غزوة خيبر
٢١٤ فقرة، ج ٣ ص ٤٥
الصفحة ٤ من ٦
- ج ٣ ص ٦٧
وعن إمامنا الشافعي رضي الله عنه: لا أعلم شيئا حرم ثم أبيح ثم حرم إلا المتعة، أي فقد حرمت مرتين.
-
ونقل السهيلي رحمه الله وغيره عن بعضهم أنها أبيحت وحرمت ثلاث مرات.
-
وعن بعضهم أنها أبيحت وحرمت أربع مرات، ولينظر هذا مع قول بعضهم إن أوّل من حرم المتعة سيدنا عمر رضي الله عنه.
-
وقيل لم يحرمها صلى الله عليه وسلم مطلقا، بل عند الاستغناء عنها. وأباحها عند الحاجة إليها: أي عند خوف الزنا، وبذلك كان يفتي ابن عباس رضي الله عنهما.
-
وفي كلام فقهائنا: والنهي عن نكاح المتعة في خبر الصحيحين الذي لو بلغ ابن عباس رضي الله عنهما لم يستمرّ على القول بإباحتها لمن خاف الزنا مخالفا في ذلك لكافة العلماء.
-
وقد وقعت مناظرة في المتعة بين القاضي يحيى بن أكثم وأمير المؤمنين المأمون؛ فإن المأمون نادى بإباحة المتعة، فدخل عليه يحيى بن أكثم وهو متغير اللون بسبب ذلك وجلس عنده، فقال له المأمون: ما لي أراك متغيرا؟ قال: لما حدث في الإسلام، قال: وما حدث؟ قال: النداء بتحليل الزنا، قال: المتعة زنا؟
قال: نعم المتعة زنا، قال: ومن أين لك هذا؟ قال: من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. أما الكتاب، فقد قال الله تعالى قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) [المؤمنون:
الآية ١] إلى قوله وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ
ج ٣ ص ٦٨فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٧) [المؤمنون: الآيات ٥- ٧] يا أمير المؤمنين زوجة المتعة ملك يمين؟ قال: لا، قال: أفهي الزوجة التي عند الله ترث وتورث ويلحق بها الولد؟ قال: لا، قال: فقد صار متجاوز هذين من العادين. وأما السنة، فقد روى الزهري بسنده إلى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال «أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنادي بالنهي عن المتعة وتحريمها بعد أن كان أمر بها» فالتفت المأمون للحاضرين وقال: أتحفظون هذا من حديث الزهري؟ قالوا: نعم يا أمير المؤمنين، فقال المأمون: أستغفر الله، نادوا بتحريم المتعة.
-
ونهى صلى الله عليه وسلم في خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، أي فإنهم أصابهم جوع فجودوا الحمر الأهلية، أي ثلاثين حمارا خرجت من بعض الحصون، وقيل لم يدخلوها الحصون، فأخذها رهط من المسلمين وذبحوها وجعلوا لحومها في القدور والبرام، وجعلوا يطبخونها للأكل، فمرّ بهم النبي صلى الله عليه وسلم فسألهم عما في القدور والبرام، قالوا:
لحوم الحمر الإنسية: أي المخالطة للإنس، فنهاهم صلى الله عليه وسلم عن أكلها حتى أن القدور أكفئت وإنها لتفور» .
-
أي وفي البخاري «أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى نيرانا توقد يوم خيبر، قال: علام توقد هذه النيران؟ قالوا: على الحمر الإنسية، قال: اكسروها وأهريقوها، قالوا: ألا نهريقها ونغسلها؟ قال: اغسلوها» .
-
وفي رواية «أنه صلى الله عليه وسلم قال: ما هذه النيران، على أي شيء توقد؟ قالوا: على لحم، قال: على أي لحم؟ قالوا: على لحم حمر إنسية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
أهريقوها واكسروها، فقال رجل: يا رسول الله أو نهريقها ونغسلها؟ فقال أو ذاك» وعدوله صلى الله عليه وسلم إلى هذا الثاني إما باجتهاد أو وحي.
-
وجاء «أنه صلى الله عليه وسلم عند ذلك أمر عبد الله بن عوف أن ينادي في الناس أن لحوم الحمر الأهلية لا تحل لمن يشهد أن محمد رسول الله، وأمر أن تكفأ القدور ولا يأكلون من لحوم القدور شيئا» .
-
وفي مسلم «فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا طلحة فنادى: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهاكم عن لحوم الحمر الأهلية فإنها رجس أو نجس» وهذا السياق كله يدل على أنهم لم يأكلوا منها شيئا.
-
وفي السيرة الهشامية: «وأكل المسلمون من لحوم الحمر، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهى الناس عن أمور سماها لهم» وهذا يرد القول بأنه إنما نهى عن أكلها للحاجة إليها، أو لأنها أخذت قبل القسمة.
-
وروى أبو داود بإسناد على شرط مسلم عن جابر رضي الله تعالى عنه «ذبحنا
ج ٣ ص ٦٩يوم خيبر الخيل والبغال، ولم ينهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخيل» وفي رواية «ورخص في أكل الخيل» أي أباح أكلها.
-
وفي مسلم عن أسماء رضي الله عنها، قالت «نحرنا فرسا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكلناه» أي وعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ولم ينكره.
-
وعن خالد بن الوليد رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية والبغال والخيل» .
قال السهيلي رحمه الله: وحديث الإباحة أصح، وجاء «أنه صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن أكل لحم الجلالة وعن ركوبها، حتى تعلف أربعين يوما» والجلالة: التي تأكل الجلة، وهي الروث والعذرة.
-
وذكر الهروي «أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يأكل الدجاج الجلالة حتى تقصر» أي تحبس ثلاثة أيام. وذكر فقهاؤنا أن الحمر الأهلية حللت بعد تحريمها، ثم حرمت فليتأمل.
-
ونهى صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع، أي وذي مخلب من الطير وعن بيع المغانم حتى تقسم، وجعلت له صلى الله عليه وسلم مائدة فأكل متكئا وأطلى بالنورة، وكان ينوّره الرجل، فإذا بلغ عانته تولى ذلك صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة.
-
وروى ابن ماجه بسند جيد كما قاله الحافظ ابن كثير «أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا طلى بدأ بعورته فطلاها وطلى سائر جسده أهله» وحينئذ يكون المراد بعانته في الرواية السابقة العورة على أن تلك الرواية مرسلة فلا يحتج بذلك لمن يقول إن العورة ما عدا السوءتين.
-
وأخرج الإمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها «أنها قالت: أطلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنورة، فلما فرغ منها قال: يا معشر المسلمين عليكم بالنورة فإنها طيبة وطهور، وإن الله تعالى يذهب بها عنكم أوساخكم وأشعاركم» أي فهو من نعيم الدنيا، ومن ثم كرهه عمر رضي الله عنه.
-
وعن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قيل له وقد دخل الحمام: أتدخل الحمام وأنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل الحمام.
-
وعن ابن عمر رضي الله عنهما «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما: طاب حمامكما» وجاء «أنه صلى الله عليه وسلم كان يتنوّر كل شهر، ويقلم أظفاره كل خمسة عشر يوما» وما ورد أنه صلى الله عليه وسلم لم يتنور فهو ضعيف معارض بما هو أقوى منه وأكثر عددا، على أن المثبت مقدّم على النافي. أي وفي الينبوع: وقول أنس رضي الله عنه إن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يتنوّر وكان يحلق محمول على الغالب من أمره صلى الله عليه وسلم.
-
وفي الخصائص الصغرى، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ما تنور نبي قط.
- ج ٣ ص ٧٠
وفي صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لقص الشارب وتقليم الأظفار أن لا يدع ذلك أربعين يوما» أي وكان صلى الله عليه وسلم يقص أظفاره كل خمسة عشر يوما كما تقدم.
-
وقد أستفيد من هذا كما قال بعضهم فائدة نفيسة وهي ذكر التوقيت للتنوّر وقص الأظفار. قال بعضهم: وفيه نظر، فإن بدنه صلى الله عليه وسلم كان في غاية الاعتدال فلا يقاس به صلى الله عليه وسلم غيره في ذلك، نظير ما قالوه فيما صح «أنه صلى الله عليه وسلم كان يوضئه المدّ، ويغسله الصاع» إن ذلك خاص ببدن من يكون بدنه كبدنه عليه الصلاة والسلام نعومة واعتدالا، وإلا زيد ونقص المتفاوت فكذلك هنا، ومن ثم قال الأئمة رحمهم الله في نحو حلق العانة ونتف الإبط والقلم للظفر وقص الشارب: إن ذلك لا يتقيد بمدة، بل يختلف باختلاف الأبدان والمحالّ، فيعتبر وقت الحاجة إلى إزالة ذلك.
-
وبهذا يردّ على من قال يكره التنور في أقل من شهر، وقدم عليه صلى الله عليه وسلم بخيبر الأشعريون، أي ومنهم أبو موسى الأشعري رضي الله عنه، والدوسيون ومنهم أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، فسأل صلى الله عليه وسلم أصحابه رضي الله عنهم أن يشركوهم في الغنيمة ففعلوا.
قال: وعن موسى بن عقبة رحمه الله أن أحد الأشعريين ومن ذكر معهم: أي وهم الدوسيون من هذين الحصنين اللذين فتحا صالحا، وتكون مشاورة رسول الله صلى الله عليه وسلم في إعطائهم ليست استنزالا لهم عن شيء من حقهم، وإنما هي المشورة العامة: أي المأمور بها في قوله تعالى وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران: الآية ١٥٩] انتهى.
-
أقول: وهذا صريح في أن ذلك كان فيئا له صلى الله عليه وسلم، فهما وما فيهما مما أفاء الله عليه صلى الله عليه وسلم، لأن الفيء ما جلوا عنه من غير قتال؛ أي من غير مصافة للقتال.
-
والحاصل أن أرض خيبر ونخلها غنيمة، لأنه صلى الله عليه وسلم غلب على النخل والأرض، وألجأهم إلى الحصون، وفتح جميع الحصون عنوة إلا الوطيح، والسلالم فإنهما فتحا صالحا على حقن دماء المقاتلة وترك الذرية لهم، بشرط أن لا يكتموه شيئا من أموالهم، وأن من كتم شيئا انقض ذلك الصلح له بالنسبة لدمه وذراريه.
-
وهذان الحصنان هما المرادان بالكثيبة في قول بعضهم: كان صلى الله عليه وسلم يطعم من الكثيبة أهله لما علمت أنهما من حصونها، وأنهما وما فيهما مما أفاء الله عليه.
-
وكونه صلى الله عليه وسلم كان يطعم أهله مما فيهما واضح. وأما إذا كان المراد يطعم من الأرض والنخيل المتعلقين بالحصنين فقد يتوقف فيه، لما تقدم أن أرض خيبر ونخلها غنيمة وذلك شامل للأرض والنخيل المتعلقين بالحصنين فليتأمل والله أعلم.
-
وفي لفظ: وقدم عليه صلى الله عليه وسلم بعد فتح خيبر جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه من
ج ٣ ص ٧١أرض الحبشة ومعه الأشعريون، أبو موسى الأشعري وأخواه أبو رهم وأبو بردة رضي الله عنهم، وكان أبو موسى أصغرهم وأقواهم وكان قوم جعفر بالحبشة، أي لأنهم هاجروا إلى الحبشة من اليمن كما تقدم، وقبل قدومهم إليه صلى الله عليه وسلم قال صلى الله عليه وسلم «يقدم عليكم قوم هم أرق منكم قلوبا» فقدم الأشعريون، وذكر أنهم عند مجيئهم صاروا يقولون:
غدا نلقى الأحبة محمدا وحزبه
وفي كلام بعضهم ما يفيد أنه صلى الله عليه وسلم قال في حقهم «أتاكم أهل اليمن، هم أضعف قلوبا، وأرق أفئدة، الفقه يمان، والحكمة يمانية» .
-
ولما أقبل عليه صلى الله عليه وسلم جعفر رضي الله عنه قام صلى الله عليه وسلم إلى جعفر وقبله بين عينيه وفي رواية «قبل جبهته» .
-
أي وعن ابن عباس رضي الله عنهما «لما قدم جعفر رضي الله عنه من أرض الحبشة اعتنقه النبي صلى الله عليه وسلم وقبل بين عينيه» وجعل ذلك أصلا لاستحباب المعانقة.
وقال بعضهم: إنها مكروهة، وحديث جعفر يحتمل أن يكون قبل النهي عنها، فإنه نهى عن المعاكمة وهي المعانقة، وحمل ذلك بعضهم على ما إذا كانت المعانقة من غير حائل.
-
أقول: لم يجب بذلك سيدنا مالك رضي الله عنه، فإنه لما قدم عليه سفيان بن عيينة رضي الله عنه صافحه مالك وقال له: لولا أنها بدعة لعانقتك، فقال له سفيان:
قد عانق من هو خير منك ومني النبي صلى الله عليه وسلم، قال مالك: تعني جعفر بن أبي طالب؟
قال نعم، قال: ذلك حبيب خاص ليس بعامّ، أي فذلك من خصوصياته، فقال له سفيان: ما عم جعفرا يعمنا، وما يخصه يخصنا، أي فالأصل عدم الخصوصية، ثم قال له سفيان: أتأذن لي أن أحدثك بحديثك. قال نعم، فقال: حدثني فلان عن فلان عن ابن عباس رضي الله عنهما، وذكر الحديث المتقدم عنه، وقد جاء أنه صلى الله عليه وسلم التزم زيد بن حارثة رضي الله عنه حين قدم عليه من مكة.
-
وأما المصافحة، فقد جاء «أن أهل اليمن لما قدموا المدينة صافحوا الناس بالسلام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن أهل اليمن قد سنوا لكم المصافحة» وقال «من تمام محبتكم المصافحة» وقال صلى الله عليه وسلم لصفوان بن أمية لما قدم عليه «وإلى عدي بن حاتم» .
قال السهيلي: وليس هذا معارضا لحديث «من سره أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار» لأن هذا الوعيد إنما توجه للمتكبرين وإلى من يغضب أن لا يقام له، وكان صلى الله عليه وسلم يقوم لفاطمة رضي الله عنها وكانت تقوم له صلى الله عليه وسلم هذا كلامه، والله أعلم.
-
ولما رآه صلى الله عليه وسلم جعفر حجل: أي مشى على رجل واحدة إعظاما لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن أهل الحبشة يفعلون ذلك للتعظيم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له «أشبهت خلقي
ج ٣ ص ٧٢وخلقي» وفي لفظ «جعفر أشبه الناس بي خلقا وخلقا» وكان صلى الله عليه وسلم يسميه أبا المساكين، لأنه رضي الله عنه كان يحب المساكين ويجلس إليهم ويحدثهم ويحدثونه.
-
وذكر بعضهم أنه لما قال له صلى الله عليه وسلم «أشبهت خلقي وخلقي» رقص من لذة هذا الخطاب، ولم ينكر عليه صلى الله عليه وسلم رقصه، وجعل ذلك أصلا لجواز رقص الصوفية عند ما يجدونه من لذة المواجيد من مجالس الذكر والسماع، ثم قال صلى الله عليه وسلم «والله ما أدري بأيهما أفرح؟ بفتح خيبر أم بقدوم جعفر؟» رضي الله عنه.
-
وقيل قدم مع جعفر رضي الله عنه سبعون رجلا عليهم ثياب الصوف، منهم اثنان وستون من الحبشة، وثمانية روميون من أهل الشام.
-
وفي لفظ: قدم معه سبعون كافرا أصحاب الصوامع، وقيل كانوا أربعين رجلا:
اثنان وثلاثون من الحبشة وثمانية روميون من أهل الشام. وقيل كانوا ثمانين رجلا أربعون من أهل نجران، واثنان وثلاثون من الحبشة، وثمانية روميون من أهل الشام، فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة يس إلى آخرها فبكوا وأسلموا، وقالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى عليه الصلاة والسلام.
-
أي ولعل هؤلاء الذين من الحبشة هم المرادون بقول بعضهم: ووفد إليه وفد النجاشي، فقام صلى الله عليه وسلم يخدمهم بنفسه، فقال له أصحابه: نحن نكفيك يا رسول الله، فقال: إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين، وإني أحب أن أكافئهم. وفي لفظ: وقدم عليه أيضا أبو هريرة رضي الله عنه وطائفة من قومه، وهم دوس كما تقدم.
قال أبو هريرة رضي الله عنه: «قدمنا المدينة ونحن ثمانون بيتا من دوس فصلينا الصبح خلف سباع بن عرفطة الغفاري، فأخبرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم بخيبر: فزودنا سباع، ثم جئنا خيبر وهو محاصر الكثيبة فأقمنا حتى فتح الله: أي وكان من جملة من قدم معهم من بلاد الحبشة أم حبيبة بنت أبي سفيان رضي الله عنهما زوج النبي صلى الله عليه وسلم، تزوجها: أي عقد عليها وهي بالحبشة، فإنها كانت ممن هاجر الهجرة الثانية للحبشة مع زوجها عبد الله بن جحش فارتد عن الإسلام هناك وتنصر ومات على ذلك، وبقيت هي على إسلامها كما تقدم. وقد أرسل صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري رضي الله عنه في المحرم افتتاح سنة سبع إلى النجاشي ليزوجها منه صلى الله عليه وسلم، قالت أم حبيبة رضي الله عنها: رأيت في المنام كأن قائلا يقول لي: يا أم المؤمنين ففزعت، فأولتها بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتزوجني، قالت: فما شعرت إلا وقد دخلت عليّ جارية النجاشي، فقالت لي: إن الملك يقول لك: كتب إليه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يزوجك منه، فقلت لها: بشره الله بالخير، ويقول لك: وكلي من يزوجك، فأرسلت بالوكالة إلى خالد بن سعيد رضي الله عنه، أي وأعطت تلك الجارية سوارين وخدمتين، أي خلخالين وخواتيم فضة سرورا بما بشرت به، فلما كان العشي أمر النجاشي جعفر بن أبي
ج ٣ ص ٧٣طالب ومن معه من المسلمين فحضروا وخطب النجاشي رضي الله عنه، فقال «الحمد لله الملك القدوس» أي في لفظ بدل ذلك «المؤمن المهيمن، العزيز الجبار. أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأنه الذي بشر به عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام أما بعد- فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أن أزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان، فأجبنا إلى ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أصدقها أربعمائة دينار، أي وفي لفظ أربعمائة مثقال ذهب ثم سكب الدنانير بين يدي القوم، فتكلم خالد بن سعيد بن العاص رضي الله عنه، فقال: الحمد لله أحمده وأستعينه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. أما بعد: فقد أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجته أم حبيبة بنت أبي سفيان، فبارك الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم» ، أي ودفع النجاشي الدنانير لخالد بن سعيد، فقبضها منه، وقيل إنه أنقدها لها النجاشي على يد جاريته التي بشرتها، فلما جاءتها بتلك الدنانير أعطتها خمسين دينارا.
-
وقد يقال: يجوز أن يكون النجاشي استردها من خالد ثم دفعها لتلك الجارية، أو أمر خالد بن سعيد بدفعها للجارية لتدفعها لأم حبيبة فلا مخالفة، وهذا السياق يدل على أن النجاشي كان هو الوكيل عنه صلى الله عليه وسلم. وفي كلام بعض فقهائنا أنه صلى الله عليه وسلم وكل عمرو بن أمية في نكاح أم حبيبة.