غزوة أحد
٣٠١ فقرة، ج ٢ ص ٢٩٤
الصفحة ٣ من ٨
- ج ٢ ص ٣١١
وفي رواية: رمى عن قوسه حتى اندقت سيتها، والسية: ما انعطف من طرفي القوس اللذين هما محل الوتر. قال: وما زال صلى الله عليه وسلم يرمي عن قوسه حتى تقطع وتره وبقيت في يده منه قطعة تكون شبرا في سية القوس، فأخذ القوس عكاشة بن محصن ليوتره له. فقال: يا رسول الله لا يبلغ الوتر، فقال: مده يبلغ. قال عكاشة: فو الذي بعثه بالحق لمددته حتى بلغ وطويت منه لفتين أو ثلاثا على سية القوس، ورمي صلى الله عليه وسلم بالحجارة وكان أقرب الناس إلى القوم اهـ.
-
أي وأنكر الإمام أبو العباس بن تيمية كونه صلى الله عليه وسلم رمى عن قوسه حتى صارت شظايا، أي لأنه يبعد وجود رميه صلى الله عليه وسلم من غير إصابة، ولو أصاب أحدا لذكر، لأنه مما تتوفر الدواعي على نقله. وقاتل جماعة من أصحابه منهم سعد بن أبي وقاص، فإنه كان من الرماة المذكورين رمى بقوسه. قال سعد: لقد رأيته: يعني النبي صلى الله عليه وسلم يناولني النبل ويقول «ارم فداك أبي وأمي» حتى إنه ليناولني السهم ما له نصل فيقول ارم به. وقد تقدم أنه رمى بسهم من تلك السهام التي لا نصل لها لمن رمى أم أيمن.
قال: وفي رواية عن سعد قال «أجلسني رسول الله صلى الله عليه وسلم أمامه، فجعلت أرمي وأقول: اللهم سهمك فارم به عدوّك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم استجب لسعد، اللهم سدد رميته، وأجب دعوته، حتى إذا فرغت من كنانتي نثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما في كنانته» اهـ أي فكان سعد مجاب الدعوة كما تقدم.
-
ولما سعى أهل الكوفة به إلى سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه، أرسل جماعة للكوفة يسألون عن حاله من أهل الكوفة، فصاروا كلما سألوا عنه أحدا قال خيرا
ج ٢ ص ٣١٢وأثنى عليه معروفا، حتى سألوا رجلا يقال له أبو سعدة ذمه وقال: لا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية. فلما بلغ سعدا ذلك قال: اللهم إن كان كاذبا فأطل عمره، وأدم فقره، وأعم بصره، وعرضه للفتن، فعمي، وافتقر، وكبر سنه، وصار يتعرض للإماء في سكك الكوفة؛ فإذا قيل له: كيف أنت يا أبا سعدة؟ يقول: شيخ كبير فقير مفتون أصابتني دعوة سعد.
-
قيل لسعد: لم تستجاب دعوتك من دون الصحابة؟ فقال: ما رفعت إلى فمي لقمة إلا وأنا أعلم من أين جاءت، ومن أين خرجت؟ أي لأنه جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما «تليت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً [البقرة: الآية ١٦٨] فقام سعد بن أبي وقاص وقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة. فقال: والذي نفس محمد بيده إن العبد ليعقد اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل منه أربعين يوما» .
-
وقد جاء في الحديث «من كان مأكله حراما، ومشربه حراما، وملبسه حراما فأنى يستجاب له» فليتأمل هذا الجواب.
-
وقد يقال: مراد سعد بقوله: ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة، أي ممن يأكل الحلال الطيب ويميز عند الأكل بين الحرام وبين غيره حتى أكون مستجاب الدعوة.
-
ولعل المراد بالأكل ما يشمل الشرب. ولعل السكوت عن اللبس لأنه نادر بالنسبة للأكل، وجوابه صلى الله عليه وسلم بقوله «والذي نفس محمد بيده» تقرير لما فهمه سعد رضي الله عنه أن من يأكل غير الحلال لا يكون مستجاب الدعوة تأمل.
-
والحق أن سبب استجابة دعوة سعد دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له بذلك، ولعله إنما لم يجب بذلك لمن سأله بقوله لم تستجاب دعوتك من بين الصحابة، لأنه يجوز أن يكون دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له بذلك تأخر عن هذا فليتأمل.
-
وفي الشرف «أن سعدا رضي الله عنه رمى يوم أحد ألف سهم ما منها سهم إلا ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له ارم فداك أبي وأمي، ففداه في ذلك اليوم ألف مرة» .
-
وعن علي كرم الله وجهه «ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فداك أبي وأمي إلا لسعد رضي الله عنه» وفي رواية «فما جمع صلى الله عليه وسلم أبويه لأحد إلا لسعد رضي الله تعالى عنه» .
قال في النور: الرواية الأولى أصح، لأنه أخبر فيها أنه لم يسمع، أي لأنه حينئذ لا يخالف ما جاء عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما «أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع لأبيه الزبير رضي الله عنه بين أبويه، أي قال له فداك أبي وأمي كسعد» أي وذلك في
ج ٢ ص ٣١٣يوم الخندق حيث أتاه بخبر بني قريظة، وكذا الرواية الثانية لا تخالف، لأنها محمولة على سماعه.
-
وعلى الأخذ بظاهرها، وعدم حملها على ذلك يجاب بما قال في النور: ظهر لي أن عليا كرم الله وجهه إنما أراد تفدية خاصة وهي ألف مرة أو في خصوص أحد.
-
وكان صلى الله عليه وسلم يفتخر بسعد فيقول: «هذا سعد خالي، فليراني امرؤ خاله» لأن سعدا رضي الله عنه كان من بني زهرة، وكانت أم النبي صلى الله عليه وسلم منهم كما تقدم: أي «وكان رضي الله عنه إذا غاب يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما لي لا أرى الصبيح المليح الفصيح؟» .
-
ولما كف بصره رضي الله عنه قيل له: لو دعوت الله سبحانه أن يرد عليك بصرك، فقال: قضاء الله أحب إليّ من بصري.
-
ولما حضرت الوفاة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه دعا بخلق جبة من صوف فقال: كفنوني فيها فإني كنت لقيت فيها المشركين يوم بدر، وإنما كنت أخبئها لهذا.
-
وممن كان مشهورا بالرماية سهيل بن حنيف رضي الله عنه، وكان ممن ثبت مع النبي صلى الله عليه وسلم في هذا اليوم الذي هو يوم أحد. قال بعضهم: وكان بايعه صلى الله عليه وسلم يومئذ على الموت، فثبت معه صلى الله عليه وسلم حتى انكشف الناس عنه، وجعل ينضح بالنبل يومئذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال صلى الله عليه وسلم: نبلوا سهيلا: أي أعطوه النبل.
-
وجاء «أن خاله صلى الله عليه وسلم وهو الأسود بن وهب بن عبد مناف بن زهرة استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا خالي ادخل، فدخل فبسط له صلى الله عليه وسلم رداءه وقال: اجلس عليه إن الخال والد، يا خال من أسدى إليه معروف فلم يشكر فليذكر، فإنه إذا ذكر فقد شكر» وقال له «ألا أنبئك بشيء عسى الله أن ينفعك به؟ قال بلى، قال: إن أربي الربا استطالة المرء في عرض أخيه بغير حق» .
-
وعن أم عمارة المازنية رضي الله عنها: أي وهي نسيبة بالتصغير على المشهور، زوج زيد بن عاصم رضي الله عنه قالت «خرجت يوم أحد لأنظر ما يصنع الناس ومعي سقاء فيه ما أسقي به الجرحى، فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في أصحابه والربح للمسلمين، فلما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقمت أباشر القتال، وأذب عنه بالسيف، وأرمي عن القوس حتى حصلت الجراحة إليّ رئي على عاتقها جرح أجوف له غور، فقيل لها من أصابك بهذا؟ قالت ابن قمئة، لما ولى الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل يقول: دلوني على محمد فلا نجوت إن نجا فاعترضت له أنا ومصعب بن عمير، فضربني هذه الضربة وضربته ضربات، ولكن عدو الله كان علي درعان» .
ج ٢ ص ٣١٤قال: وفي كلام بعضهم خرجت نسيبة يوم أحد وزوجها زيد بن عاصم وابناهما خبيب وعبد الله رضي الله عنهم وقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم «رحمكم الله أهل البيت» .
-
وفي رواية «بارك الله فيكم أهل بيت» قالت له أم عمارة رضي الله عنها: ادع الله أن نرافقك في الجنة، فقال: اللهم اجعلهم رفقائي في الجنة: أي وعند ذلك قالت رضي الله عنها: ما أبالي ما أصابني من أمر الدنيا» .
-
وقال صلى الله عليه وسلم في حقها «ما التفت يمينا ولا شمالا يوم أحد إلا ورأيتها تقاتل دوني» اهـ أي وقد جرحت رضي الله عنها اثني عشر جرحا بين طعنة برمح أو ضربة بسيف، وعبد الله ابنها رضي الله عنهما هو القاتل لمسيلمة الكذاب لعنه الله.
-
فعنها رضي الله عنها قالت: يوم اليمامة تقطعت يدي وأنا أريد قتل مسيلمة، وما كان لي ناهية: أي مانعة حتى رأيت الخبيث مقتولا، وإذا ابني عبد الله بن زيد يمسح سيفه بثيابه، فقلت: أقتلته؟ فقال نعم، فسجدت لله شكرا.
-
ولا ينافيه ما اشتهر أن قاتله وحشي. فعن وحشي رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي بعد أن قدم عليه في وفد ثقيف وأسلم كما سيأتي «يا وحشي اخرج فقاتل في سبيل الله كما كنت تقاتل لتصد عن سبيل الله، فلما كان خروج المسلمين لقتال مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة لما ولي الصديق رضي الله عنه الخلافة وارتدت العرب، خرجت معهم فأخذت حربتي، فلما رأيته تهيأت له وتهيأ له رجل من الأنصار من الناحية الأخرى، كلانا يريده، وهززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها فوقعت فيه، وشد عليه الأنصاري فضربه بالسيف فربك أعلم أينا قتله قال بعضهم: والأنصاري هو عبد الله بن زيد أي كما تقدم، وقيل غيره.
-
أي وفي كلام بعضهم: اشترك في قتل مسيلمة الكذاب لعنه الله أبو دجانة، وعبد الله بن زيد، ووحشي رضي الله عنهم. وفي تاريخ ابن كثير رحمه الله الاقتصار على وحشي وأبي دجانة.
-
وقد يقال: لا مخالفة، لأن كلا من الرواة روى بحسب ما رأى. وذكر ابن كثير أن ما يروى عن أبي دجانة رضي الله عنه من ذكر الحرز المنسوب إليه إسناده ضعيف لا يلتفت إليه.
-
وقد نقل عن وحشي رضي الله عنه أنه قال: قتلت بحربتي هذه خير الناس وشر الناس وكان عمر مسيلمة حين قتل مائة وخمسين سنة.
-
وذكر أن أبا دجانة رضي الله عنه تترس دون رسول الله صلى الله عليه وسلم فصار يقع النبل على ظهره وهو منحن حتى كثر فيه النبل.
-
وقاتل دونه صلى الله عليه وسلم زيادة بن عمارة حتى أثبتته الجراحة: أي أصابت مقاتله، فقال صلى الله عليه وسلم:
ج ٢ ص ٣١٥ادنوه مني فوسده قدمه الشريف، فمات رضي الله عنه وخده على قدمه الشريف صلى الله عليه وسلم.
-
وقاتل مصعب بن عمير رضي الله عنه دون رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتله ابن قمئة لعنه الله وهو يظنه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فرجع إلى قريش فقال: قتلت محمدا.
-
وقيل القاتل لمصعب رضي الله عنه أبي بن خلف لعنه الله، فإنه أقبل نحو النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول أين محمد لا نجوت إن نجا، فاستقبل مصعب بن عمير رضي الله عنه فقتل مصعبا، فاعترضه رجال من المسلمين؟ فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخلوا طريقه، أي فأقبل وهو يقول يا كذاب أين تفر، وتناول النبي صلى الله عليه وسلم الحربة من بعض أصحابه أي وهو الحارث بن الصمة أو الزبير بن العوام على ما سيأتي، فخدشه بها في عنقه خشدا غير كبير احتقن الدم: أي لم يخرج بسبب ذلك الخدش، فقال قتلني والله محمد، فقالوا: ذهب والله فؤادك، أي وفي لفظ: ذهب والله عقلك، إنك لتأخذ السهام من أضلاعك فترمي بها، فما هذا والله ما بك من بأس، ما أخدعك، إنما هو خدش، ولو كان هذا الذي بك بعين أحدنا ما ضره، فقال: واللات والعزى لو كان هذا الذي بي بأهل ذي المجاز؟ أي السوق المعروف من جملة أسواق الجاهلية كان عند عرفة كما تقدم. وفي لفظ: لو كان بربيعة ومضر أي وفي لفظ: بأهل الأرض لماتوا أجمعون. إنه قد كان قال لي بمكة أنا أقتلك، فوالله لو بصق عليّ لقتلني أي فضلا عن هذه الضربة لأنه كان يقول للنبي صلى الله عليه وسلم في مكة: يا محمد إن عندي العود يعني فرسا له أعلفه في كل يوم فرقا بفتح الراء: هو مكيال معروف يسع اثني عشر مدا من ذرة أقتلك عليها فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أقتلك إن شاء الله، فحقق الله تعالى قول نبيه صلى الله عليه وسلم.
-
هذا، وعن سعيد بن المسيب رضي الله عنه أن أبي بن خلف قال حين أفتدي:
أي من الأسر ببدر: والله إن عندي لفرسا أعلفها كل يوم فرقا من ذرة أقتل عليها محمدا، فبلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بل أنا أقتله إن شاء الله.
-
أقول: يمكن الجمع بأنه تكرر ذلك من أبي لعنه الله ومن النبي صلى الله عليه وسلم والله أعلم.
-
وفي رواية «أبصر صلى الله عليه وسلم ترقوته» بالفتح لا بالضم «من فرجة من سابغة الدرع» وهي ما يغطى به العنق من الدرع كما تقدم «فطعنه طعنة أي كسر فيها ضلعا» بكسر الضاد وفتح اللام وتسكينها «من أضلاعه» أي وهو المناسب لما في بعض الروايات «أن النبي صلى الله عليه وسلم طعنه طعنة وقع فيها مرارا من على فرسه وجعل يخور كما يخور الثور إذا ذبح، وإنه صلى الله عليه وسلم لما أخذ الحربة من الحارث بن الصمة، وقيل من الزبير بن العوام رضي الله عنه انتفض بها انتفاضة شديدة ثم استقبله فطعنه في عنقه» .
-
أقول: ولا مخالفة بين كون الطعنة في عنقه وكونها في ترقوته، لأن الترقوة في أصل العنق.
- ج ٢ ص ٣١٦
ولا مخالفة أيضا بين كون الحاصل من الطعنة خدشا مع اعتنائه صلى الله عليه وسلم بالطعنة وناهيك بعزمه صلى الله عليه وسلم، لأن كون الخدش في الظاهر، أي بحسب ما يظهر للرائي والشدة في الباطن أقوى في النكاية. ودليل وجود الشدة في الباطن وقوعه مرارا، وكونه خار كالثور الذي يذبح، وكون الطعن في العنق يفضي إلى كسر الضلع من خوارق العادات، لكن رأيت في رواية أنه ضرب تحت إبطه فكسر ضلعا من أضلاعه.
-
وقد يقال يجوز أن تكون الحربة نفذت من المكان المذكور. قال في النور:
ولم يقتل بيده الشريفة صلى الله عليه وسلم قط أحدا إلا أبي بن خلف لا قبل ولا بعد، ثم مات عدوّ الله وهم قافلون به إلى مكة: أي بسرف بفتح السين المهملة وكسر الراء، وهو المناسب لوصفه لأنه مسرف وقيل ببطن رابغ.
-
فعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال «إني لأسير ببطن رابغ بعد هدّو من الليل إذا نار تأجج لي لهبها، وإذا رجل يخرج منها في سلسلة يجتذب بها يصيح العطش، وناداني: يا عبد الله، فلا أدري أعرف اسمي، أو كما يقول الرجل لمن يجهل اسمه يا عبد الله؟ فالتفت إليه، فقال: اسقني، فأردت أن أفعل، وإذا رجل وهو الموكل بعذابه يقول: لا تسقه هذا قتيل رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا أبيّ بن خلف لعنه الله» رواه البيهقي.
-
ويدل لهذا ما جاء في الحديث «كل من قتله نبي أو قتل بأمر نبي في زمنه يعذب من حين قتل إلى نفخ الصعقة» وجاء «أشدّ الناس عذابا من قتله نبي» أي وفي رواية «اشتد غضب الله عز وجل على رجل قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسحقا لأصحاب السعير» .
-
وفي رواية «اشتد غضب الله عز وجل على رجل قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل الله» أي لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مأمورون باللطف والشفقة على عباد الله، فما يحمل الواحد منهم على قتل شخص إلا أمر عظيم ورسول الله صلى الله عليه وسلم أكملهم لطفا ورفقا وسعة بعباد الله.
-
وفي شرح التقريب احترز بقوله في سبيل الله عمن يقتله حدا أو قصاصا لأن من يقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل الله كان قاصدا قتله صلى الله عليه وسلم، وقد اتفق ذلك لأبيّ بن خلف لعنه الله، وقد تقدم أن ابن مرزوق رحمه الله ذكر أن ابن عمر مرّ ببدر فإذا رجل يعذب ويئن، فناداه يا عبد الله، فالتفت إليه فقال اسقني، فأردت أن أفعل فقال الأسود الموكل بتعذيبه. لا تفعل يا عبد الله، فإن هذا من المشركين الذين قتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أي أصحابه، رواه الطبراني في الأوسط، ولا بعد في تعدد الواقعة.
-
ثم رأيت في الخصائص الكبرى ما يقتضي التعدد فإنه ذكر فيها أن ابن عمر رضي الله عنهما ذكر ذلك: أي مروره ببدر للنبي صلى الله عليه وسلم، وأنه صلى الله عليه وسلم قال له ذلك أبو جهل، وذلك عذابه إلى يوم القيامة. وقد ذكرت ذلك في الكلام على غزوة بدر.
- ج ٢ ص ٣١٧
ووقع صلى الله عليه وسلم في حفرة من الحفر التي حفرت للمسلمين: أي التي حفرها أبو عامر الفاسق والد حنظلة غسيل الملائكة رضي الله عنه، واسم أبي عامر عبد عمرو، مات كافرا بأرض الروم، فر إليها لما فتحت مكة ليقعوا فيها وهم لا يعلمون، فأغمي عليه صلى الله عليه وسلم، وجحشت: أي خدشت ركبتاه، فأخذ علي كرم الله وجهه بيده، ورفعه طلحة بن عبيد الله حتى استوى قائما.