باب

فقرتان، ج ٣ ص ٣٢٣

  1. قال: قال محمّد بن عمر الأسلميّ: إنّما قلّت الروايةُ عن الأكابر من أصحاب رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، لأنّهم هلكوا قبلَ أنْ يُحتاج إليهم، وإنّما كثرتْ عن عمر بن الخطّاب وعليّ بن أبي طالب لأنّهما وَلِيَا فسُئلا وقَضَيَا بين النّاس، وكلّ أصحاب رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، كانوا أئمّةً يُقتَدَى بهم ويُحفظ عليهم ما كانوا يفعلون ويُستَفتَوْن فيُفْتُون، وسمعوا أحاديثًا فأدّوها فكان الأكابر من أصحاب رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أقلّ حديثًا عَنْه مِن غيرهم مثل أبى بكر وعثمان وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقّاص وعبد الرّحمن بن عوف وأبى عُبيدة بن الجرّاح وسعيد بن زيد بن

    ج ٣ ص ٣٢٤عمرو بن نُفيل وأُبيّ بن كعب وسعد بن عُبادة وعُبادة بن الصّامت وأُسيد بن الحُضير ومُعاذ بن جَبل ونُظَرائهم. فلم يأتِ عنهم مِن كثرة الحديث مثلُ ما جاء عن الأحداث من أصحاب رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، مثل جابر بن عبد الله وأبى سعيد الخدريّ وأبى هُريرة وعبد الله بن عمر بن الخطّاب وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن العبّاس ورافع بن خَديج وأنس بن مالك والبَراء بن عازب ونُظَرائهم، وكلّ هؤلاء كان يُعَدّ من فُقهاء أصحاب رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وكانوا يَلزمون رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، مع غيرهم من نُظرائهم، وأحْدَثَ مِنْهم مثلَ عُقبة بن عامر الجُهنيّ وزيد بن خالد الجُهنيّ وعمران بن الحُصين والنّعمان بن بشير ومعاوية بن أبي سفيان وسهل بن سعد الساعديّ وعبد الله بن يزيد الخَطْميّ ومَسلمة بن مخَلّد الزُّرَقيّ وربيعة بن كعب الأسلميّ وهِند وأسماء ابنَىْ حارثة الأسلميّين، وكانا يَخدمان رسولَ الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ويَلزمانه فكان أكثرُ الرواية والعلمِ في هؤلاء ونُظرائهم من أصحاب رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، لأنهم بَقُوا وطالت أعْمارُهم واحتاج النّاسُ إليهم. ومضى كثيرٌ من أصحاب رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. قَبْلَه وبعدَه بعلمه لَم يُؤثَر عنه بشئ ولم يُحْتَج إليه لِكثرة أصحاب رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

    ج ٣ ص ٣٢٣
  2. شَهد مع رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، تَبُوكًا وهي آخِرُ غَزاةٍ غزاها من المسلمين ثلاثون ألفَ رجلٍ، وذلك سِوى مَن قد أسْلَمَ وأقام في بلاده وموضعه لم يَغْزُ، فكَانوا عندنا أكثر ممّن غَزا معه تبوكًا فأحصَيْنا منهم مَن أمكَنَنَا اسمُه ونسبُه وعُلِم أمْرُه في المَغازى والسّرايا وما ذُكر من مَوْقِفٍ وَقَفَهُ، ومَن استُشْهِد مِنهم في حياةِ رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وبعدَه ومن وفَدَ على رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ثمّ رجع إلى بلاد قومه، ومن روى عنه الحديث ممّن قد عُرِفَ نَسَبُه وإسلامه ومن لم يُعرف منهم إلا بالحديث الذي رواه عن رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ومنهم من قد تَقدّم موتُه قبل وفاة رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وله نَسَبٌ وذِكرٌ ومشهدٌ، ومنهم من تأخّر موتُه بعد وفاة رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وهم أكثر فمنهم مَن حُفظ عنه ما حَدّث به عن رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ومنهم من أفتى برأيه ومنهم من لم يحدّث عن رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، شيئًا ولعلّه أكثر له صحبةً ومُجالسةً وسماعًا من الذي حَدّث عنه، ولكنّا حَمَلْنَا الأمر في ذلك منهم على التوقّى في الحديث أو على أنّه لم يُحتج إليه لِكثرة أصحاب رسول الله،

    ج ٣ ص ٣٢٥-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وعلى الاشتغال بالعبادة والأسفار في الجهاد في سبيل الله حتى مضوا ولم يُحْفَظ عنهم عن النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، شئٌ. وقد أحاطت المعرفةُ بصحبتهم رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ولُقيّهم إيّاه، وليس كلّهم كان يلزم النّبيّ، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، منهم من أقام معه ولزمه وشهد معه المشاهدَ كلّها، ومنهم مَن قدم عليه فرآه ثمّ انصرفَ إلى بلاد قومه، ومنهم من كان يقدم عليه الفَيْنَةَ بعد الفَيْنَةِ من منزله بالحجاز وغيره. وقد كَتبْنا من أصحاب رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. كلّ من انتهَى إلينا اسمُه في المغازي مَن قدم على رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، من العرب ومن رَوَى عنه منهم الحديث، وبيّنّا من ذلك ما أمكن على ما بلغنا وروَينا وليس كلّ العِلْم وَعَيْنَا. ثمّ كان التّابعون بعد أصحاب رسول الله، -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، من أبناء المهاجرين والأنصار وغيرهم فيهم فُقَهاءُ وعُلَماءُ وعندهم رواية الحديث والآثار والفقه والفتوى، ثمّ مضوا وخَلَف بعدهم طبقةٌ أخرى ثمّ طبقاتٌ بَعْدُ إلى زماننا هذا، وقد فَصّلْنَا ذلك وبيّنّاه.