الباب الأول في الرد على من أجاز على الأنبياء - صلى الله عليهم وسلم - الصغائر
١٢٥ فقرة، ج ١٢ ص ٤٧٠
الصفحة ١ من ٤
- ج ١٢ ص ٤٧٠
قال القاضي: [اعلم أنّ المجوّزين للصغائر على الأنبياء من الفقهاء والمحدثين ومن شايعهم على ذلك من المتكلّمين احتجّوا على ذلك بظواهر كثيرة من القرآن والحديث إن التزموا ظواهرها أفضت بهم إلى تجويز الكبائر وخرق الإجماع، وهو ما لا يقول به مسلم، فكيف وكلّ ما احتجّوا به مما اختلف المفسّرون في معناه، وتقابلت الاحتمالات في مقتضاه، وجاءت أقاويل فيها للسيف بخلاف ما التزموه من ذلك، فإذا لم يكن مذهبهم إجماعا، وكان الخلاف فيما احتجّوا به قديما، وقامت الدلالة على خطأ قولهم، وصحة غيره، وجب تركه، والمصير إلى ما صحّ.
-
فمن ذلك قوله تعالى لنبيّنا محمد- صلى الله عليه وسلّم: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [الفتح ٢] .
-
وقوله: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [محمد ١٩] .
-
وقوله: وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ [الشرح ٢] .
-
وقوله: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [التوبة ٤٣] .
-
وقوله: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ [الأنفال ٦٨] .
وقوله: عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى ... [عبس ١] .
-
وما قصّ من قصص غيره من الأنبياء، كقوله: وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى [طه ١٢١] .
-
وقوله: فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [الأعراف ١٩٠] .
-
وقوله: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ [الأعراف ٢٣] .
-
وقوله- عن يونس: سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء ٨٧] .
-
وما ذكر من قصته وقصة داود، وقوله: وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ. فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ [ص ٢٤، ٢٥] .
-
وقوله: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها [يوسف: ٢٤] وما قصّ من قصّته مع إخوته.
- ج ١٢ ص ٤٧١
وقوله- عن موسى: فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ: هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ [القصص ١٥] .
-
وقول النبي- صلى الله عليه وسلم في دعائه: اغفر لي ما قدّمت وما أخّرت، وما أسررت وما أعلنت.
-
ونحوه من أدعيته صلى الله عليه وسلّم.
-
وذكر الأنبياء في الموقف ذنوبهم في حديث الشفاعة.
-
وقوله: إنه ليغان على قلبي فأستغفر الله.
-
وفي حديث أبي هريرة: «إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة» .
-
وقوله تعالى- عن نوح: وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ [هود ٤٧] .
-
وقد كان قال الله له: وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ [هود ٣٧] .
-
وقال- عن إبراهيم: وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ [الشعراء ٨٢] .
-
وقوله- عن موسى: تُبْتُ إِلَيْكَ [الأعراف ١٤٣] .
وقوله: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ [ص ٣٤] ... إلى ما أشبه هذه الظواهر.
قال القاضي رحمه الله: فأمّا احتجاجهم بقوله: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [الفتح ٢] : فهذا قد اختلف فيه المفسّرون، فقيل: المراد ما كان قبل النبوة وبعدها.
-
وقيل: المراد ما وقع لك من ذنب وما لم يقع- أعلمه أنه مغفور له.
-
وقيل: المتقدم ما كان قبل النبوّة، والمتأخّر عصمتك بعدها، حكاه أحمد بن نصر.
-
وقيل: المراد بذلك أمته.
-
وقيل: المراد ما كان عن سهو وغفلة، وتأويل، حكاه الطبري، واختاره القشيري.
-
وقيل: ما تقدّم لأبيك آدم، وما تأخّر من ذنوب أمّتك، حكاه السمرقندي والسّلميّ عن ابن عطاء.
-
وبمثله والذي قبله يتأوّل قوله: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [محمد ١٩] ، قال مكّي: مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلّم هاهنا هي مخاطبة لأمته.
-
وقيل: أن النبي صلى الله عليه وسلم لمّا أمر أن يقول: وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ [الأحقاف ٩] - سرّ بذلك الكفّار، فأنزل الله تعالى: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ ... [الفتح: ٢] الآية، وبمآل المؤمنين في الآية الأخرى بعدها، قاله ابن عباس، فمقصد الآية: أنك مغفور لك غير مؤاخذ بذنب إن لو كان. قال بعضهم: المغفرة هاهنا تبرئة من العيوب.
- ج ١٢ ص ٤٧٢
وأما قوله: وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ [الشرح ٢، ٣] ، فقيل: ما سلف من ذنبك قبل النبوة، وهو قول ابن زيد، والحسن، ومعنى قول قتادة. وقيل: معناه أنه حفظ قبل نبوّته منها، وعصم، ولولا ذلك لأثقلت ظهره، حكى معناه السمرقندي.
-
وقيل: المراد بذلك ما أثقل ظهره من أعباء الرسالة حتى بلّغها، حكاه الماوردي، والسّلميّ.
-
وقيل: حططنا عنك ثقل أيّام الجاهلية، حكاه مكيّ.
-
وقيل: ثقل شغل سرّك وحيرتك وطلب شريعتك حتى شرعنا ذلك لك، حكى معناه القشيري.
-
وقيل المعنى: خفّفنا عليك ما حمّلت بحفظنا لما استحفظت، وحفظ عليك.
-
ومعنى أنقض ظهرك، أي كاد ينقضه، فيكون المعنى على من جعل ذلك لما قبل النبوة- اهتمام النبي- صلى الله عليه وسلم بأمور فعلها قبل نبوّته، وحرّمت عليه بعد النبوّة، فعدّها أوزارا، وثقلت عليه، وأشفق منها.
-
أو يكون الوضع عصمة الله له وكفايته من ذنوب لو كانت لأنقضت ظهره.
-
أو يكون من ثقل الرسالة، أو ما ثقل عليه وشغل قلبه من أمور الجاهلية، وإعلام الله تعالى له بحفظ ما استحفظه من وحيه.
-
وأمّا قوله: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [التوبة ٤٣] - فأمر لم يتقدّم للنبي صلى الله عليه وسلم فيه من الله تعالى نهي فيعدّ معصية، ولا عدّه الله تعالى عليه معصية، بل لم يعدّه أهل العلم معاتبة.
-
وغلّطوا من ذهب إلى ذلك، قال نفطويه وقد حاشاه الله تعالى من ذلك، بل كان مخيّرا في أمرين، قالوا: وقد كان له أن يفعل ما شاء فيما لم ينزّل عليه فيه وحي، فكيف وقد قال الله تعالى: فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ [النور ٦٢] . فلمّا أذن لهم أعلمه الله بما لم يطّلع عليه من سرّهم أنه لو لم يأذن لهم لقعدوا وأنه لا حرج عليه فيما فعل، وليس «عفا» هنا بمعنى غفر، بل كما
قال النبي صلى الله عليه وسلّم: عفا الله لكم عن صدقة الخيل والرقيق. ولم تجب عليهم قطّ، أي لم يلزمكم ذلك.
-
ونحوه للقشيريّ، قال: وإنما يقول العفو: لا يكون إلا عن ذنب- من لم يعرف كلام العرب، قال: ومعنى عفا الله عنك- أي لم يلزمك ذنبا.
قال الداودي: روي أنها تكرمة.
وقال مكي: هو استفتاح كلام، مثل أصلحك الله وأعزّك.