تنبيه:

١٤ فقرة، ج ١١ ص ٣٢٥

  1. الإجماع على أن النبي أفضل من غير النبي، وقد اختلفوا في مريم: هل هي نبية أم لا؟ وكذلك في أم موسى وآسية وحواء وسارة، ولم يصح عندنا في ذلك شيء وقد يشهد لنبوة مريم ذكرها في سورة مريم مع الأنبياء، وهي قرينة فإذا ثبتت نبوة امرأة، فإما أن يكون عاما مخصوصا، وإما أن يكون المراد نساء هذه الأمة وفي الحديث: «لم يكمل من النساء إلا أربع» ذكر منهن مريم وخديجة. ولا شك أن خديجة ليست نبية فلا دلالة في الحديث على كون مريم نبية أو ليست نبية، وبقي بحث وهو أن الآية الكريمة نصت على الإفراد بقوله: يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ [الأحزاب ٣٢] وهو عام لأنه نكرة في سياق النفي، ولا شك أنه إذا أخذ واحد واحد كان مفضلا عليه، وإذا أخذ المجموع لم يلزم ذلك فيه وإذا أخذت جملة من آحاد المجموع احتمل أن يقال: إن حد العموم يشملها، ولا يخرج عنها إلا المجموع بضرورة التبعيض، فهذا البحث ينبغي أن ينظر فيه ويعمل ما يقتضيه ولا شك أنك إذا قلت: ما جاءني من أحد من النساء اقتضى نفي مجيء كل واحد منهم مطابقة، واقتضى نفي المجموع التزاما، وأما اقتضاؤه لنفي مجيء جملة منهم فهو بالالتزام كالمجموع، وقد قال القرافي: إن الضمائر عامة والظاهر أنه يحسب ما يعود عليه وهي هنا لجمع مضاف، فهي بجنسه وهو عام يدل ظاهرا على كل فرد ويحتمل المجموع، فضميره كذلك، فإن جعلناه للمجموع فمعناه أن جملة نساء النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من كل جمع من النساء قل أو كثر، وهذا نتيجة البحث المتقدم، فإن أحدا يجيء هنا بمعنى بعض، فهو وإن جعلناه لكل فرد فمعناه أن كل واحدة منهن مفضلة على جمع من النساء، على البحث المتقدم. وأما تفضيل كل واحدة منهن على مجموع النساء سواهن فاللفظ ساكت عنه، وقد ظهر من هذا أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم مفضلات على نساء هذه الأمة، وكذا على نساء سائر الأمم: إن جعل اللفظ على عمومه إن لم يكن في النساء نبية لكن في هذا إشكال من ثلاثة أوجه:

    ج ١١ ص ٣٢٦الأول: أن فاطمة رضي الله عنها أفضل كما سنبينه. دل اللفظ بها أو نقول: إنها داخلة في نساء النبي صلى الله عليه وسلم لأنها ابنته وهي داخلة معهن في اسم النساء في الجملة، والإضافة مختلفة فيها معنى النبوة وفيهن بمعنى الزوجية.

    ج ١١ ص ٣٢٥
  2. الثاني: أن الخطاب للنساء الموجودات حين نزول الآية، فيلزم أنهن أفضل من خديجة، ولا خلاف أن خديجة رضي الله عنه أفضل منهن بعد عائشة، وجوابه: أن خديجة داخلة في جملة نساء النبي صلى الله عليه وسلم وإن لم تكن مخاطبة لكن دل الخطاب على أن التفضيل إنما حصل للمخاطبات لكونهنّ نساء النبي حاصل فيها فلا تخرج عن حكمه.

  3. الثالث: أن يلزم تفضيل حفصة وأم سلمة وزينب وميمونة وسودة وجويرية، وأم حبيبة على نساء سائر الأمم إذا جعلنا النساء للعموم ولا شك أن مريم أفضل من هؤلاء الثمان للحديث:

    «لم يكمل من النساء أربع» فذكر مريم وخديجة وجوابه: إنا نلتزم التخصيص لذلك، وعند هذا أقول: أن الآية تضمنت تعظيم قدر النبي صلى الله عليه وسلم بأمور منها: أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً [الأحزاب ٢٩] وكلهن محسنات فعلمنا أن الله أعد لهن أجرا عظيما عنده، ويصغر في عين العظيم العظائم فمعظم الأجر المعد لهن لا يعلمه إلا الله.

  4. ومنها أنهن يؤتين أجرهن مرتين، ولهذا لم يحصل لغيرهن إلا للثلاثة المذكورات في القرآن والحديث.

  5. ومنها إعداد الله عز وجل لهن رزقا كريما، والشهداء أثنى عليهم بأنهم عند ربهم يرزقون، وهؤلاء زادهن مع الرزق كونه كريما.

  6. ومنها المعاونة (بينهن وبين) [ (١) ] غيرهن وإرادته تعال بإذهاب الرجس عنهن، وتطهيرهن تطهيرا مؤكدا، وما يتلى في بيوتهن من آيات الله والحكمة، وليس في الآية إلا ذلك، وشرفهن بانتسابهن إليه عليه الصلاة والسلام وأناقة قدرهن بذلك حتى تفارق صفاتهن صفات غيرهن، وليس في الآية تصريح بما أراده الفقهاء، وتكلفوا فيه من التفضيل حتى يتكلف النظر بينهن وبين مريم، فنقول ما قاله الله تعالى بقوله، ونسكت عما سكت عنه، وزعم بعضهم أن أفضل الصحابة زوجاته عليه الصلاة والسلام، لأنهن معه في درجته التي هي أعلى الدرجات، وهذا قول ساقط مردود، وأما فاطمة وخديجة ثم عائشة، رضي الله عنهن فقال البلقيني في «فتاويه» :

    الذي نختاره أن فاطمة أفضل ثم خديجة ثم عائشة، للحديث الصحيح،

    وأنه قال لفاطمة: «أما ترضين أن تكوني سيدة نساء هذه الأمة وسيدة نساء المؤمنين»

  7. وفي النسائي مرفوعا: «أفضل

    ج ١١ ص ٣٢٧نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد»

  8. سنده صحيح، فالحديث صريح في أنها وأمها أفضل نساء أهل الجنة، والحديث الأول يقتضي فضل فاطمة على أمها،

    وفي حديث آخر «فاطمة بضعة مني»

  9. وهو يقتضي تفضيل فاطمة على جميع نساء العالم ومنهن خديجة وعائشة رضي الله عنها وبقية بنات النبي صلى الله عليه وسلم.

  10. وروي عن الشعبي عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها قالت: حدثتني فاطمة، قالت: أسر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن جبريل كان يعارضني بالقرآن كل سنة مرة، وإنه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا قد حضر أجلي وإنك أول أهل بيتي لحوقا بي، ونعم السلف أنا لك، قالت: فبكيت، فقال: ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء هذه الأمة ونساء المؤمنين؟

  11. فضحكت» .

  12. وروى البزار عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عن فاطمة: «هي خير بناتي إنها أصيبت في» .

  13. وأما تفضيل خديجة على عائشة فقد جاء فيه أحاديث بسطتها في «الفيض الجاري» .

  14. وأما بقية بنات النبي صلى الله عليه وسلم مع بقية نسائه فبقية بناته أفضل، ويشهد لذلك ما ذكره ابن عبد البر في ترجمة رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: في الحديث الصحيح عن سعيد بن المسيب قال: أم عثمان من رقية، وأم حفصة من زوجها. انتهى وفي الصحيح: خير نسائها مريم، وخير نسائها خديجة بنت خويلد والضمير قيل: إنه للسماء والأرض ويؤيده ما ورد من الإشارة إليهما ويحتمل أن الضمير لمريم، وخديجة على أنهما سيدتان وإضافة النساء إليهم كإضافتهن في قوله: أو نسائهن. ويعود شرحه إلى معنى نساء زمانها وفي الصحيح: «ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة» وفي غير الصحيح: «ما أبدلني الله خير منها، وهي أول من آمن بي، وظهر عنها من النور والخير ما لا خفاء فيه» ، وفي الحديث: «إني رزقت حبها» وبقيت [ (١) ] المفاضلة بينها وبين مريم بنت عمران، فإن قلنا بنبوة مريم كانت أفضل من فاطمة وإن قلنا: ليس بنبية احتمل أنها أفضل، للاختلاف في نبوتها، واحتمل التسوية بينهما، تخصيصا لهما بأدلتهما الخاصة من بين النساء، واحتمل تفضيل فاطمة عليها، وعلى غيرها لما تقدم، وسيأتي لهذا مزيد بيان في الكلام على زوجاته صلى الله عليه وسلم.