باب ما نال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من البلاء والجهد

٤ فقرات، ج ١ ص ١٥٤

  1. ثم إن قريشا مشوا إلى أبي طالب تارة أخرى فكلموه «١» ، وقالوا: ما نحن يا أبا طالب، وإن كنت فينا ذا منزلة بسنك وشرفك وموضعك، بتاركي ابن أخيك على هذا حتى نهلكه أو يكف عنا ما قد أظهر بيننا من شتم آلهتنا، وسب آبائنا، وعيب (٦٠) ديننا، فإن شئت فاجمع لحربنا، وإن شئت فدع، فقد أعذرنا إليك، وطلبنا التخلص من حربك وعداوتك فكل ما نظن أن ذلك مخلصاً، فانظر في أمرك، ثم اقض إلينا قضاك.

    ج ١ ص ١٥٤
  2. نا أحمد نا يونس عن ابن إسحق قال: حدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حدث أن قريشا حين قالت لأبي طالب هذه المقالة بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: يابن أخي إن قومك قد جاءوني فقالوا: كذا وكذا، للذي قالوا له، وآذوني قبل، فأبق علي وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق أنا ولا أنت، واكفف عن قومك ما يكرهون من قولك هذا الذي فرق بيننا وبينهم، فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد قدا لعمه فيه بداء، وأنه خاذله ومسلمه؛ وضعف عن نصرته والقيام معه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عم لو وضعت الشمس في يميني والقمر في يساري ما تركت الأمر حتى يظهره الله أو أهلك في طلبه، ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى، فلما ولى قال له- حين رأى ما بلغ الأمر برسول الله صلى الله عليه وسلم-: أقبل يا ابن أخي، فأقبل عليه، فقال: امض على أمرك وافعل ما أحببت، فو الله لا نسلمك بشيء أبداً.

  3. نا يونس عن طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله عن موسى بن طلحة قال:

    أخبرني عقيل بن أبي طالب قال: جاءت قريش إلى أبي طالب فقالوا: إن ابن أخيك هذا قد آذانا في نادينا ومسجدنا، فانهه عنا، فقال يا عقيل انطلق فائتيني بمحمد- صلى الله عليه وسلم، فانطلقت إليه، فاستخرجته من خيس «١» ، يقول بيت صغير، فجاء به في الظهيرة في شدة الحر، فجعل يطلب الفيء يمشي فيه من شدة الحر الرحض «٢» ، فلما أتاهم قال أبو طالب: إن بني عمك هؤلاء قد زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم ومسجدهم، فانته عن «٣» أذاهم، فحلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ببصره إلى السماء فقال أترون هذه الشمس؟ قالوا:

    نعم، قال: فما أنا بأقدر على أن أدع ذلك منكم على أن تستشعلوا منها شعلة فقال أبو طالب: والله ما كذبنا ابن أخي فارجعوا.

    ج ١ ص ١٥٥
  4. نا أحمد: نا يونس عن ابن اسحق: ثم قال أبو طالب من شعر قاله حين أجمع لذلك من نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والدفاع عنه على ما كان من عداوة قومه وفراقهم له:

    والله لن يصلوا إليه بجمعهم ... حتى أوسد في التراب دفينا

    إمضي لأمرك ما عليك غضاضة ... وابشر وقر بذاك منك عيوناً

    ودعوتني وعلمت أنك ناصح ... فلقد صدقت وكنت قديماً «٤» أمينا

    وعرضت ديناً قد عرفت بأنه ... من خير أديان البر دينا (٦١)

    لولا الملامة أو حذاري سبة ... لوجدتني سمحاً لذاك مبينا

    فلما قالت قريش: لقد سفه أحلامنا، وعاب ديننا، وسب آباءنا، فو الله لا نقر بهذا أبداً، وقام أبو طالب دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أحب الناس إليه، فشمر في شأنه، ونادى قومه، قال قصيدة تعوذ فيها منهم، وبأدأهم في آخرها، فقال:

    ج ١ ص ١٥٦لما رأيت القوم لا ود بينهم ... وقد قطعوا كل العرى والوسائل

    وقد صارحونا بالعداوة والأذى ... وقد طاوعوا أمر العدو المزايل

    وقد حالفوا قوماً علينا أظنة ... يعطون غيظاً خلفنا بالأنامل

    صبرت لهم نفسي بصفراء «١» سمحة ... وأبيض غضب من سيوف المقاول

    وأحضرت عند البيت رهطي وأسرتي ... وأمسكت من أثوابه بالوصائل

    عكوفاً معاً مستقبلين وتاره ... لدى حيث يقضي حلفه كل نافل

    وحيث ينيخ الأشعريون ركابهم ... بمفضى السيول بين ساف «٢» ونائل