ذكر طلب يهود أبي لبابة وما وقع له ونزول توبته
٤ فقرات، ج ٦ ص ٨
- ج ٦ ص ٨
قال أهل المغازي وجدّ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في حصارهم، فلمّا اشتدّ عليهم الحصار أرسلوا إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ليلة السبت أن ابعث إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر [ (٢) ] فنستشيره في أمرنا فأرسله إليهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فلما رأوه قام إليه الرّجال وبهش إليه النّساء والصّبيان يبكون في وجهه، فرقّ لهم، فقال كعب بن أسد: يا أبا لبابة، إنّا قد اخترناك على غيرك، إن محمدا قد أبى إلّا أن ننزل على حكمه أفترى أن ننزل على حكمه؟ قال نعم، وأشار بيده إلى حلقه أي أنه الذّبح. قال أبو لبابة: فو الله ما زالت قدماي عن مكانهما حتّى عرفت أنّي قد خنت الله ورسوله. فندمت واسترجعت فنزلت وإنّ لحيتي لمبتلّة من الدّموع، والنّاس ينتظرون رجوعي إليهم حتّى أخذت من وراء الحصن طريقا أخرى، حتى جئت إلى المسجد، ولم آت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فارتبطت وكان ارتباطي على الأسطوانة المخلقة التي يقال لها أسطوانة التّوبة، وقلت لا أبرح من مكاني حتّى أموت أو يتوب الله عليّ ممّا صنعت، وعاهدت الله تعالى بألا أطأ أرض بني قريظة أبدا ولا أرى في بلد خنت الله تعالى ورسوله- صلى الله عليه وسلّم- فيه أبدا،
وبلغ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ذهابي وما صنعت، فقال: «دعوه حتّى يحدث الله تعالى- فيه ما شاء، لو كان جاءني استغفرت له، فإذا لم يأتني وذهب، فدعوه» .
-
وأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنفال ٢٧] قال أبو لبابة: فكنت في أمر عظيم، في حر شديد عدّة ليال لا آكل فيهنّ ولا أشرب، وقلت: لا أزال هكذا حتّى أفارق الدّنيا، أو يتوب الله عليّ. وأذكر رؤيا رأيتها في النّوم ونحن محاصرون بني قريظة. كأنّي في حمأة آسنة، فلم أخرج منها حتّى كدت أموت من ريحها، ثمّ أرى نهرا جاريا فأراني اغتسلت فيه حتّى استنقيت وأراني أجد ريحا طيّبة فاستعبرتها أبا بكر فقال: لتدخلنّ في أمر تغتمّ له، ثمّ يفرج عندئذ، فكنت أذكر قول أبي بكر وأنا مرتبط، فأرجو أن ينزل الله تعالى- توبتي. قال: فلم أزل كذلك حتّى ما أسمع الصّوت من الجهد- ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- ينظر إليّ.
قال ابن هشام: أقام مرتبطا ستّ ليال تأتيه امرأته كلّ صلاة فتحلّه حتّى يتوضّأ ويصلي ثمّ يرتبط.
ج ٦ ص ٩وقال ابن عقبة: زعموا أنّه ارتبط قريباً من عشرين ليلة. قال في البداية: وهذا أشبه الأقاويل، وقال ابن إسحاق: أقام مرتبطا خمسا وعشرين ليلة. قال أبو عمر: روى ابن وهب عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر أن أبا لبابة ارتبط بسلسلة ربوض والرّبوض الثّقيلة- بضع عشرة ليلة حتّى ذهب سمعه فما يكاد يسمع، ويكاد يذهب بصره. وكانت ابنته تحلّه إذا حضرت الصّلاة أو أراد أن يذهب لحاجته فإذا فرغ أعادت الرباط. والظّاهر أنّ زوجته كانت تباشر حلّه مرّة وابنته مرّة.
-
وأنزل الله تعالى- في توبة أبي لبابة وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [التوبة ١٠٢] قال ابن إسحاق: حدّثني يزيد بن عبد الله بن قسيط: إن توبة أبي لبابة نزلت على رسول الله- صلى الله عليه وسلم من السحر وهو في بيت أم سلمة،
قالت أمّ سلمة: فسمعت رسول اللَّه- صلى الله عليه وسلم من السّحر وهو يضحك، قالت: فقلت: يا رسول الله ممّ تضحك؟ أضحك الله سنّك، قال: «تيب على أبي لبابة» قالت: فقلت أفلا أبشّره يا رسول الله؟ قال: بلى إن شئت»
قال:
فقامت على باب حجرتها- وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب- فقالت: يا أبا لبابة، أبشر فقد تاب الله عليك قالت: فسار النّاس إليه ليطلقوه، فقال: لا والله حتّى يكون رسول الله- صلى الله عليه وسلم- هو الّذي يطلقني بيده. فلمّا مرّ عليه خارجا إلى صلاة الصّبح أطلقه. قال السّهيليّ
وروى حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن علي بن الحسين- رضوان الله عليهم أجمعين- قال: أن فاطمة- رضي الله عنها. جاءت تحلّه فقال إنّي حلفت ألا يحلّني إلا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال النبي- صلى الله عليه وسلّم: «إن فاطمة بضعة مني»
قلت: علي بن زيد هو ابن جدعان ضعيف، وعلي بن الحسين روايته مرسلة-
قال أبو لبابة: يا رسول الله إنّ من توبتي أن أهجر دار قومي الّتي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي كلّه صدقة إلى الله وإلى رسوله. قال: «يجزئك الثّلث يا أبا لبابة»
-
[ (١) ] .