المرة الرابعة: عمارة سيدنا إبراهيم وإسماعيل صلى الله عليهما وسلم

٧٥ فقرة، ج ٢ ص ١٤٨

الصفحة ٢ من ٢

  1. فولدت لإسماعيل عشرة ذكور أحدهم نابت.

    ج ٢ ص ١٥٤
  2. بناء إبراهيم للبيت فلما بلغ إسماعيل ثلاثين سنة وإبراهيم يومئذ ابن مائة سنة أوحى الله تعالى إلى إبراهيم أن ابن لي بيتا. فقال إبراهيم: أي رب أين أبنيه؟ فأوحى الله- تعالى- إليه: أن اتبع السّكينة، وهي ريح لها وجه وجناحان، ومع إبراهيم الملك والصّرد، فانتهوا إلى مكة.

  3. وفي حديث ابن عباس: ثم لبث عنهم إبراهيم ما شاء الله تعالى ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلاً له تحت دوحة قريباً من زمزم، فلما رآه قام إليه فصنعا كما يصنع الولد بالوالد والوالد بالولد.

    قال معمر الراوي لحديث ابن عباس: وسمعت رجلاً يقول: إنهما بكيا حتى أجابتهما الطير. انتهى.

    ثم قال: يا إسماعيل أن الله تعالى أمرني بأمر. فقال: اصنع ما أمرك به. قال: وتعينني؟

    قال: وأعينك قال: فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتاً. وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها قال:

    فعند ذلك رفع القواعد من البيت.

  4. وفي حديث أبي جهم: فنزل إسماعيل إلى موضع البيت الذي بوّأه الله تعالى لإبراهيم وموضع البيت ربوة حمراء مدرة مشرفة على ما حولها، فحفر إبراهيم وإسماعيل صلى الله عليه وسلم وليس معهما غيرهما أساس البيت يريدان أساس آدم الأول، فحفرا عن ربض البيت، يعني حوله، فوجدا صخرة لا يطيقها إلا ثلاثون رجلا، وحفرا حتى بلغا أساس آدم صلى الله عليه وسلّم.

  5. وفي حديث ابن عباس عند الإمام أحمد بسند صحيح: أن القواعد التي رفعها إبراهيم كانت قواعد البيت قبل ذلك.

    ج ٢ ص ١٥٥
  6. وفي لفظ آخر: أن القواعد كانت في الأرض السابعة. رواه ابن أبي حاتم. انتهى.

    قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء، جاء بهذا الحجر، أي المقام، فوضعه له فقام عليه إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان: رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.

  7. وفي حديث: أبي جهم: وحلّقت السّكينة كأنها سحابة على موضع البيت فقالت: ابن عليّ. فلذلك لا يطوف بالبيت أحد أبداً كافر ولا جبّار إلا رأيت عليه السّكينة.

  8. فبنى إبراهيم البيت فجعل طوله في السماء تسعة أذرع وعرضه ثلاثين ذراعاً وطوله في الأرض اثنين وعشرين ذراعاً، وأدخل الحجر وهو سبعة أذرع في البيت، وكان قبل ذلك زرباً لغنم إسماعيل، وإنما بناه بحجارة بعضها على بعض ولم يجعل له سقفاً، وجعل له بابين وحفر له بئراً عند بابه خزانة للبيت يلقى فيها ما يهدى للبيت، وجعل الركن علماً للناس.

  9. فذهب إسماعيل إلى الوادي يطلب حجراً، ونزل جبريل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام بالحجر الأسود، وكان قد رفع إلى السماء حين غرقت الأرض لمّا رفع البيت، فنزل به جبريل فوضعه إبراهيم موضع الركن، وجاء إسماعيل بحجر من الوادي فوجد إبراهيم قد وضع الركن، فقال: من أين هذا الحجر؟ من جاءك به؟ قال إبراهيم: من لم يكلني إليك ولا إلى حجرك.

  10. ولما فرغ إبراهيم من بناء البيت وأدخل الحجر في البيت جعل المقام لاصقاً بالبيت عن يمين الداخل.

  11. وروى البيهقي عن وهب بن منبه- رحمه الله تعالى- قال: لمّا أغرق الله الأرض رفع البيت فوضع تحت العرش، ومكثت الأرض خراباً ألفي سنة، فلم تزل على ذلك حتى كان إبراهيم صلى الله عليه وسلم فأمره الله سبحانه وتعالى أن يبني بيته، فجاءت السّكينة كأنها سحابة فيها رأس يتكلم، ولها وجه كوجه الإنسان، فقالت: يا إبراهيم، خذ قدر ظلي فابن عليه ولا تزد شيئاً ولا تنقص. فأخذ إبراهيم قدر ظلّها ثم بنى هو وإسماعيل البيت، ولم يجعل له سقفاً، وكان الناس يلقون فيه الحليّ والمتاع، حتى إذا كاد أن يمتلئ اتّعد له خمسة نفر ليسرقوا ما فيه، فقام كل واحد على زاوية واقتحم الخامس فسقط على رأسه فهلك، وبعث الله سبحانه- عند ذلك حيّة

    ج ٢ ص ١٥٦بيضاء سوداء الرأس والذنب، فحرست البيت خمسمائة عام لا يقربه أحد إلا أهلكته، فلم تزل كذلك حتى بنته قريش.

  12. وروى الأزرقي عن عثمان بن ساج [ (١) ]- رحمه الله تعالى- قال: بلغنا- والله تعالى أعلم- أن خليل الله- سبحانه وتعالى- عرج به إلى السماء، فنظر إلى الأرض: مشارقها ومغاربها، فاختار موضع الكعبة، فقالت له الملائكة: يا خليل الله اخترت حرم الله في الأرض فبناه من سبعة أجبل، ويقولون خمسة، فكانت الملائكة تأتي بالحجارة إلى إبراهيم من تلك الجبال.

  13. وروى الأزرقي عن علي- رضي الله تعالى عنه- وعن مجاهد، وعن بشر بن عاصم [ (٢) ] متفرقين، أن إبراهيم- عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- أقبل من إرمينية

    - وقال مجاهد: من الشام. ومعه السّكينة والملك والصّرد دليلا، يتبوّأ البيت كما تتبوّأ العنكبوت بيتها، فحفر فأبرز عن أسّها أمثال خلفة الإبل لا يحرك الصخرة إلا ثلاثون رجلا ثم قال الله تعالى: «قم فابن لي بيتاً» قال: يا رب وأين أبني؟ فبعث الله- سبحانه وتعالى- سحابة فيها رأس تكلّم إبراهيم، فقالت: يا إبراهيم، إن ربك يأمرك أن تخطّ قدر هذه السحابة، فجعل ينظر إليها ويأخذ قدرها، فقال له الرأس: قد فعلت.

  14. وفي لفظ: فقالت السكينة: يا إبراهيم ربضت على البيت؟ قال: نعم. فارتفعت السحابة، فأبرز عن أسّ ثابت في الأرض، فبناه إبراهيم، فلذلك لا يطوف بالبيت ملك من جبابرة الملوك ولا أعرابي جلف إلا وعليه السكينة والوقار.

  15. وروى الأزرقي عن قتادة رحمه الله تعالى قال: ذكر لنا أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم بني البيت من خمسة أجبل: من طور سيناء، وطور زيتا، ولبنان، والجودي، وحراء.

    قال السهيلي رحمه الله تعالى: انتبه لحكمة الله تعالى كيف بناها من خمسة أجبل، فشاكل ذلك معناها، إذ هي قبلة الصلوات الخمس عمود الإسلام الذي بني على خمس، وكيف دلّت عليه السكينة إذ هي قبلة الصلوات الخمس والسكينة من شأن الصلاة.

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وائتوها وعليكم السّكينة»

  16. [ (٣) ] .

  17. وروى الأزرقي عن ابن إسحاق أن الخليل صلى الله عليه وسلم لما بنى البيت جعل طوله في السماء

    ج ٢ ص ١٥٧تسعة أذرع، وعرضه في الأرض اثنين وثلاثين ذراعاً من الركن الأسود إلى الركن الشامي الذي عنده الحجر، وجعل عرض ما بين الركن الشامي إلى الركن الغربي اثنين وعشرين ذراعاً، وجعل طول ظهرها من الركن الغربي إلى الركن اليماني أحدا وثلاثين ذراعاً، وجعل عرض سقفها اليماني من الركن الأسود إلى الركن اليماني عشرين ذراعاً، وجعل بابها بالأرض غير مبوّب، وجعل جبّاً على يمين من دخله يكون خزانة للبيت.

  18. وذكر ابن الحاج المالكي [ (١) ]- رحمه الله تعالى- في مناسكه شيئاً من خبر بناء إبراهيم البيت، ثم قال: وكان صفة بناء إبراهيم البيت أنه كان مدوّراً من ورائه، وكان له ركنان وهما اليمانيان، فجعلت له قريش حين بنوه أربعة أركان. انتهى.

  19. إبراهيم يؤذن بالحج قال أبو جهم: وأمر إبراهيم بعد فراغه من البناء أن يؤذّن في الناس بالحج، فقال: يا رب، وما يبلغ صوتي؟ قال الله جل ثناؤه: «أذّن وعليّ البلاغ» .

  20. فارتفع على المقام- وهو يومئذ ملصق بالبيت- فارتفع به المقام حتى كان أطول الجبال، فنادى وأدخل إصبعيه في أذنيه، وأقبل بوجهه شرقاً وغرباً يقول: أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق، فأجيبوا ربّكم عز وجل. فأجابه من تحت البحور السبعة ومن بين المشرق والمغرب إلى منقطع التراب من أطراف البيت كلها: لبيك اللهم لبيك. أفلا تراهم يأتون يلبّون؟ فمن حج من يومئذ إلى يوم القيامة فهو ممن استجاب لله عز وجل وذلك قوله تعالى: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ يعني نداء إبراهيم على المقام بالحج، فهي الآية.

    قال محمد بن عمر الأسلمي راويه رحمه الله تعالى: وقد روى أن الآية هي أثر إبراهيم على المقام.

  21. وروى الفاكهي [ (٢) ] بإسناد صحيح عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: قام إبراهيم على الحجر فقال: يا أيها الناس، كتب عليكم الحج. فاستمع من في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فأجابه من كان سبق في علم الله أنه يحج إلى يوم القيامة: لبيك اللهم لبيك.

  22. وروي أيضا عنه قال: والله ما بناه بقصّة ولا مدر، ولا كان لهما من السعة والأعوان ما يسقّفانه.

    ج ٢ ص ١٥٨
  23. وروى أيضا عن علي- رضي الله تعالى عنه- قال: كان إبراهيم يبني كل يوم ساقاً.

  24. القصّة بالفتح: الجير. الساق: العرق من الحائط.

  25. وروى ابن أبي شيبة وابن منيع وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم- وصححه- والبيهقي عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: لما فرغ إبراهيم صلى الله عليه وسلم من بناء البيت قال: يا رب، قد فرغت. قال: أذن في الناس بالحج. قال: يا رب، وما يبلغ صوتي؟ قال: أذّن وعليّ البلاغ. قال: يا رب كيف أقول؟ قال: قل: يا أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق. فسمعه من في السماء ومن في الأرض، ألا ترى أنهم يأتون من أقصى الأرض يلبّون؟.

  26. وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: لما أمر الله- سبحانه وتعالى- إبراهيم أن يؤذّن بالحج صعد أبا قبيس فوضع إصبعيه في أذنيه، ثم نادى: يا أيها الناس، إن الله كتب عليكم الحجّ، فأجيبوا ربكم. فأجابوه بالتلبية في أصلاب الرجال وأرحام النساء، وأول من أجاب أهل اليمن، فما من حاجّ يحج من يومئذ إلى أن تقوم الساعة ألا من كان أجاب يومئذ إبراهيم.

  27. إبراهيم يتعلم مناسك الحج قال أبو جهم: فلما فرغ إبراهيم من الأذان ذهب به جبريل فأراه الصّفا والمروة، وأقامه على حدود الحرم، وأمره أن ينصب عليه الحجارة، ففعل ذلك إبراهيم وكان أول من أقام أنصاب الحرم ويريه إياها جبريل.

  28. فلما كان اليوم السابع من ذي الحجة خطب إبراهيم صلى الله عليه وسلم بمكة حين زاغت الشمس قائماً وإسماعيل جالس، ثم خرجا من الغد يمشيان على أقدامهما يلبيان محرمين مع كل واحد منهما إداوة يحملها وعصا يتوكأ عليها، فسمى ذلك اليوم يوم التروية.

  29. وأتيا منى فصلّيا بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، وكانا نزلا من الجانب الأيمن ثم أقاما حتى طلعت الشمس على ثبير، ثم خرج إبراهيم يمشي هو وإسماعيل حتى أتيا عرفة وجبريل معهما، يريهما الأعلام حتى نزلا بنمرة، وجعل يريه أعلام عرفات، وكان إبراهيم قد عرفها قبل ذلك، فقال إبراهيم: عرفت. فسّميت عرفات.

  30. فلما زاغت الشمس خرج بهما جبريل حتى انتهى بهما إلى موضع المسجد اليوم، فقام إبراهيم فتكلم بكلمات وإسماعيل جالس، ثم جمع بين الظهر والعصر ثم ارتفع بهما جبريل إلى

    ج ٢ ص ١٥٩الهضبات فقاما على أرجلهما يدعوان إلى أن غابت الشمس وذهب الشّعاع، ثم دفعا من عرفة على أقدامهما حتى انتهيا إلى جمع، فنزلا فصليا المغرب والعشاء في ذلك الموضع الذي يصلّى فيه اليوم، ثم باتا فيه حتى إذا طلع الفجر وقفا على قزح، فلما أسفرا قبل طلوع الشمس وقفا على أرجلهما حتى انتهيا إلى محسّر، فأسرعا حتى قطعاه ثم عادا إلى مشيهما الأول، ثم رميا جمرة العقبة بسبع حصيات حملاها من جمع، ثم نزلا من منى فجراً في الجانب الأيمن، ثم ذبحا في المنحر اليوم وحلقا رؤوسهما، ثم أقاما أيام منى يرميان الجمار حين ترتفع الشمس ماشيين وراجعين، وصدرا يوم الصّدر فصليا الظهر بالأبطح، وكل هذا يريه جبريل صلى الله عليه وسلم.

  31. فلما فرغ إبراهيم من الحج انطلق إلى منزله بالشام، وكان يحج البيت كلّ عام، وحجّته سارة، وحجه إسحاق ويعقوب والأسباط والأنبياء وهلم جرا، وحجّه موسى بن عمران.

  32. ثم توفىّ الله- تعالى- خليله بعد أن وجه إليه ملك الموت فاستنظره إبراهيم، ثم أعاده إليه لما أراد الله تعالى قبضه، فأخبره بما أمر به فسلّم لأمر ربه. فقال له ملك الموت: يا خليل الله على أي حال تحب أن أقبضك؟ قال: تقبضني وأنا ساجد. فقبضه وهو ساجد.

  33. ودفن إبراهيم صلى الله عليه وسلم بالشام.

  34. وعاش إسماعيل بعد أبيه ما عاش وتوفي بمكة فدفن بالحجون مما يلي باب الكعبة، وهناك قبر أمه هاجر دفن معها، وكانت توفيت قبله.

  35. انتهى حديث أبي جهم.