غزوة رسول الله، -صلى الله عليه وسلم-، المريسيع
٣ فقرات، ج ٣ ص ٥٩
- ج ٣ ص ٥٩
ثمّ غزوة رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، المريسيع فى شعبان سنة خمس من مُهَاجَره.
قالوا: إنّ بَلمُصْطَلِق من خُزاعة، وهم من حُلفاء بنى مُدْلج وكانوا ينزلون على بئر لهم يُقال لها المُرَيْسِيع، بينها وبين الفُرْع نحو من يوم، وبين الفُرْع والمدينة ثمانية بُرُد، وكان رأسهم وسيّدهم الحارث بن أبى ضرار فسار فى قومه ومَن قَدَر عليه من العرب فدَعَاهم إلى حرب رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فأجابوه وتَهَيَّئُوا للمَسِير معه إليه، فبلَغ ذلك رسولَ الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فبعثَ بُريدةَ بن الحُصيب الأسْلَمى يعلم علم ذلك، فأتاهم ولقى الحارث بن أبى ضرار وكلّمه ورَجَع إلى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فأخبره خبرهم فندب رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، الناسَ إليهم فأسرعوا الخروج وقادوا
ج ٣ ص ٦٠الخيول وهى ثلاثون فرسًا، فى المهاجرين منها عشرة، وفى الأنصار عشرون وخرج معه بَشَرٌ كَثيرٌ من المنافقين لم يخرجوا فى غزاة قطّ مثلها، واستخلف على المدينة زيدَ بن حارثة (١) .
-
وكان معه فَرَسان لِزاز والظّرِب. وخرَج يوم الاثنين لليلتين خَلَتا من شعبان. وبلغ الحارث بن أبى ضرَار ومَن معه مَسِير رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وأنّه قد قَتَلَ عَينَه الذى كان وجّهه ليأتيه بخبر رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فسئ بذلك الحارث ومَن معه وخافوا خوفًا شديدًا وتفرَّق عنهم مَن كان معهم من العرب، وانتهى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، إلى المُريسيع وهو الماء فنزل به وضرب قُبَّتَه (٢) ، ومعه عائشة وأمّ سَلَمة، فتهيئوا للقتال وصفّ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أصحابه ودَفَع راية المهاجربن إلى أبى بكر الصّدّيق، وراية الأنصار إلى سعدَ بن عبادة، فرموا بالنبل ساعةً ثم أمر رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أصحابه فحَمَلُوا حَمْلَةَ رجلٍ واحدٍ، فما أفلَتَ منهم إنسانٌ وقُتل عشرة منهم وأُسر سائرهم وسبَى رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، الرجالَ والنساء والذرّيّة والنَّعَم والشاءَ ولم يُقتَلْ منَ المسلمين إلّا رجلٌ واحدٌ، وكان ابن عمر يحدّث أن النبىّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أغارَ عليهم وهم غارّون ونَعَمُهم تُسقَى على الماء فَقَتل مُقَاتلتَهم وسَبَى ذراريّهم، والأوّل أثبت، وأَمر بالأسارى فكُتفوا واستعمل عليهم بُريدة بن الحُصيب وأمر بالغنائم فجُمِعَت واستعمل عليها شُقرانَ مولاه، وجمع الذّريّة ناحيةً واستعمل على مقسم الخُمس وسُهمان المسلمين مَحميَةَ بن جزْء، واقتُسم السبىُ وفُرّق وصار فى أيدى الرجال، وقسم النعم والشاء فعُدلت الجَزُور بعشر من الغَنم وبيعت الرِّثّة (٣) من يزيد (٤) ، وأُسهم للفَرَسِ سهمان ولصاحبه سهم وللراجل سهم، وكانت الإبل ألفىْ بعير والشاء خمسة آلاف شاة، وكان السبى مائتى أهل بيت وصارت جُويرية بنت الحارث بن أبى ضرار فى سهم ثابت بن قيس بن
ج ٣ ص ٦١شمّاس وابن عمّ له فكاتباها على تسع أواقٍ ذهبٍ فسألت رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فى كتابتها وأدّاها عنها وتزوّجها (١) .
-
وكانت جارية حلوة، ويقال: جعل صَداقَها عتقَ كلّ أَسير من بنى المصطَلق، ويقال: جعل صداقها عتقَ أربعين من قومها، وكان السّبى منهما مَن مَنّ عليه رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بغير فداء، ومنهم مَن افتُدِى فافتُديَت المرأة والذّريّة بستّ فرائض، وقدموا المدينة ببعض السبى فقدم عليهم أهلوهم فافتدوهم فلم تبق امرأة من بنى المصطلق إلّا رجعت إلى قومها، وهو الثبت عندنا، وتنازع سنان بن وبَر الجُهَنى حليف بنى سالم من الأنصار وجَهجاه بن سعيد الغفارى على الماء فضرب جهجاه سنانًا بيده فنادى سنان: يا لَلأنصار! ونادى جهجاه: يا لَقُرَيش يا لَكنانة! فأقبلت قريش سراعًا وأقبلت الأوس والخزرج وشهروا السلاح، فتكلّم فى ذلك ناسٌ من المهاجرين والأنصار حتى ترك سنان حقّه وعَفَا عنه واصطلحوا، فقال عبد الله بن أُبىّ: {لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} [سورة المنافقون: ٨] : ثمّ أقبل على مَن حضر من قومه فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم: وسمع ذلك زيد بن أرقم فأبلغ النبىّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قولَه فأمر بالرحيل وخرَج من ساعته وتبعه النّاس، فقدَم عبد الله بن عبد الله بن أُبىّ النّاس حتى وقفَ لأبيه على الطريق، فلمّا رآه أناخَ به وقال: لا أفارقك حتى تزعم أنّك الذّليل ومحمّد العزيز، فمرّ به رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فقال: دَعه فَلَعمرى لنُحسننّ صُحبته ما دام بين أظهُرنا! وفى هذه الغزاة سقط عِقدٌ لعائشة فاحتبسوا على طلبه، فنزلت آية التيمّم فقال أسيد بن الحُضير: ما هى بأوّلِ بَركتكم يا آل أبى بكر. وفى هذه الغَزاة كان حديث عائشة وقول أهل الإفك فيها. قال: وأَنَزَل الله، تبارك وتعالى، بَرَاءتها. وغابَ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فى غَزَاته هذه ثمانية وعشرين يومًا وقدم المدينة لهلال شهر رمضان.