلت له ما هذا الذي يسنده إليك من الكذب؟
قال: بلغهم عني أني أقول إن هذا الأمر يعني الخلافة ستكون في ولدي، والله لتكوننّ فيهم، فكان الأمر على ما ذكر فقد ولي السفاح الخلافة ثم المنصور.
-
وفي دلائل النبوة للبيهقي أن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قدم على معاوية رضي الله تعالى عنه، فأجازه وأحسن جائزته، ثم قال: يا أبا العباس هل تكون لكم دولة؟ قال اعفني يا أمير المؤمنين، قال لتخبرني، قال نعم، قال فمن أنصاركم؟ قال: أهل خراسان: أي وهو أبو مسلم الخراساني، يجيء بجيشه معه رايات سود يسلب دولة بني أمية، ويجعل الدولة لبني العباس. ويقال إن أبا مسلم هذا قتل ستمائة ألف رجل صبرا غير الذي قتله في الحروب، وهذه الرايات السود غير التي عناها صلى الله عليه وسلم بقوله: «إذا رأيتم الرايات السود قد جاءت من قبل خراسان فأتوها، فإن فيها خليفة الله المهدي» فإن تلك الرايات تأتي قبيل قيام الساعة. ثم صارت الخلافة في أولاد المنصور. وقول عليّ في ولدي واضح، لأن ولد الولد ولد.
-
وقد حكي في مرآة الزمان عن المأمون، أنه قال: حدثني أبي يعني هارون الرشيد، عن أبيه المهدي، عن أبيه المنصور، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه عليّ، عن أبيه عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
«سيد القوم خادمهم» وذكر أنه مما يؤثر عن المأمون أنه كان يقول: استخدام الرجل ضيفه لؤم.
-
وكان يقول: لو عرف الناس حبي للعفو لتقربوا إليّ بالجرائم، وإني أخاف إني لا أوجر على العفو، أي لأنه صار لي طبيعة وسجية.
قالت أمه صلى الله عليه وسلم: ورأيت ثلاثة أعلام مضروبات: علما بالمشرق، وعلما بالمغرب، وعلما على ظهر الكعبة، والله أعلم.
-
ولما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم وضعت عليه جفنة بفتح الجيم، فانفلقت عنه فلقتين قال: وهذا مما يؤيد أنه صلى الله عليه وسلم ولد ليلا. فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال:
كان في عهد الجاهلية إذا ولد لهم مولود من تحت الليل وضعوه تحت الإناء لا ينظرون إليه حتى يصبحوا، فلما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم وضعوه تحت برمة. زاد في لفظ ضخمة. والبرمة: القدر، فلما أصبحوا أتوا البرمة، فإذا هي قد انفلقت ثنتين وعيناه إلى السماء، فتعجبوا من ذلك.
-
وعن أمه أنها قالت: فوضعت عليه الإناء فوجدته قد تفلق الإناء عنه وهو يمص إبهامه يشخب أي يسيل لبنا اهـ.
- ج ١ ص ٩٩
أي وفي العرائس أن فرعون لما أمر بذبح أبناء بني إسرائيل جعلت المرأة: أي بعض النساء كما لا يخفى إذا ولدت الغلام انطلقت به سرا إلى واد أو غار فأخفته فيه، فيقيض الله سبحانه وتعالى له ملكا من الملائكة يطعمه ويسقيه حتى يختلط بالناس، وكان الذي أتى السامري لما جعلته أمه في غار من الملائكة جبريل عليه الصلاة والسلام، فكان أي السامري يمص من إحدى إبهاميه سمنا ومن الأخرى عسلا، ومن ثم إذا جاع المرضع يمص إبهامه فيروى من المص، قد جعل الله له فيه رزقا. والسامري هذا كان منافقا يظهر الإسلام لموسى عليه الصلاة والسلام ويخفي الكفر.
-
وفي رواية أن عبد المطلب هو الذي دفعه للنسوة ليضعوه تحت الإناء.
-
أقول: هذا هو الموافق لما سيأتي عن ابن إسحق من أن أمه صلى الله عليه وسلم لما ولدته أرسلت إلى جده: أي وكان يطوف بالبيت تلك الليلة فجاء إليها: أي فقالت له يا أبا الحارث ولد لك مولود له أمر عجيب، فذعر عبد المطلب وقال: أليس بشرا سويا؟
-
فقالت نعم، ولكن سقط ساجدا، ثم رفع رأسه وأصبعيه إلى السماء، فأخرجته له ونظر إليه. وأخذه ودخل به الكعبة ثم خرج فدفعه إليها، وبه يظهر التوقف في قول ابن دريد: أكفئت عليه جفنة لئلا يراه أحد قبل جده، فجاء جده والجفنة قد انفلقت عنه، إلا أن يقال يجوز أن يكون جده أخذه بعد انفلاق الجفنة ثم دخل به الكعبة، ثم بعد خروجه به من الكعبة دفعه لها وللنسوة ليضعوه تحت جفنة أخرى إلى أن يصبح، فانفلقت تلك الجفنة الأخرى حتى لا ينافي ذلك ما تقدم عن أمه: فوجدت الإناء قد تفلق وهو يمص إبهامه.
-
وعن إياس الذي يضرب به المثل في الذكاء قال: أذكر الليلة التي وضعت فيها وضعت أمي على رأسي جفنة وقال لأمه ما شيء سمعته لما ولدت؟ قالت: يا بني طست سقط من فوق الدار إلى أسفل ففزعت فولدتك تلك الساعة.
وقال بعضهم: يولد في كل مائة سنة رجل تام العقل، وإن إياسا منهم ولعل هذا هو المراد بما جاء في الحديث «يبعث الله على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر ديتها» والمراد برأسها آخرها بأن يدرك أوائل المائة التي تليها بأن تنقضي تلك المائة وهو حي، إلا أني لم أقف على أن إياسا هذا كان من المجددين والله أعلم.
-
وفي تفسير ابن مخلد الذي قال في حقه ابن حزم. ما صنف مثله أصلا: أن إبليس رن أي صوّت بحزن وكآبة أربع رنات: رنة حين لعن، ورنة حين أهبط، ورنة حين ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي وهو المراد بقول بعضهم يوم بعثه، ورنة حين أنزلت عليه صلى الله عليه وسلم فاتحة الكتاب، وإلى رنته حين ولادته صلى الله عليه وسلم أشار صاحب الأصل بقوله.
ج ١ ص ١٠٠لمولده قد رنّ إبليس رنة ... فسحقا له ماذا يفيد رنينه
وعن عطاء الخراساني لما نزل قوله تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً (١١٠)
-
[النساء: الآية ١١٠] صرخ إبليس صرخة عظيمة اجتمع إليه فيها جنوده من أقطار الأرض قائلين: ما هذه الصرخة التي أفزعتنا؟ قال:
أمر نزل بي لم ينزل قط أعظم منه، قالوا: وما هو؟ فتلا عليهم الآية وقال لهم: فهل عندكم من حيلة؟ قالوا ما عندنا من حيلة، فقال: اطلبوا فإني سأطلب، قال: فلبثوا ما شاء الله، ثم صرخ أخرى فاجتمعوا إليه وقالوا: ما هذه الصرخة التي لم نسمع منك مثلها إلا التي قبلها؟ قال: هل وجدتم شيئا؟ قالوا: لا، قال: لكني قد وجدت؛ قالوا: وما الذي وجدت؟ قال أزين لهم البدع التي يتخذونها دينا ثم لا يستغفرون:
أي لأن صاحب البدعة يراها بجهلة حقا وصوابا ولا يراها ذنبا حتى يستغفر الله منها.
-
وقد جاء في الحديث «أبى الله أن يقبل عمل صاحب بدعة حتى يدع بدعته» أي لا يثيبه على عمله ما دام متلبسا بتلك البدعة.
-
وعن الحسن قال: بلغني أن إبليس قال: سوّلت لأمة محمد صلى الله عليه وسلم المعاصي فقطعوا ظهري بالاستغفار، فسولت لهم ذنوبا لا يستغفرون الله منها وهي الأهواء أي البدع.
-
وقد جاء في الحديث «أخاف على أمتي بعدي ثلاثا: ضلالة الأهواء» الحديث، وأهل الأهواء هم أهل البدع.
-
وعن عكرمة أن إبليس لما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأى تساقط النجوم قال أي لجنوده؟ لقد ولد الليلة ولد يفسد علينا أمرنا، وهذا يدل على أن تساقط النجوم كان عند إبليس علامة على وجود نبينا صلى الله عليه وسلم، فقال له جنوده: لو ذهبت إليه فخبلته، فلما دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث الله جبريل عليه الصلاة والسلام فركضه برجله ركضة وقع بعدن. وكون تساقط النجوم كان عند إبليس علامة على وجود نبينا صلى الله عليه وسلم، مشكل مع قول بعضهم، لما رجمت الشياطين ومنعت من مقاعدها في السماء لاستراق السمع شكوا ذلك لإبليس، فقال لهم: هذا أمر حدث في الأرض، وأمرهم أن يأتوه بتربة من كل أرض، فصار يشمها إلى أن أتى بتربة من أرض تهامة، فلما شمها قال: من ههنا الحدث، هكذا ساقه بعضهم عند ولادته صلى الله عليه وسلم. إلا أن يقال: لا إشكال لأن تساقط النجوم وإن كان علامة على وجود نبينا صلى الله عليه وسلم لكن في أي أرض! على أن بعضهم أنكر كون ما ذكر كان عند الولادة. وقد تقدم أن المذكور في كلام غيره إنما هو عند مبعثه صلى الله عليه وسلم كما سيأتي، ولعله من خلط بعض الرواة.
-
وعبارة بعضهم: روي أن الشياطين كانت تصعد إلى السماء ثم تجاوز سماء
ج ١ ص ١٠١الدنيا إلى غيرها، فلما ولد عيسى عليه الصلاة والسلام، منعوا من مجاوزة سماء الدنيا وصاروا يسترقون السمع في سماء الدنيا حتى ولد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فمنعوا من التردد إلى السماء إلا قليلا: أي فصاروا يسترقون السمع في سماء الدنيا في بعض الأحايين، وفي أكثر الأحايين يسترقون دونها حتى بعث النبي صلى الله عليه وسلم فمنعوا أصلا فصاروا لا يسترقون السمع إلا دون سماء الدنيا، ثم رأيتني نقلت في «الكوكب المنير في مولد البشير النذير» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الشياطين كانوا لا يحجبون عن السموات، وكانوا يدخلونها ويأتون بأخبارها مما سيقع في الأرض فيلقونها على الكهنة، فلما ولد عيسى عليه الصلاة والسلام حجبوا عن ثلاث سموات. وعن وهب عن أربع سموات، ولما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم حجبوا عن الكل، وحرست بالشهب فما يريد أحد منهم استراق السمع إلا رمي بشهاب، وسيأتي عند المبعث إيضاح هذا المحل.
-
وقد أخبرت الأحبار والرهبان بليلة ولادته صلى الله عليه وسلم. فعن حسان بن ثابت رضي الله عنه قال: إني لغلام يفعة، أي غلام مرتفع ابن سبع سنين أو ثمان، أعقل ما رأيت وسمعت، إذ بيهودي بيثرب يصيح ذات يوم غداة على أطمة: أي محل مرتفع: يا معشر يهود فاجتمعوا إليه وأنا أسمع وقالوا ويلك، ما لك؟ قال: طلع نجم أحمد الذي ولد به في هذه الليلة: أي الذي طلوعه علامة على ولادته صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة في بعض الكتب القديمة، وحسان هذا سيأتي أنه ممن عاش في الجاهلية ستين سنة وفي الإسلام مثلها، وكذا عاش هذا القدر وهو مائة وعشرون سنة أبوه وجده ووالد جده. قال بعضهم: ولا يعرف أربعة تناسلوا وتساوت أعمارهم سواهم. وكان حسان رضي الله عنه يضرب بلسانه أرنبة أنفه وكذا ابنه وأبوه وجده.
-
وعن كعب الأحبار رضي الله عنه: رأيت في التوراة أن الله تعالى أخبر موسى عن وقت خروج محمد صلى الله عليه وسلم أي من بطن أمه، وموسى عليه الصلاة والسلام أخبر قومه أن الكوكب المعروف عندكم اسمه كذا إذا تحرك وسار عن موضعه فهو وقت خروج محمد صلى الله عليه وسلم: أي وصار ذلك مما يتوارثه العلماء من بني إسرائيل.
-
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان يهودي يسكن مكة، فلما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مجلس من مجالس قريش: هل ولد فيكم الليلة مولود؟، فقال القوم: والله ما نعلمه، قال: احفظوا ما أقول لكم، ولد هذه الليلة نبي هذه الأمة الأخيرة: أي وهو منكم معاشر قريش، على كتفه أي عند كتفه علامة: أي شامة فيها شعرات متواترات، أي متتابعات كأنهن عرف فرس: أي وتلك العلامة هي خاتم النبوة أي علامتها، والدليل عليها لا يرضع لليلتين، وذلك في الكتب القديمة من دلائل نبوته، أي وعدم رضاعه لعله لتوعك يصيبه. وفي كلام الحافظ ابن حجر
ج ١ ص ١٠٢وأقره تعليلا لعدم رضاعه: لأن عفريتا من الجن وضع يده على فيه.
-
وعند قول اليهودي ما ذكر تفرق القوم من مجالسهم وهم متعجبون من قوله، فلما صاروا إلى منازلهم أخبر كل إنسان منهم آله وفي لفظ أهله، فقالوا: لقد ولد الليلة، لعبد الله بن عبد المطلب غلام سموه محمدا، فالتقى القوم حتى جاؤوا لليهودي وأخبروه الخبر: أي قالوا له أعلمت، ولد فينا مولود؟ قال: اذهبوا معي حتى أنظر إليه، فخرجوا حتى أدخلوه على أمه، فقال أخرجي إلينا ابنك، فأخرجته وكشفوا على ظهره فرأى تلك الشامة فخر مغشيا عليه، فلما أفاق قالوا ويلك ما لك؟
قال: والله ذهبت النبوة من بني إسرائيل أفرحتم به يا معشر قريش؟ أما والله ليسطون عليكم سطوة يخرج خبرها من المشرق إلى المغرب.
-
أي وعن الواقدي رحمه الله أنه كان بمكة يهودي يقال له يوسف، لما كان اليوم أي الوقت الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يعلم به أحد من قريش قال: يا معشر قريش قد ولد نبي هذه الأمة الليلة في بحرتكم، أي ناحيتكم هذه، وجعل يطوف في أنديتهم فلا يجد خبرا، حتى انتهى إلى مجلس عبد المطلب فسأل، فقيل له: قد ولد لابن عبد المطلب: أي لعبد الله غلام، فقال، هو نبيّ والتوراة.
-
وكان بمرّ الظهران راهب من أهل الشام يدعى عيصا، وقد كان آتاه الله علما كثيرا وكان يلزم صومعة له، ويدخل مكة فيلقى الناس ويقول: يوشك أي يقرب أن يولد فيكم مولود يا أهل مكة تدين له العرب، أي تذل وتخضع، ويملك العجم: أي أرضها وبلادها هذا زمانه، فمن أدركه أي أدرك بعثته واتبعه أصاب حاجته: أي ما يؤمله من الخير، ومن أدركه وخالفه أخطأ حاجته، فكان لا يولد بمكة مولود إلا ويسأل عنه ويقول ما جاء بعد أي الآن، فلما كان صبيحة اليوم أي الوقت الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عبد المطلب حتى أتى عيصا فوقف على أصل صومعته فناداه، فقال: من هذا؟ فقال: أنا عبد المطلب: أي وقيل الجائي له عبد الله والد النبي صلى الله عليه وسلم بناء على أنه لم يمت وأمه حامل به: أي ولعل قائله أخذ ذلك من قول الراهب لما قيل له ما ترى عليه، أي على ذلك المولود، فقال: كن أباه فقد ولد ذلك المولود الذي كنت أحدثكم عنه وأن نجمه أي الذي طلوعه علامة على وجوده طلع البارحة، وعلامة ذلك أي أيضا أنه الآن وجع فيشتكي ثلاثا ثم يعافى.
-
أقول: أي ولا يرضع في تلك الثلاث ليلتين، فلا يخالف ما سبق من قول الآخر لا يرضع ليلتين، ولا دلالة في قوله كن أباه على أن الجائي للراهب عبد الله، لأن عبد المطلب كان يقال له أبو النبي صلى الله عليه وسلم، ويقال للنبي صلى الله عليه وسلم ابن عبد المطلب، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا ابن عبد المطلب» كما تقدم والله أعلم ثم قال له فاحفظ لسانك: أي لا تذكر ما قلته لك لأحد من قومك، فإنه لم يحسد حسده أحد، ولم يبغ على أحد
ج ١ ص ١٠٣كما يبغي عليه. قال فما عمره؟ قال: إن طال عمره لم يبلغ السبعين يموت في وتر دونها في إحدى وستين أو ثلاث وستين، زاد في رواية وذلك جلّ أعمار أمته.
-
وعند ولادته صلى الله عليه وسلم تنكست الأصنام أي أصنام الدنيا، وتقدم أيضا أنها تنكست عند الحمل به، وتقدم أنه لا مانع من تعدد ذلك.
-
وجاء أن عيسى عليه السلام لما وضعته أمه خر كل شيء يعبد من دون الله في مشارق الأرض ومغاربها ساجدا لوجهه وفزع إبليس.
-
فعن وهب بن منبه: لما كانت الليلة التي ولد فيها عيسى صلى الله على نبينا وعليه وسلم أصبحت الأصنام في جميع الأرض منكسة على رؤوسهم، وكلما ردوها على قوائمها، انقلبت، فحارت الشياطين لذلك ولم تعلم السبب فشكت إلى إبليس، فطاف إبليس في الأرض ثم عاد إليهم، فقال: رأيت مولودا والملائكة قد حفت به فلم أستطع أن أدنو إليه، وما كان نبي قبله أشد علي وعليكم منه، وإني لأرجو أن أضل به أكثر ممن يهتدي به.
-
أقول: قد علمت أن تنكيس الأصنام تكرر لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم عند الحمل وعند الولادة، فالخاص به ما كان عند الحمل لا ما كان عند الولادة، لمشاركة عيسى عليه السلام له في ذلك، وبهذا يعلم ما في قول الجلال السيوطي في خصائصه الصغرى إن من خصائصه صلى الله عليه وسلم تنكيس الأصنام لمولده.
-
وعن عبد المطلب قال: كنت في الكعبة فرأيت الأصنام سقطت من أماكنها وخرت سجدا، وسمعت صوتا من جدار الكعبة يقول: ولد المصطفى المختار الذي تهلك بيده الكفار، ويطهر من عبادة الأصنام، ويأمر بعبادة الملك العلام.
-
ولا يقال: قال إبليس في حق عيسى عليه السلام لا أستطيع أن أدنو إليه، وتقدم في حق نبينا صلى الله عليه وسلم أن إبليس دنا منه فركضه جبريل عليه السلام. لأنا نقول يجوز أن يكون الدنو في حق نبينا صلى الله عليه وسلم دنوا إلى محله الذي هو فيه لا إلى جسده، والدنو المنفي في حق عيسى عليه السلام دنو إلى جسده.
-
فإن قيل: جاء في الحديث «ما من مولود يولد إلا يمسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخا إلا مريم وابنها» رواه الشيخان: أي لقول أم مريم وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٣٦) [آل عمران: الآية ٣٦] وفي رواية «كل ابن آدم يطعن الشيطان في جنبه بأصبعه حين يولد غير عيسى ابن مريم، ذهب يطعن فطعن في الحجاب» أي وهي المشيمة التي يكون فيها الولد، ولعل المراد بجنبه جنبه الأيسر.
-
وعن قتادة: «كل مولود يمسه الشيطان بأصبعه في جنبه فيستهل صارخا إلا عيسى ابن مريم وأمه مريم ضرب الله عليهما حجابا، فأصابت الطعنة الحجاب فلم
ج ١ ص ١٠٤ينفذ إليهما منه شيء» ولعل هذا الحجاب هو المشيمة. ويحتمل أن يكون غيرها.
قلت: وجاء عن مجاهد: «أن مثل عيسى في عدم طعن الشيطان في جسده حين يولد سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام» وذلك لا يقال من قبل الرأي. وعلى تقدير صحة ذلك يكون تخصيص عيسى وأمه بالذكر كان قبل أن يعلم صلى الله عليه وسلم بأن سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كعيسى وأمه.
-
وهذا الكلام يرد بيان القاضي عياض للضرر المنفي في قوله صلى الله عليه وسلم: «من قال إذا أراد أن يأتي أهله بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإنه إن قدر بينهما في ذلك الوقت ولد من ذلك الجماع لم يضره الشيطان أبدا» بأن المراد أنه لا يطعن فيه عند ولادته، بخلاف غيره، وهذا: أي عدم قربه من نبينا صلى الله عليه وسلم يجوز أن يكون في حق خصوص إبليس، فلا ينافي ما تقدم عن الحافظ ابن حجر أن عدم ارتضاعه صلى الله عليه وسلم في ليلتين بوضع عفريت من الجن يده في فيه على تسليم صحته.