باب: وفاة أمه صلى الله عليه وسلم وحضانة أم أيمن له وكفالة جده عبد المطلب له

٥٠ فقرة، ج ١ ص ١٥٤

الصفحة ٢ من ٢

  1. وعن بعضهم أي وهو حيدة بن معاوية العامري كان من المعمرين، وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسلم. قال بعضهم: مات وهو عم ألف رجل وامرأة، قال: حججت في الجاهلية، فبينا أنا أطوف بالبيت إذا رجل. وفي رواية: إذا شيخ طويل يطوف بالبيت وهو يقول:

    رد إلى راكبي محمدا

    وفي رواية:

    يا رب رد راكبي محمدا ... اردده ربي واصطنع عندي يدا

    قلت من هذا؟ قالوا: عبد المطلب بن هاشم، بعث ابن ابنه في طلب إبل له ضلت وما بعثه في شيء إلا جاء به، قال وفي رواية هذا سيد قريش عبد المطلب له إبل كثيرة فإذا ضل منها شيء بعث فيه بنيه يطلبونها، فإذا غابوا بعث ابن ابنه ولم يبعثه في حاجة إلا أنجح فيها، وقد بعثه في حاجة أعيا عنها بنوه وقد أبطأ عليه انتهى، فما برحت: أي ما زلت عن مكاني حتى جاء بالإبل معه، فقال له: يا بني حزنت عليك حزنا لا يفارقني بعده أبدا، وتقدم عن بعض المفسرين ما لا يحتاج إلى إعادته هنا.

    ج ١ ص ١٦١
  2. وعن رقيقة بنت أبي صيفي: أي ابن هاشم بن عبد مناف زوجة عبد المطلب، ذكرها ابن سعد في المسلمات المهاجرات أقول: وقال أبو نعيم: لا أراها أدركت الإسلام. وقال ابن حبان: يقال إن لها صحبة والله أعلم. قالت تتابعت على قريش سنون: أي أزمنة قحط وجدب ذهبت بالأموال، وأشفين: أي أشرفن على الأنفس، قالت فسمعت قائلا يقول في المنام: يا معشر قريش إن هذا النبي المبعوث منكم هذا إبان أي وقت خروجه وبه يأتيكم الحيا أي بالقصر المطر العام والخصب، فانظروا رجلا من أوساطكم: أي أشرافكم نسبا طولا عظاما أي طويلا عظيما أبيض مقرون الحاجبين أهدب الأشفار أي طويل شعر الأجفان، أسيل الخدين: أي لا نتوّ بهما رقيق العرنين أي الأنف. وقيل أوله فليخرج هو وجميع ولده وليخرج منكم من كل بطن رجل فيتطهروا ويتطيبوا، ثم استلموا الركن، ثم ارقوا إلى رأس أبي قبيس، ثم يتقدم هذا الرجل فيستسقي وتؤمنون، فإنكم تسقون، فأصبحت وقصت رؤياها عليهم، فنظروا فوجدوا هذه الصفة صفة عبد المطلب فاجتمعوا عليه، وأخرجوا من كل بطن رجلا ففعلوا ما أمرتهم به، ثم علوا على أبي قبيس ومعهم النبي صلى الله عليه وسلم وهو غلام، فتقدم عبد المطلب فقال: لا هم هؤلاء عبيدك وبنو عبيدك وإماؤك وبنو إمائك، وقد نزل بنا ما ترى، وتتابعت علينا هذه السنون فذهبت بالظلف والخف والحافر:

    أي الإبل والبقر والخيل والبغال والحمير، فأشفت على الأنفس: أي أشرفت على ذهابها فأذهب عنا الجدب، وائتنا بالحيا والخصب فما برحوا حتى سالت الأودية.

    قال: وفي رواية أخرى عن رقيقة قالت: تتابعت على قريش سنون جدبة أقحلت، أي أيبست الجلد، وأدقت العظم، فبينا أنا نائمة أو مهمومة أي بين اليقظانة والنائمة إذ هاتف هو الذي يسمع صوته ولا يرى شخصه كما تقدم يصرخ بصوت صحل: أي فيه بحوحة وهي خشونة الصوت وغلظه يقول: يا معشر قريش إن هذا النبي المبعوث منكم قد أظلتكم أيامه: أي قربت منكم، وهذا إبان مخرجه فحيعلا بالحيا والخصب، ألا فانظروا رجلا منكم وسطا عظاما أبيض بضا أي شديد البياض، أوطف الأهداب أي كثير شعر العينين أسهل الخدين، أشم العرنين أي مرتفع الأنف، له فخر يكظم عليه أي يسكت عليه ولا يظهره وسنن يهتدى إليها أي يرشد إليها، فليخلص هو وولده وولد ولده وليدلف أي يتقدم إليه من كل بطن رجل فليسنوا من الماء: أي يفرغوه على أجسادهم أي يغتسلوا به، وليمسوا من الطيب، ثم يلتمسوا الركن وليطوفوا بالبيت العتيق سبعا، ثم ليرقوا أبا قبيس فليستسق الرجل وليؤمن القوم ألا وفيهم الطيب الطاهر فغثتم إذا ما شئتم أي جاءكم الغيث على ما تريدون. قالت:

    فأصبحت مذعورة قد اقشعر جلدي ووله أي ذهب عقلي، واقتصيت رؤياي أي ذكرتها على وجهها فنمت أي فشت وكثرت في شعاب مكة، فما بقي أبطحي إلا قال

    ج ١ ص ١٦٣هذا شيبة الحمد يعني عبد المطلب وقامت عنده قريش وانفض إليه من كل بطن رجل فسنوا من الماء، ومسوا من الطيب واستلموا وطافوا.

    ج ١ ص ١٦٢
  3. ثم ارتقوا أبا قبيس، فطفق القوم يدنون حوله ما إن يدركه بعضهم مهلة وهي التؤدة والتأني ومعه رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أيفع أي ارتفع أو كرب أي قرب من ذلك، فقام عبد المطلب فقال اللهم ساد الخلة وكاشف الكربة أنت عالم غير معلم مسؤول غير مبخل، وهذه عبيدك وإماؤك بغدرات حرمك أي أفنيته يشكون إليك سنتهم التي أقحلت أي أيبست الظلف والخف: أي الإبل والبقر فأمطرن، اللهم غيثا سريعا مغدقا فما برحوا حتى انفجرت السماء بمائها وكظ الوادي: أي ضاق بثجيجه أي بسيله فلسمعت شيخان قريش وهي تقول لعبد المطلب: هنيئا لك يا أبا البطحاء، بك عاش أهل البطحاء انتهى: أي والظاهر أن القصة واحدة فليتأمل الجمع. وقد يدعى أن الاختلاف من الرواة منهم من عبر بالمعنى.

  4. وفي سقيا الناس بعبد المطلب وأن ذلك ببركته صلى الله عليه وسلم تقول رقيقة:

    بشيبة الحمد أسقى الله بلدتنا ... وقد عدمنا الحيا واجلوذ المطر

    أي امتد زمن تأخره.

    فجاد بالماء جونيّ له سبل ... دان............

  5. أي أمطرها طل كثير الهطل قريب.

    ............... ... ... فعاشت به الأنعام والشجر

    منّا من الله بالميمون طائره..............

  6. أي المبارك حظّه.

    ............ ... وخير من بشّرت يوما به مضر

    مبارك الاسم يستسقى الغمام به ... ما في الأنام له عدل ولا خطر

    أي لا معادل ولا مماثل له.

  7. ولما سقوا لم يصل المطر إلى بلاد قيس ومضر فاجتمع عظماؤهم وقالوا قد أصبحنا في جهد وجدب وقد سقى الله الناس بعبد المطلب، فاقصدوه لعله يسأل الله تعالى فيكم فقدموا مكة ودخلوا على عبد المطلب فحيوه بالسلام. فقال لهم: أفلحت الوجوه وقام خطيبهم، فقال: قد أصابتنا سنون مجدبات، وقد بان لنا أثرك، وصح عندنا خبرك، فاشفع لنا عند من شفعك وأجري الغمام لك، فقال عبد المطلب:

    سمعا وطاعة، موعدكم غدا عرفات، ثم أصبح غاديا إليها وخرج معه الناس وولده ومعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنصب لعبد المطلب كرسي فجلس عليه وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم

    ج ١ ص ١٦٤فوضعه في حجره ثم قام عبد المطلب ورفع يديه، ثم قال: اللهم رب البرق الخاطف، والرعد القاصف، رب الأرباب، وملين الصعاب، هذه قيس ومضر، من خير البشر، قد شعثت رؤوسها، وحدبت ظهورها تشكو إليك شدة الهزال وذهاب النفوس والأموال. اللهم فأتح لهم سحابا خوارة وسماء خرارة لتضحك أرضهم ويزول ضرهم، فما استتم كلامه حتى نشأت سحابة دكناء لها دويّ وقصدت نحو عبد المطلب، ثم قصدت نحو بلادهم، فقال عبد المطلب: يا معشر قيس ومضر انصرفوا فقد سقيتم فرجعوا وقد سقوا.

  8. وذكر بعضهم أنهم كانوا في الجاهلية يستسقون إذا أجدبوا فإذا أرادوا ذلك أخذوا من ثلاثة أشجار، وهي سلع وعشر وشبرق، من كل شجرة شيئا من عيدانها وجعلوا ذلك حزمة وربطوا بها على ظهر ثور صعب وأضرموا فيها النار ويرسلون ذلك الثور، فإذا أحس بالنار عدا حتى يحترق ما على ظهره ويتساقط، وقد يهلك ذلك الثور فيسقون.

  9. وفي حياة الحيوان كانت العرب إذا أرادت الاستسقاء جعلت النيران في أذناب البقر وأطلقوها فتمطر السماء، فإن الله يرحمها بسبب ذلك. قال: وذكر ابن الجوزي أنه صلى الله عليه وسلم في سنة سبع من مولده أصابه رمد شديد، فعولج بمكة فلم يغن، فقيل لعبد المطلب إن في ناحية عكاظ راهبا يعالج الأعين فركب إليه ومعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فناداه وديره مغلق فلم يجبه، فتزلزل ديره حتى خاف أن يسقط عليه، فخرج مبادرا.

    فقال: يا عبد المطلب إن هذا الغلام نبي هذه الأمة ولو لم أخرج إليك لخر علي ديري، فارجع به واحفظه لا يقتله بعض أهل الكتاب، ثم عالجه وأعطاه ما يعالجه به.

  10. هذا ورأيت في كتاب سماه مؤلفه «كريم الندماء ونديم الكرماء» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمد وهو صغير، فمكث أياما يشكو، فقال قائل لجده عبد المطلب: إن بين مكة والمدينة راهبا يرقي من الرمد، وقد شفى على يديه خلق كثير، فأخذه جده وذهب به إلى ذلك الراهب، فلما رآه الراهب دخل إلى صومعته فاغتسل ولبس ثيابه ثم أخرج صحيفة فجعل ينظر إلى الصحيفة وإليه صلى الله عليه وسلم، ثم قال: هو والله خاتم النبيين، ثم قال:

    يا عبد المطلب هو أرمد؟ قال نعم، قال: إن دواءه معه، يا عبد المطلب خذ من ريقه وضعه على عينيه فأخذ عبد المطلب من ريقه صلى الله عليه وسلم ووضعه على عينيه صلى الله عليه وسلم فبرئ لوقته ثم قال الراهب يا عبد المطلب وتالله هذا هو الذي أقسم على الله به فأبرأ المرضى وأشفى الأعين من الرمد فليتأمل، فإن تعدد الواقعة لا يخلو عن بعد، والله أعلم.