الباب الثالث عشر في قصة إهلاك أصحاب الفيل
٥٦ فقرة، ج ٢ ص ٢١٤
الصفحة ٢ من ٢
- ج ٢ ص ٢٢٠
وولّى أبرهة ومن تبعه يريد بلاده، فكلما دخل أرضاً وقع منه عضو حتى انتهى إلي بلاد خثعم وليس عليه غير رأسه فمات. وأفلت وزيره وطائره يتبعه حتى وصل إلى النجاشي فأخبره بما جرى للقوم، فلما فرغ رماه الطير بحجره فمات بين يدي الملك.
-
وروى سعيد بن منصور عن عكرمة رحمه الله تعالى أن رؤوس هذه الطيور مثل رؤوس
ج ٢ ص ٢٢١السباع لم تر قبل ذلك ولا بعده، فأثرت في جلودهم فإنه لأول ما رئي الجدري.
-
وروى أيضا عن عبيد بن عمير [ (١) ] رحمه الله تعالى أنها كالخطاطيف بلق.
-
وروى عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: دعا الله تعالى الطير الأبابيل فأعطاها حجارة سوداً عليها الطين، فلما حاذتهم صفّت عليهم ثم رمتهم، فما بقي منهم أحد إلا أخذته الحكّة فكان لا يحك إنسان منهم جلده إلا تساقط لحمه.
-
وروى الفريابيّ [ (٢) ] وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عبيد بن عمير رحمه الله تعالى أنها خرجت من قبل البحر كأنها رجال الهند معها حجارة أمثال الإبل البوارك، وأصغرها مثل رؤوس الرجال، لا تريد أحداً منهم إلا أصابته ولا أصابته إلا قتلته. والأبابيل: المتتابعة.
-
وروى أبو نعيم عن نوفل بن معاوية الدّيلي [ (٣) ] رضي الله تعالى عنه قال: رأيت الحصى التي رمي بها أصحاب الفيل، حصى مثل الحمص وأكبر من العدس حمر مختمة كأنها جزع ظفار.
-
وروى أيضا عن حكيم بن حزام رضي الله تعالى عنه قال: كانت في المقدار بين الحمصة والعدسة حصى به نضح أحمر مختّم كالجزع.
-
وروى ابن إسحاق والواقدي وأبو نعيم والبيهقي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
لقد رأيت قائد الفيل وسائسه أعميين مقعدين يستطعمان الناس.
-
وروى أبو نعيم وابن مردويه عن أبي صالح رحمه الله تعالى أنه رأى عند أم هانئ بنت أبي لهب من تلك الحجارة نحواً من قفيز مخطّطة كأنها جزع ظفار مكتوب في الحجر اسمه واسم أبيه.
قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى: وليس كلهم أصيب. وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق الذي جاءوا منه يسألون عن نفيل بن حبيب ليدلّهم على الطريق، فقال نفيل بن حبيب في ذلك:
أين المفرّ والإله الغالب ... والأشرم المغلوب ليس الغالب
ج ٢ ص ٢٢٢وخرجوا يتساقطون بكل طريق ويهلكون على كل منهل.
-
وأصيب أبرهة في جسده وخرجوا به معهم يسقط منه أنملة أنملة، كلما سقطت أنملة أتبعتها مدّة ودم وقيح حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر فما مات حتى انصدع قلبه.
-
ولما أصبح عبد المطلب أشرف ومعه أبو مسعود يقوده. فقال له أبو مسعود: انظر نحو البحر. قال: أرى طيراً بيضا. فقال: ارمقها ببصرك أين قرارها؟ قال: قد دارت فوق رؤوسنا.
قال: هل تعرفها؟ قال: لا. قال: ما هي بنجدية ولا تهامية ولا يمانية ولا شاميّة وإنها لطير بأرضنا غير مؤنسة. قال: ما قدرها؟ قال: أمثال اليعاسيب في مناقيرها الحصى كحصى الخذف وهي أبابيل يتبع بعضها بعضاً، أمام كل رفّة منها طائر يقودها أحمر المنقار أسود الرأس طويل العنق، حتى إذا جازت عسكر القوم ركدت فوق رؤوسهم. فقال أبو مسعود: لأمر ما هو كائن.
-
ثم أن عبد المطلب أرسل ابناً له على فرس له سريع لينظر ما جرى للقوم فذهب الفرس نحوهم فرآهم مشدّخين جميعاً فرجع يرفع فرسه كاشفاً عن فخذه فلما رأى ذلك عبد المطلب قال: إن ابني لأفرس العرب وما كشف عن عورته إلا بشيراً أو نذيراً. فلما دنا منهما قالا له: ما وراءك؟ قال: هلكوا جميعاً. فانحطّا من الجبل ربوة أو ربوتين فلم يؤنسا أحداً، فلما دنيا من المعسكر وجدا القوم خامدين، فعمد عبد المطلب وأخذ فأساً وحفر حتى أعمق في الأرض وملأ من الذهب والجوهر وحفر أيضاً لصاحبه حفيرة وملأها كذلك، وجلس كل واحد على حفرته، ونادى عبد المطلب في الناس فتراجعوا وأصابوا من ذلك ما ضاقوا به ذرعاً.
-
وازداد عبد المطلب عظماً لعدم خروجه من مكة.
-
وأرسل الله سبحانه وتعالى سيلاً عظيماً فاحتمل جثث الحبشة فألقاهم في البحر.
-
ولما أهلك الله تعالى الحبشة عظّمت العرب قريشاً وقالوا: أهل الله تعالى، قاتل عنهم وكفاهم مؤنة عدوّهم وقالوا في ذلك أشعاراً كثيرة، منها قول عبد المطلب كما ذكره البلاذري [ (١) ] ورجح الزبير أنها لمغيرة:
قلت والأشرم يردي خيله ... إنّ ذا الأشرم غرّ بالحرم
رامه تبّع فيمن جمّعت ... حميرٌ والحيّ من آل قدم
ج ٢ ص ٢٢٣فانثنى عنه وفي أوداجه ... جارضٌ أمسك منه بالكظم [ (١) ]
نحن آل الله في بلدته ... لم نزل فيها على عهد إبرهم
أشار عبد المطلب إلى قصه تبّع، وخلاصتها- كما ذكر ابن إسحاق رحمه الله تعالى وغيره: أن تبّعاً لما توجه راجعاً لبلاده أتاه نفر من هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر فقالوا له:
أيها الملك ألا ندلك على بيت مال داثر أغفلته الملوك قبلك، فيه اللؤلؤ والزبرجد والياقوت والذهب والفضة؟ قال: بلى. قالوا: بيتٌ بمكة. وإنما أراد الهذليون هلاكه بذلك، لما عرفوا من هلاك من أراده بسوء وبغى عنده. فراح تبّع وهو مجمع لهدم البيت فبعث الله تعالى عليهم ريحاً فعقفت يديه ورجليه وشنجت جسده، فأرسل إلى من كان معه من يهود فقال: ويحكم ما هذا الذي أصابني. فقالوا: أحدثت شيئاً. فقال: ما أحدثت؟ فقالوا: حدثت نفسك بشيء. قال:
نعم. فذكر ما أجمع عليه من هدم البيت وإصابة ما فيه. قالوا: ذاك بيت الله الحرام ومن أراده هلك. قال: ويحكم وما المخرج مما دخلت فيه؟ قالوا: تحدّث نفسك أن تطوف به وتكسوه وتعظمه. فحدث نفسه بذلك فأطلقه الله تعالى، فسار حتى دخل مكة فطافه وسعى بين الصفا والمروة وحلق رأسه، وأقام بمكة ستة أيام ينحر فيها للناس ويطعم أهلها ويسقيهم العسل.
-
وأري في المنام أن يكسوه فكساه الخصف، ثم أري أن يكسوه أحسن من ذلك فكساه المعافر، ثم أري أن يكسوه أحسن من ذلك فكساه الملاء والوصائل. وذكر القصة.