باب يذكر فيه ما يتعلق بالوفود التي وفدت عليه صلى الله عليه وسلم

١٣٦ فقرة، ج ٣ ص ٢٩٨

الصفحة ٤ من ٤

  1. ومنها وفد صداء: حيّ من عرب اليمن. وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة عشر رجلا من صداء.

    ج ٣ ص ٣٣٢
  2. وسبب ذلك أنه صلى الله عليه وسلم هيأ بعثا أربعمائة من المسلمين استعمل عليهم قيس بن سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنهم، ودفع له لواء أبيض، ودفع إليه راية سوداء، وأمره أن يطأ ناحية من اليمن كان فيها صداء، فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل منهم، وعلم بالجيش، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله جئتك وافدا على من ورائي، فاردد الجيش، وأنا لك بقومي، فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم قيس بن سعد رضي الله تعالى عنهما وخرج الصدائي إلى قومه، فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأولئك القوم، فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله دعهم ينزلون عليّ، فنزلوا عليه فحباهم بالموحدة:

    أعطاهم وأكرمهم وكساهم، ثم ذهب بهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم: فبايعوه على الإسلام، وقالوا له: نحن لك على من وراءنا من قومنا فرجعوا إلى قومهم ففشا فيهم الإسلام، فوافى رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم مائة رجل في حجة الوداع، وسمي ذلك الرجل الذي كان سببا في رد الجيش ومجيء الوفد بزياد بن الحارث الصدائي، أي وذكر زياد أنه صلى الله عليه وسلم قال له: يا أخا صداء إنك لمطاع في قومك، قال: فقلت بلى من منّ الله عز وجل ومنّ رسوله. قال وفي رواية: بل الله هداهم للإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفلا

    ج ٣ ص ٣٣٣أؤمرك عليهم؟ فقلت: بلى يا رسول الله، فكتب لي كتابا بذلك، فقلت: يا رسول الله مر لي بشيء من صدقاتهم، قال: نعم. فكتب لي كتابا آخر انتهى.

    قال زياد رضي الله تعالى عنه: وكنت معه صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، وكنت رجلا قويا، فلزمت غرزه: أي ركابه، وجعل أصحابه يتفرقون عنه، فلما كان السحر قال صلى الله عليه وسلم: أذّن يا أخا صداء، فأذنت على راحلتي، ثم سرنا حتى نزلنا، فذهب صلى الله عليه وسلم لحاجته ثم رجع، فقال: يا أخا صداء هل معك ماء؟ قلت معي شيء في إداوتي: أي وهي إناء من جلد صغير. وفي رواية: لا إلا شيء قليل لا يكفيك، قال: هاته، فجئت به، قال: صب، فصببت ما في الإداوة في العقب، أي وهو القدح الكبير، وجعل أصحابه صلى الله عليه وسلم يتلاحقون، ثم وضع صلى الله عليه وسلم كفه في الإناء فرأيت بين كل أصبعين من أصابعه عينا تفور، ثم قال: يا أخا صداء لولا أني أستحي من ربي عز وجل لسقينا وأسقينا: أي من غير أصل، ثم توضأ وقال: أذن في أصحابي: من كانت له حاجة في الوضوء بفتح الواو فليرد، قال: فورد الناس من آخرهم، ثم جاء بلال يقيم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أخا صداء أذن، ومن أذن فهو يقيم فأقمت، ثم تقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بنا، فلما سلم: يعني من صلاته قام رجل يشكو من عامله، فقال: يا رسول الله إنه آخذنا بذحول كانت بيننا وبين قومه في الجاهلية: أي وفي رواية آخذنا بكل شيء كان بيننا وبين قومه في الجاهلية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا خير في الإمارة لرجل مسلم، ثم قام رجل آخر، فقال: يا رسول الله أعطني من الصدقة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله عز وجل لم يكل قسمتها إلى ملك مقرب ولا نبي مرسل حتى جزأها ثمانية أجزاء، فإن كنت جزآ منها أعطيتك، وإن كنت غنيا عنها فإنما هي صداع في الرأس وداء في البطن، فقلت: يا رسول الله هذان كتاباك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم؟

    قلت: إني سمعتك تقول: لا خير في الإمارة لرجل مسلم وأنا رجل مسلم، وسمعتك تقول: من سأل الصدقة وهو عنها غنيّ فإنما هي صداع في الرأس وداء في البطن وأنا غني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما إن الذي قلت كما قلت، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دلني على رجل من قومك أستعمله، فدللته صلى الله عليه وسلم على رجل منهم فاستعمله.

    قلت: يا رسول الله إن لنا بئرا إذا كان الشتاء كفانا ماؤها، وإن كان الصيف قلّ علينا فتفرقنا على المياه، والإسلام فينا قليل، ونحن نخاف، فادع الله عز وجل لنا في بئرنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ناولني سبع حصيات، فناولته ففركهن في يده الشريفة ثم دفعهن إليّ وقال: إذا انتهيت إليها فألق فيها حصاة حصاة وسمّ الله، قال: ففعلت، فما أدركنا لها قعرا حتى الساعة.

  3. ومنها وفد غسان: اسم ماء نزل عليه قوم من الأزد فنسبوا إليه، ومنهم بنو حنيفة، وقيل غسان قبيلة.

  4. وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة نفر من غسان فأسلموا، وقالوا: لا ندري هل تبعنا قومنا أم لا وهم يحبون بقاء ملكهم وقربهم من قيصر، فأجازهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بجوائز، وانصرفوا راجعين إلى قومهم، فلما قدموا عليهم ولم يستجيبوا لهم كتموا إسلامهم.

    ج ٣ ص ٣٣٤
  5. ومنها وفد سلامان بفتح السين وتخفيف اللام. وفي العرب بطون ثلاثة منسوبون إليه: بطن من الأزد، وبطن من طيىء، وبطن من قضاعة وهم هؤلاء.

  6. وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعة نفر من سلامان، فيهم خبيب بن عمرو السلاماني فأسلموا.

    قال: وعن خبيب رضي الله تعالى عنه: صادفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خارجا من المسجد إلى جنازة دعي إليها، فقلنا: السلام عليك يا رسول الله: فقال: وعليكم السلام من أنتم؟ قلنا: نحن من سلامان قدمنا إليك لنبايعك على الإسلام، ونحن على من وراءنا من قومنا، فالتفت صلى الله عليه وسلم إلى ثوبان غلامه، فقال: أنزل هؤلاء، وسألنا عن أشياء انتهى.

    قال خبيث رضي الله تعالى عنه: قلت يا رسول الله ما أفضل الأعمال؟ قال:

    الصلاة في وقتها، وصلوا معه صلى الله عليه وسلم يومئذ الظهر والعصر، ثم شكوا له صلى الله عليه وسلم جدب بلادهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم اسقهم الغيث في دارهم، فقلت يا رسول الله ارفع يديك فإنه أكثر وأطيب، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه، ثم قام صلى الله عليه وسلم وقمنا معه، وأقمنا ثلاثة أيام وضيافته صلى الله عليه وسلم تجري علينا، ثم ودعناه، وأمر لنا بجوائز، فأعطينا خمس أواق فضة لكل واحد واعتذر إلينا بلال رضي الله تعالى عنه وقال: ليس عندنا اليوم مال، فقلنا: ما أكثر هذا وأطيبه ثم رجعنا إلى بلادنا فوجدناها قد مطرت في اليوم الذي دعا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

  7. ومنها وفد بني عبس. وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة من بني عبس فقالوا: يا رسول الله قدم علينا قراؤنا فأخبرونا أنه لا إسلام لمن لا هجرة له، ولنا أموال ومواش هي معاشنا، فإن كان لا إسلام لمن لا هجرة له بعناها وهاجرنا من آخرنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اتقوا الله حيث كنتم فلن يلتكم أي ينقصكم من أعمالكم شيئا وسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خالد بن سنان هل له عقب؟ فأخبروه أنه لا عقب له كانت له ابنة فانقرضت، وأنشأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث أصحابه عن خالد بن سنان وقال: إنه نبي ضيعه قومه، وجاء: «ليس بيني وبين عيسى عليه الصلاة والسلام نبي» .

  8. أي وإذا صح شيء من الأحاديث التي ذكر فيها خالد بن سنان أو غيره يكون معناه: لم يكن بينه صلى الله عليه وسلم وبين عيسى عليه السلام نبي مرسل، أي وتقدم ما في ذلك.

  9. ومنها وفد النخع: أي بفتح النون والخاء المعجمة: قبيلة من اليمن، وهم آخر الوفود، وكان وفودهم سنة إحدى عشرة في النصف من المحرم.

    ج ٣ ص ٣٣٥
  10. وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم مائتا رجل من النخع مقرين بالإسلام وقد كانوا بايعوا معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه، فقال رجل منهم يقال له زرارة بن عمرو: يا رسول الله إني رأيت في سفري هذا عجبا: أي وفي رواية: رأيت رؤيا هالتني، قال:

    وما رأيت؟ قال: رأيت أتانا نركبها في الحي ولدت جديا: أي وهو ولد المعز أسقع أحوى، أي والأسقع الذي سواده مشرب بحمرة، والأحوى: الذي ليس شديد السواد ومن ثم فسر بالأخضر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تركت أمة لك مصرة لك على حمل؟ قال نعم، قال فإنها تلد غلاما وهو ابنك قال: يا رسول الله، فما له أسقع أحوى؟ قال: ادن مني، فدنا منه، فقال: هل بك من برص تكتمه؟ قال: فو الذي بعثك بالحق ما علم به أحد ولا اطلع عليه غيرك، قال هو ذاك، قال: يا رسول الله ورأيت النعمان بن المنذر أي وهو ملك العرب وعليه قرطان. والقرط: ما يكون في شحمة الأذن، ودملجان بضم الدال المهملة وضم اللام وفتحها، ومسكتان بضم الميم وسكون المهملة، قال: ذلك ملك العرب رجع إلى أحسن زيه وبهجته، قال:

    يا رسول الله، ورأيت عجوزا شمطاء: أي يخالط شعر رأسها الأبيض شعر أسود خرجت من الأرض، قال: تلك بقية الدنيا، وقال: ورأيت نارا خرجت من الأرض فحالت بيني وبين ابن لي يقال له عمرو، وهي تقول لظى لظى، بصير وأعمى أطعموني أكلكم أهلكم ومالكم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك فتنة تكون في آخر الزمان، قال: يا رسول الله وما الفتنة؟ قال: يقتل الناس إمامهم ويشتجرون اشتجار أطباق الرأس، ويشتجرون بالشين المعجمة وبالجيم: أي يشتبكون في الفتنة اشتباك أطباق الرأس، وخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصبعيه، يحسب المسيء فيها أنه محسن، ويكون دم المؤمن عند المؤمن أسهل. أي وفي لفظ: أحلى من شرب الماء البارد، وإن مات ابنك أدركت الفتنة، وإن مت أنت أدركها ابنك، فقال: يا رسول الله ادع الله أني لا أدركها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم لا يدركها، فمات وبقي ابنه عمرو، ولم يجتمع به صلى الله عليه وسلم، فهو تابعي وكان ممن خلع عثمان رضي الله تعالى عنه.

    قال: وفي رواية أن النخع بعثت رجلين منهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامهم أرطاة بن شرحبيل من بني حارثة والأرقم من بني بكر، فلما قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرض عليهما الإسلام فقبلاه فبايعاه على قومهما، وأعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم شأنهما وحسن هيئتهما، وقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل خلفتما وراء كما من قومكما مثلكما؟

  11. قالا: لا يا رسول الله، قد خلفنا وراءنا من قومنا سبعين رجلا كلهم أفضل منا، وكلهم يقطع الأمر وينفذ الأشياء ما يشاء، فدعا لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقومهما بخير،

    ج ٣ ص ٣٣٦وقال: اللهم بارك في النخع.

  12. وعقد صلى الله عليه وسلم لأرطاة لواء على قومه، فكان في يده يوم الفتح، وشهد به القادسية، وقتل يومئذ رضي الله تعالى عنه اه.

  13. وقوله وكان في يده يوم الفتح لا يناسب ما تقدم أن وفد النخع كان قدومه في سنة إحدى عشرة، إلا أن يقال هذين وفدا قبل وفود ذلك الجمع.

  14. وقد ترك الأصل التعرض لجملة من الوفود وذكرت في السيرة العراقية والسيرة الهشامية تركناها تبعا للأصل.

  15. منها أن عمرو بن مالك وفد على النبي صلى الله عليه وسلم وأسلم، ثم رجع إلى قومه فدعاهم إلى الإسلام، فقالوا: حتى نصيب من بني عقيل مثل ما أصابوا منا فكان بينهم وبين بني عقيل مقتلة، وكان عمرو بن مالك هذا من جملة من قاتل معهم، فقتل رجلا من بني عقيل، قال عمرو: فشددت يدي في غل وأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغه ما صنعت، فقال صلى الله عليه وسلم: إن أتاني لأضرب ما فوق الغل من يده، فلما جئت سلمت فلم يرد عليّ السلام وأعرض عني، فأتيته عن يمينه فأعرض عني، فأتيته عن يساره فأعرض عني، فأتيته من قبل وجهه، فقلت: يا رسول الله إن الرب عز وجل ليترضى فيرضى، فارض عني رضي الله تعالى عنك، قال: رضيت.

  16. وتقدم أنه قد جاء في الصحيح: «لا أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين، ولا أحد أحب إليه المدح من الله من أجل ذلك مدح نفسه، ولا أحد أغير من الله من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن» والله أعلم.