تنبيه:

٥ فقرات، ج ١٣ ص ١٩٨

  1. قال الخطابي: أهل الحجاز يطلقون الكذب في موضع الخطأ، يقال: كذب سمعك أي: زل فلم يدرك حقيقة ما قيل له، فمعنى كذب بطنه، أي: لم يصلح لقبول الشفاء بل زل عنه.

    وقال الإمام الرّازي: لعله- صلى الله عليه وسلم- علم بنور الوحي أي ذلك العسل سيظهر نفعه بعد ذلك، فلما لم يظهر نفعه في الحال مع كونه- صلى الله عليه وسلم- كان عالما بأنه سيظهر نفعه بعد ذلك، كان جاريا مجرى الكذب، فلهذا أطلق عليه هذا اللفظ، وقد اعترض بعض الملاحدة، فقال: إن العسل مسهّل فكيف يوصف لمن وقع به الإسهال؟ وأجيب بأن ذلك جهل من قائله، بل هو كقوله تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ [يونس ٣٩] فقد اتفق الأطباء على أن المرض الواحد يختلف علاجه باختلاف السن والعادة والزمان والغذاء المألوف والتدبير وقوة الطبيعة، وعلى أن الإسهال يحدث من أنواع منها الهيضة التي تنشأ عن تخمة، واتفقوا على أن علاجها بترك الطبيعة وفعلها، فإن احتاجت إلى مسهل معين أعينت ما دام بالعليل قوة، فكأن هذا الرجل كان استطلاق بطنه من تخمة أصابته، فوصف له- صلى الله عليه وسلم- العسل لدفع الفضول المجتمعة في نواحي المعدة والأمعاء لما في العسل من الجلاء ودفع الفضول التي تصيب المعدة من أخلاط لزجة تمنع استقرار الغذاء فيها، وللمعدة خمل كخمل المنشفة، فإذا علقت بها الأخلاط اللّزوجة أفسدتها، وأفسدت الغذاء الواصل إليها، فكان دواؤها باستعمال ما يجلو تلك الأخلاط ولا شيء في ذلك مثل العسل، لا سيما إن مزج بالماء الحارّ، وإنما لم يفده في أول مرة، لأن الدواء يجب أن يكون له

    مقدار وكمية بحسب الداء إن قصر عنه لم يدفعه بالكلية، وإن جاوزه أوهى القوة وأحدث ضررا آخر، فكأنه شرب منه أولا مقدارا لا يفي بمقاومة الداء، فأمره بمعاودة سقيه، فلما تكررت الشّربات بحسب مادة

    ج ١٣ ص ١٩٩الداء برأ بإذن الله تعالى،

    وفي قوله- صلى الله عليه وسلم-: «وكذب بطن أخيك»

    ج ١٣ ص ١٩٨
  2. إشارة إلى أن هذا الدواء نافع، وأن بقاء الداء ليس لقصور الدّواء، ولكن لكثرة المادة الفاسدة، فمن ثم أمره بمعاودة شرب العسل، قال ابن الجوزي: في وصفه- صلى الله عليه وسلم- العسل لهذا المنسهل أربعة أقوال:

    أحدها: أنه حمل الآية على عمومها في الشّفاء، وإلى هذا أشار بقوله: صدق الله أي في قوله تعالى فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ فلما نبهه على هذه الحكمة، تلقاها بالقبول فشفي بإذن الله.

  3. الثاني: أن الوصف المذكور على المألوف من عادتهم من التداوي بالعسل في الأمراض كلها.

  4. الثالث: أن الموصوف له ذلك كانت به هيضة كما تقدم تقريره.

  5. الرابع: يحتمل أن يكون أمره بطبخ العسل قبل شربه، فإنه يعقد البلغم فلعله شربه أولا بغير طبخ، قال الحافظ: والثاني والرابع ضعيفان ويؤيد الأول حديث ابن مسعود: عليكم بالشّفاءين «العسل والقرآن» ، رواه ابن ماجة والحاكم مرفوعاً، وابن أبي شيبة والحاكم أيضا موقوفا ورجاله رجال الصحيح.