الرابع: في سعة علمه - رضي الله تعالى عنه - ولذا سمى الحبر

٢٣ فقرة، ج ١٢ ص ١٢٢

  1. روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم ألف حديث وستمائة حديث وستون حديثا، اتّفق البخاري ومسلم منها على خمسة وتسعين حديثا، وانفرد البخاري بمائة وعشرين ومسلم بتسعة وأربعين.

    ج ١٢ ص ١٢٢
  2. وروى البيهقي في مناقب الشافعي، إنه لم يثبت عن ابن عباس في التفسير إلا نحو مائة حديث.

  3. وروى عنه ابن عمر وأنس وأبو الشعثاء وأبو أمامة بن سهل، ومن التابعين خلائق لا يحصون.

    ج ١٢ ص ١٢٣
  4. قال الإمام أحمد وغيره، وهو أكثر الصحابة فتوى، وقال مجاهد: لكن يسمى الحبر من كثرة علمه، ومن كلامه: لو أن جبلا بغى على جبل لجعل الله الباغي دكا وكان يأخذ بطرف لسانه فيقول: ويحك، قل خيرا تغنم، واسكت عن الشر تسلّم، فقيل له في ذلك فقال: بلغني أن العبد يوم القيامة ليس هو على شيء أحق منه على لسانه. وقال: لما ضرب الدينار والدرهم، أخذه إبليس فوضعه على عينيه وقال: أنت ثمرة قلبي وقرة عيني، بك أطغى وبك أدخل النار وبك أكفر، رميت من بني آدم أن يحب الدنيا، فإنه من أحبها عبدني، أو قال: تعبد لي، وهذا صحيح، فإن حب الدنيا والدرهم رأس كل خطيئة.

    وقال: ما ظهر البغي في قوم إلا وظهر فيهم الموتان، وقال في قوله تعالى: إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء/ ٨٩] شهادة أن لا إله إلا الله، وقال: ما من مؤمن ولا فاجر إلا وقد كتب الله رزقه من الحلال، فإن صبر حتى يأتيه الله- عز وجل-، وإن جزع فتناول شيئا من الحرام نقصه الله من رزقه من الحلال.

    وقال: يلتقي الخضر وإلياس كلّ عام في الموسم فيحلق كل واحد منهما رأس صاحبه ويفترقان عن هؤلاء الكلمات: بسم الله، ما شاء الله، لا يسوق الخير إلا الله، بسم الله، ما شاء الله، لا يصرف السوء إلا الله، بسم الله، ما شاء الله، ما كان من نعمة فمن الله، بسم الله، ما شاء الله، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم من تلاها حفظ من كل آفة وعاهة وعدو وظالم وشيطان وسلطان وحية وعقرب، وما يقولها أحد في يوم عرفة عند غروب الشمس إلا ناداه الله، أي عبدي قد أرضيتني ورضيت عنك فسلني ما شئت، فوعزتي وجلالي لأعطينك.

    وقال: حياة المريض أول مرة سنّة، وما ازدادت منافلة.

  5. وروى سعيد بن منصور وابن سعد والبخاري وابن جرير وابن المنذر والطبراني وغيرهم عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- قال: كان عمر يدخلني في أشياخ بدر وفي لفظ: يأذن لأهل بدر ويأذن لي معهم، فقال بعضهم: لم تدخل هذا الفتى معنا، ولنا أبناء مثله فقال: أنتم ممن قد علمتم، فدعاهم ذات يوم ودعاني معهم وما أراه دعاهم يومئذ إلا ليريهم منّي، فقال: ما تقولون في قوله تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر/ ١] حتى ختم السورة فقال بعضهم: أمرنا الله- عز وجل- أن نحمده، ونستغفره إذ جاء نصر الله وفتح علينا.

    وقال بعضهم: لا ندري وقال بعضهم: لم يقل شيئا، فقال لي: يا ابن عباس كذاك تقول:

    قلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه الله- عز وجل- إِذا جاءَ

    ج ١٢ ص ١٢٤نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً [النصر/ ٢] والفتح: - فتح مكة- فذاك علامة أجلك، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً [النصر/ ٣] فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما يعلم هذا، كيف تلومونني عليه بعد ما ترونه؟!.

  6. وروى ابن الجوزي أن عمر بن الخطاب قال لابن عباس- رضي الله تعالى عنه-: إنك والله لأصح فتياننا وجها، وأحسنهم عقلا، وأفقههم في كتاب الله- عز وجل-.

  7. وروى عن ابن مسعود- رضي الله تعالى عنه- قال: نعم ترجمان القرآن ابن عباس وعاش بعد ابن مسعود- رضي الله تعالى عنه- نحو خمس وثلاثين سنة، فشدت إليه الرحال وقصد من جميع الأقطار.

  8. وروى عن طاووس قال: أدركت خمسمائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكروا ابن عباس فخالفوه لم يزل يقررهم حتى ينتهوا إلى قوله.

  9. وروى عن مجاهد قال: ما سمعت فتيا أحسن من فتيا ابن عباس إلا أن يقول: قال رسول الله.

  10. وروى ابن عمر عن يزيد بن الأصم قال: خرج معاوية حاجا ومعه ابن عباس، وكان لابن عباس موكب ممن يطلب العلم.

  11. وروى الطبراني برجال الصحيح عن عبد الملك بن ميسرة قال: جالست سبعين أو ثمانين شيخا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحب [ (١) ] أحد منهم خالف ابن عباس فيلتقيان إلا قال: القول كما قلت، أو قال: صدقت.

  12. وروى أيضا عن مسروق والأعمش قالا: كنت إذا رأيت ابن عباس قلت: أجمل الناس، وإذا تكلم قلت: أفصح الناس، وإذا تحدث قلت: أعلم الناس. زاد الأعمش وإذا سكت قلت:

    أعلم الناس.

  13. وروى أيضا عن سفيان عن أبي وائل قال: خطبنا ابن عباس وهو على الموسم فافتتح سورة النور، وفي لفظ البقرة، فجعل يقرأ ويتغير، فجعلت أقول: ما رأيت ولا سمعت كلام رجل مثله ولو سمعته فارس والروم والقرى لأسلمت.

  14. وروى الطبراني عن الحسن قال: كان ابن عباس يقوم على منبرنا هذا، أحسبه قال:

    عشية عرفة فيقرأ بالبقرة وآل عمران فيفسرها، وفي رواية: ثم يفسرها آية آية وكان يتجه نجدا غربا.

  15. وروى الطبراني عنه أن عمر- رضي الله تعالى عنه- قال: كان إذا ذكر ابن عباس يقول ذاكم فتى الكهول له لسان سؤول وقلب عقول وفي رواية إن له لسانا سؤولا وقلبا عقولا.

    ج ١٢ ص ١٢٥
  16. وروى ابن الجوزي عن عمرو بن دينار أن رجلا سأل ابن عمر عن السماوات كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما [الأنبياء/ ٣٠] قال: فاذهب إلى ذلك الشيخ فسأله فقال: كانت السماوات رتقا لا تمطر والأرض رتقا لا تنبت ففتق هذه بالمطر وفتق هذه بالإنبات، فرجع الرجل إلى ابن عمر- رضي الله تعالى عنه- فأخبره فقال: أن ابن عباس قد أوتي علما حدث هكذا كانت ثم قال ابن عمر: كنت أقول ما يعجبني جراءة ابن عباس على تفسير القرآن فالآن قد علمت أنه أوتي علما وحكمة أو كما قال.

  17. وروى أيضا الطبراني برجال الصحيح عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنه- قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلّم قلت لرجل من الأنصار: هلم فلنتعلم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم اليوم كثير، فقال: العجب والله يا ابن عباس! أترى الناس يحتاجون إليك وفي الناس من ترى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فركبت ذلك وأقبلت على المسألة وتتبع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم فإن كنت لآتي الرجل في الحديث يبلغني أنه سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلّم فأجده راقدا فأتوسد ردائي على باب داره تسفي الرياح على وجهي حتى يخرج إلي، فإذا رآني قال: يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلّم مالك؟ قلت: حديث بلغني أنك تحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم فأحببت أن أسمعه منك فيقول: هلا أرسلت إلى فآتيك، فأقول: أنا كنت أحق أن آتيك وكان ذلك الرجل يراني، وقد ذهب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم وقد احتاج الناس إلى منقول، أنت أعلم مني.

  18. وروي عن عمرو بن دينار قال: ما رأيت مجلسا أجمع لكل خير من مجلس ابن عباس، الحلال والحرام، والعربية والأنساب والشعر.

  19. وروى الحربي عن عطاء قال: كان ناس يأتون ابن عباس في الشعر والأنساب وأناس لأيام العرب في وقائعها وأناس للعلم فما منهم نصف إلا يقبل عليهم بما شاءوا.

  20. وروى ابن عمر عن طاوس- رحمه الله تعالى- قال: كان ابن عباس قد سبق الناس في العلم كما تسبق النخلة السحوق على الودي الصغار.

  21. وروى أيضا عن عبد الله بن عبد الله قال: «ما رأيت أحدا كان أعلم بالنسبة، ولا أجله رأيا ولا أثقب نظرا من ابن عباس، ولقد كان عمر- رضي الله تعالى عنه- يعده للمعضلات مع اجتهاد عمر ونظره للمسلمين.

  22. وروى أيضا عن القاسم بن محمد قال: ما رأيت في مجلس ابن عباس باطلا قط، وما

    ج ١٢ ص ١٢٦سمعت فتوى أشبه بالسنّة من فتواه، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم يسمونه البحر ويسمونه الحبر.

  23. وروى الطبراني برجال الصحيح عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- أن هرقل كتب إلى معاوية وقال: إن كان بقي فيه من النبوة، فسيجيبوني عن ما سألتهم عنه، وكتب إليه سأله عن المجرة وعن القوس وعن البقعة التي لم تصبها الشمس إلا ساعة واحدة، فلما أتاه الكتاب والرسول فقال: هذا شيء ما كنت أراه أسأل عنه إلا يومي هذا، فطوى معاوية الكتاب- كتاب هرقل- فبعث به إلى ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- فكتب إليه أن القوس أمان لأهل الأرض من الغرق، والمجرة باب السماء التي تنشق منه، وأما البقعة التي لم تصبها الشمس إلا ساعة من النهار، فالبحر الذي أفرج عن بني إسرائيل.