١٣٧٧ - عبد الله بن الزبير بن العوام
٧٧ فقرة، ج ٧ ص ٤٧٣
الصفحة ١ من ٢
- ج ٧ ص ٤٧٣
ابن خويلد بن أسد بن عبد العُزَّى بن قُصيّ، ويكنى أبا بكر، وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق، فَوَلَدَ عبدُ الله بن الزبير اثني عشر رجلًا وخمس نسوة: خُبيبًا لا بقية له، وحمزة، وعبادًا، وثابتًا، وأمهم: تماضر بنت منظور بن زَبّان (١) ابن سَيّار بن عمرو بن جابر بن عَقيل بن هلال بن سُمَيّ بن مازن بن فزارة.
-
وهاشمًا، وقيسًا، وعروة، قتل مع أبيه، والزبير، وأمهم: أم هاشم زُجْلَة بنت منظور بن زَبّان بن سَيّار (٢) .
-
وعامرًا، وموسى، وأم حكيم، وفاطمة، وفاختة، وأمهم: حنتمة بنت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة.
-
وأبا بكر، وأمه: رَيْطَة بنت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة، وبكرًا، ورقية، وأمهما: عائشة بنت عثمان بن عفان.
-
وعبد الله بن عبد الله، لأم ولد، وبكرًا آخر، وأمه: نفيسة وهي أم الحسن بنت الحسن بن علي بن أبي طالب، مات صغيرًا.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني مصعب بن ثابت، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن، قال: لما قدم المهاجرون المدينة، أقاموا لا يُولَد مولود من المهاجرين، فقالوا: سحَرتنا يهود. حتى كثرت في ذلك القالة، وتلاقَى الناس بذلك. فكان أول مولود ولد في الإسلام من المهاجرين بعد الهجرة عبد الله بن الزبير، قال: فكبَّر المسلمون تكبيرة واحدة حتى ارتجت المدينة تكبيرًا، وفرح المسلمون، وكان وِلَادُ ابن الزبير في شوال على رأس عشرين شهرًا من الهجرة، فكان يُهَنّأ به الزبير، وأبو بكر الصديق، وهو جَدّه ثم حَمَلته أمه إلى
ج ٧ ص ٤٧٤رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في خِرْقة، فَحَنّكه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتمرة وبارك عليه، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر أن يؤذن في أذنيه بالصلاة فأذن أبو بكر الصديق في أذنيه (١) .
قال: أخبرنا أبو أسامة حماد بن أسامة، قال: حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسماء، أنها حملت بعبد الله بن الزبير بمكة، قالت: فَخرجْتُ وأنا مُتِمّ فأتيت المدينة فنزلت قباء فولدتُهُ بقباء، ثم أتيت به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوضعته في حِجْره فدعا بتمرة فمضغها ثم تفل في فِيْهِ فكان أول شيء، دخل جوفه ريق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قالت: ثم حَنّكَه بالتمرة، ثم دعا له وبارك عليه، وكان أول مولود ولد في الإسلام.
قال: أخبرنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: كان عبد الله بن الزبير أول مولود ولد في الإسلام، ولدته أسماء بقباء، فجاءت به النبي - صلى الله عليه وسلم -، فسماه عبد الله، وحَنّكه بتمرة، مضغها ثم أدخلها فَاه (٢) .
قال: أخبرنا الفضل بن دكين، قال: حدثنا محمد بن شريك، قال: حدثني ابن أبي مُلَيْكة، عن عبد الله بن الزبير، قال: سُمّيت باسم جَدّي أبي بكر وكُنّيت بكنيته.
قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن رجل، حدّثه أن أبا بكر طاف بعبد الله بن الزبير في خرقة، وهو أول مولود ولد في الإسلام (٣) .
قال محمد بن سعد: فذكرت هذا الحديث لمحمد بن عمر فقال: هذا غلط بَيِّن، عبد الله بن الزبير أول مولود ولد بالمدينة بعد الهجرة، لا اختلاف بين المسلمين في ذلك، ومكة يومئذ دار حرب لم يدخلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أحد من المسلمين إلى عمرة القضية سنة سبع، فكيف طاف به في خرقة؟ ومتى وصل إلى مكة، وهل فارق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منذ هاجر معه إلى أن قُبِضَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟
- ج ٧ ص ٤٧٥
حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، قال: أخبرنا سعيد، عن عمرو بن عامر، عن صاحب له، عن أم كَلْثَم (١) ، عن عائشة، قالت: لما ولد ابن الزبير انطلقتُ به إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فحنكه وسماه عبد الله، وقال لعائشة: أنت أم عبد الله قالت أم كلثم: فما زلنا نكنيها أم عبد الله وما ولدت ولدًا قط.
قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، قال: كان مع عثمان يوم الدار عصابة مُسْتَنصِرة، منهم عبد الله بن الزبير.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني شرحبيل بن أبي عون، عن أبيه، قال: سمعت ابن الزبير يقول على منبر مكة: والله لقد استخلفني أمير المؤمنين عثمان على الدار، فلقد كنت أنا الذي أُقَاتِلُ بِهِم (٢) ، ولقد كنت أخرج في الكتيبة فأباشر القتال بنفسي، فجرحت بضعة عشر جرحًا، فإني لأضع اليوم يدي على بعض تلك الجراحة التي جُرحتُ مع عثمان - رحمه الله -، فأرجو أن يكون خير أعمالي (٣) .
قال: أخبرنا محمد بن عمر، عن محمد بن عبد الله، عن الزهري، عن عروة قال: كان عثمان قد أمر عبد الله بن الزبير أن يصلي بأهل داره ما كان محصورًا، وكان يصلي بهم في صحن الدار.
قال: أخبرنا أبو عبيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: كان عبد الله بن الزبير قد شهد يوم الجمل مع أبيه وعائشة، وكان لا يأخذ بِخِطام الجمل أحد إلا قُتِل، فجاء عبد الله بن الزبير بخطامه، فقالت عائشة: من أنت؟ قال: عبد الله بن الزبير. قالت: وَاثُكْلَ أسماء! قال: فأقبل الأشتر فعرفني وعرفته ثم اعتنقني واعتنقته فقلت: اقتلوني ومالكًا. وقال الأشتر: اقتلوني وعبد الله، ولو قلت: الأشتر لقتلنا جميعًا (٤) .
ج ٧ ص ٤٧٦قال: أخبرنا أبو عبيد، قال: حدثنا أبو بكر الهذلي، عن محمد بن المرتفع، قال: حدثنا ابن الزبير قال: خرج إلينا رجل من أصحاب عليّ فقال: يا معشر شباب قريش أكفونا أنفسكم، فإن لم تفعلوا فإني أحذركم رجلين؛ أما أحدهما فجندب بن زهير الأزدي، وسأصفه لكم هو رجل طويل، طويل الرمح يحتزم على درعه حتى يقلّص عن ساقيه، وأما الآخر: فالأشتر مالك بن الحارث، وسأصفه لكم هو رجل طويل، طويل الرمح يسحب درعه سحبًا يَخُبّ عند النِّزال. قال ابن الزبير: فبينا أنا أقاتل إذ أقبل جندب فعرفته بصفته فأردت أن أحيد عنه، فقلت: والله ما حدت عن قِرْن قَط فانتهى إليّ فطعنني في وَجْهِ حَدِيد كان عَليَّ فزلق الرمح، فقال: أولى لك، قد عرفتك، لولا خالتك لقتلتك ثم دُفِع إلى عبد الرحمن بن عَتّاب بن أسيد فطعنه فأذراه كالنّخْلَة السحوق معْتصِبًا بِبُردَة حِبَرَة. ثم قاتلت ساعة فإذا أنا بمالك قد أقبل فعرفته بصفته فأردت أن أحيد عنه فقلت: والله ما حدت عن قِرْن قط، فدفع إلي فتطاعنّا برمحينا حتى كأنهما قضيبان، ثم اضطربنا بسيفينا حتى كأنهما مِخْراقان، ثم احتملني فضرب بي الأرض وقال: لولا خالتك ما شربتَ الماء البارد (١) .
قال: أخبرنا يحيى بن عباد والحسن بن موسى، قالا: حدثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن عبد الله بن الزبير ارْتُثَّ (٢) يوم الجمل، فلما كان عند غروب الشمس قيل له: الصلاة. فقال: أما الصلاة فإني لا أستطيعها ولكن أكبر.
قال: أخبرنا الفضل بن دُكَيْن، قال: حدثنا مسعود بن سعد، قال: حدثني يزيد بن مالك، عن زَحْر بن قيس، قال: دخلت مع ابن الزبير الحمّام، فإذا في رأسه ضربة لو صب فيها قارورة من دهن لاستقر، قال: تَدْرِي من ضربني هذه؟ ابن عمك الأشتر.
ج ٧ ص ٤٧٧قال: أخبرنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا جرير بن حازم، قال: حدثنا حبيب بن الشهيد، عن أبي مِجْلَز قال: دخل معاوية بيتًا وفيه عبد الله بن عامر، وابن الزبير، فلما رآه ابن عامر قام، ولم يقم ابن الزبير - وكان أرجح الرجلين - فقال معاوية لابن عامر: اجلس يابن عامر، فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: من أحبّ أن يَمْثُلَ له العباد قيامًا فليتبوأ بيتًا أو قال مقعدًا من النار.
قال: أخبرنا عارم بن الفضل، قال: حدثنا مهدي بن ميمون، قال: حدثنا محمد بن أبي يعقوب الضبي، أن معاوية بن أبي سفيان كان يلقى ابن الزبير فيقول: مرحبًا يابن عمة رسول الله وابن حواري رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويأمر له بمائة ألف (١) .
قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدثني الحارث بن عبيد، قال: حدثنا أبو عمران الجوني، أن نَوْفًا كان يقول: إني أجد في كتاب الله المنزل أن ابن [الزبير] فارس (٢) الخلفاء (٣) .
قال (*) : أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني عبد الله بن جعفر، عن عمته أم بكر بنت الْمِسْور بن مَخْرَمة قال:
- وحدثني شرحبيل بن أبي عون، عن أبيه قال:
-
وحدثني عبد الرحمن بن أبي الزِّنَاد، وغيرهم أيضًا قد حدثني بطائفة من هذا الحديث، قالوا: لم يزل ابن الزبير مقيمًا بالمدينة في خلافة معاوية بن أبي سفيان فتوفي معاوية، فبعث يزيد بن معاوية إلى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وهو يومئذ والي المدينة ينْعي معاوية، ويأمره أن يبايع مَنْ قِبَلَه من الناس، فجاءه الرسول ليلًا فأرسل إلى أبن الزبير فدعاه إلى البيعة فقال: حتى نُصبح (٤) ، فتركه.
- ج ٧ ص ٤٧٨
فخرج ابن الزبير وهو يقول: هو يزيد الذي نعرف، والله ما أحدث خيرًا ولا مروءة، وخرج من ليلته إلى مكة، فلم يزل مقيمًا بها حتى خرج حُسين بن علي منها إلى العراق، ولزم ابن الزبير الحِجْر ولبس المُعَافِري (١) وجعل يُحرِّض الناس على بني أمية، وبلغ يزيد ذلك، فوجد عليه. فقال ابن الزبير: أنا على السمع والطاعة لا أبدل ولا أغير، ومشى إلى يحيى بن حكيم بن صفوان بن أمية الجمحي وهو والي مكة ليزيد بن معاوية، فبايعه له على الخلافة. فكتب بذلك يحيى إلى يزيد فقال: لا أقبل هذا منه حتى يؤتي به في جَامِعَة (٢) . فقال له ابنه معاوية بن يزيد: يا أمير المؤمنين ادفع الشر عنك ما اندفع، فإن ابن الزبير رجل لَحِز (٣) لجوج، ولا يطيع بهذا أبدًا، وإن تُكَفّر عن يمينك وتلْهى (٤) منه حتى تنظر ما يصير إليه أمره أفضل، فغضب يزيد وقال: إن في أمرك لعجب. قال: فادع عبد الله بن جعفر فسله عَمّا أقول وتقول، فدعى عبد الله بن جعفر فذكر له قولهما، فقال عبد الله: أصاب أبو ليلى ووفِّقَ، فأبى يزيد أن يقبل ذلك، وعزل الوليد بن عتبة عن المدينة، وولاها عمرو بن سعيد بن العاص، وأرسل إليه: إنّ أمير المؤمنين يقسم بالله لا يقبل من ابن الزبير شيئًا حتى يؤتى به في جامعَةٍ، فعرضوا ذلك على ابن الزبير فأبى، فبعث يزيدُ: الحصينَ بن نمير وعبد الله بن عضاه الأشعري بجامِعَة إلى ابن الزبير يقسم له بالله لا يقبل منه إلا أن يؤتى به فيها، فَمرّا بالمدينة، فبعث إليه مروان معهما عبد العزيز بن مروان، يكلمه في ذلك ويهوّن عليه الأمر.
-
فقدموا عليه مكة فأبلغوه يمين يزيد بن معاوية ورسالته، وقال له عبد العزيز بن مروان: إن أبي أرسلني إليك عناية بأمرك وحفظًا لحرمتك، فأبْرِر يمينَ
ج ٧ ص ٤٧٩أمير المؤمنين، فإنما تجعل عليك جامِعَة فضةٍ أو ذهبٍ وتلبس عليها بُرْنُسًا فلا تبدو إلا أن يُسْمع صَوْتها. فكتب ابن الزبير إلى مروان يجزيه خيرًا ويقول: قد عرفت عنايتك ورأيك، فأما هذا فإني لا أفعله أبدًا، فليكفِّر يزيد عن يمينه أو يدع.
وقال ابن الزبير: اللهم إني عائذ ببيتك الحرام، وقد عرضت عليهم السمع والطاعة فأبوا إلا أن يُخلّوا (١) بي ويستحلوا مني ما حرّمتَ.
-
فمِنْ يومئذ سمي العائذ، وأقام بمكة لا يعرض لأحد، ولا يعرض له أحد، فكتب يزيد بن معاوية إلى عمرو بن سعيد أن يوجّه إليه جندًا، فسأل عمرو بن سعيد: مَنْ أعدى الناس لعبد الله بن الزبير؟ فقيل أخوه عمرو بن الزبير، فولاه شُرَطَهُ بالمدينة فضرب ناسًا كثيرًا من قريش والأنصار بالسياط، وقال: هؤلاء شيعة عبد الله بن الزبير، وَفَرّ منه قوم كثير في نواحي المدينة.
-
ثم وجه إلى عبد الله بن الزبير في جيش من أهل الشام ألف رجل، وأَمَرَهُ بقتاله.
-
فمضى عمرو بن الزبير حتى قدم مكة فنزل بذي طُوَى، وأتى الناسُ عَمْرَو بن الزبير يُسَلّمون عليه، وقال: جئت لأن يعْطِي عبد الله الطاعة ليزيد ويبِرّ قسمه، فإن أبى قاتلته. فقال له جبير (٢) بن شيبة: كان غيرك أولى بهذا منك، تسير إلى حرم الله وأمْنه، وإلى أخيك في سِنّه وفَضْله، تجعله في جامِعَةٍ؟! ما أرى الناس يَدَعُونك وما تريد. قال: أرى أن أقاتل من حال دون ما خرجتُ له.
-
ثم أقبل عمرو، فنزل داره عند الصفا، وجعل يرسل إلى أخيه، ويرسل إليه أخوه، فما قدم له، وكان عمرو يخرج فيصلي بالناس - وعسكره بذي طوى - وابن الزبير معه يُشَبِّك أصابعه في أصابعه، ويكلمه في الطاعة، ويلين له الكلام، فقال عبد الله بن الزبير: ما بَعْدَ هذا شيء، إني لسامع مطيع، أنت عامل يزيد وأنا أصلي خلفك، ما عندي خلاف، فأما أن تجعل في عنقي جامِعَة، ثم أقاد إلى
ج ٧ ص ٤٨٠الشام، فإني نظرت في ذلك فرأيته لا يحل لي أن أحل بنفسي، فراجع صاحبك واكتب إليه، قال: لا والله ما أقدر على ذلك.
-
فهيّأ عبد الله بن صفوان قومًا كانوا مُعَدِّين مع ابن الزبير من أهل السَّراة وغيرهم، فعقد لهم لواءً، وخرج عبد الله بن صفوان من أسفل مكة من اللِّيْط (١) فلم يشعر أُنَيْس بن عمرو الأسلمي وهو على عسكر عمرو بن الزبير، إلا بالقوم، فصاح بأصحابه وهم قريب على عُدّة فتصافّوا، فقتل أنيس بن عمرو في المعرك، ووجّه عبد الله بن الزبير مصعب بن عبد الرحمن بن عوف في جمع إلى عمرو بن الزبير، فَلَقوه فتفرق أصحابه عنه وانهزم عسكره من ذي طوى، وجاء عُبَيدة بن الزبير إلى عمرو بن الزبير فقال: أنا أُجيرك من عبد الله، فجاء به إلى عبد الله أسيرًا والدم يقطر على قدميه، فقال: ما هذا الدم، فقال:
لَسْنا على الأعْقَابِ تَدْمَى كُلُومنا … ولكن عَلَى أقدامنا يَقْطُرُ الدَّمُ
فقال: تكلم، أي عدو الله، المستحل لحرمة الله، فقال عبيدة: إني قد أجرته فلا تخْفر جِوَاري، فقال: أنا أجير جوارك لهذا الظالم الذي فعل ما فعل؟! فأما حَقُّ الناس فإني أقتص لهم منه.
-
فضربه بكل سوط ضرب به أحدًا من الذين بالمدينة وغيرهم، إلا محمد بن المنذر بن الزبير فإنه أبى أن يقتص، وعثمان بن عبد الله بن حكيم بن حزام فإنه أبى أيضًا.
-
وأمر به فحبس في حبس زيد عارم. وكان زيد عارم، مع عمرو بن الزبير، فأخذه فحبسه مع عمرو بن الزبير، فسمى ذلك الحبس سجن عارم (٢) ، وبنى لزيد عارم ذراعين في ذراعين، وأدخله، وأطبق عليه بالجص والآجرِّ.
وقال عبد الله بن الزبير: من كان يطلب عَمْرو بن الزبير بشيء فليأتنا نقصّه منه، فجعل الرجل يأتي فيقول: نتف أشفاري (٣) ، فيقول انتف أشفاره، وجعل
ج ٧ ص ٤٨١يقول الآخر: نتَفَ حَلَمَتِي، فيقول: انتف حَلَمَتَهُ، وجعل الرجل يأتي فيقول: لَهَزني فيقول: الْهَزْه، وجعل الرجل يجيء فيقول: نتف لحيتي فيقول: انتف لحيته.
-
وكان يقيمه كل يوم، ويدعو الناس إلى القصاص منه سَنَة، فقام مصعب بن عبد الرحمن بن عوف فقال: جلدني مائة جلدة بالسياط، وليس بوالٍ، ولم آت قبيحًا، ولم أركب منكرًا، ولم أخلع يدًا من طاعة، فأمر بِعَمْرٍو أن يقام، وَدَفَع إلى مصعب سوطًا، وقال له عبد الله بن الزبير: اضرب. فجلده مصعب مائة جلدة بيده، فنغل جسد عَمرٍو فمات، فأمر به عبد الله فصلب.
قالوا: ونحّى عبد الله بن الزبير، الحارث بن خالد عن الصلاة بمكة، وكان عاملًا ليزيد بن معاوية عليها وأمر مصعب بن عبد الرحمن أن يصلي بالناس، فكان يصلي بهم، وكان لا يقطع أمرًا دون المِسْور بن مَخْرَمة، ومصعب بن عبد الرحمن بن عوف، وجبير بن شيبة، وعبد الله بن صفوان بن أمية، يشاورهم في أمره كله، ويريهم أن الأمر شورى بينهم لا يستبدُّ بشيء منه دونهم، ويصلي بهم الصلوات والجمع ويحج بهم.
-
وعزل يزيد بن معاوية، عَمْرو بن سعيد عن المدينة، وولاها الوليد بن عتبة، ثم عزله، وولى عثمان بن محمد بن أبي سفيان، فوثب عليه أهل المدينة فأخرجوه، وكانت وقعة الحرة.
-
وكانت الخوارج قد أتته، وأهل الأهواء كلهم، وقالوا: عائذ الله، وكان شعاره، لا حكم إلا الله، فلم يزل على ذلك بمكة، وحج بالناس عشر سنين وِلَاءً، أولها سنة اثنتين وستين، وآخرها سنة إحدى وسبعين (*) .
قال: أخبرنا عارم بن الفضل، قال: حدثنا حماد بن يزيد، عن هشام بن عروة، قال: كان عبد الله بن الزبير بمكة تسع سنين (١) .
قال: أخبرنا أنس بن عياض، عن هشام بن عروة، أن عبد الله بن الزبير أقام بمكة تسع سنين، يهل بالحج لهلال ذي الحجة.
ج ٧ ص ٤٨٢قال: أخبرنا كثير بن هشام، قال: حدثنا جعفر بن برقان، قال: حدثنا ميمون بن مهران، قال: شهدت الموسم مع عبد الله بن الزبير، قال: فعلّم الناسَ مناسكهم، ثم قال: إذا انصرفتم - إن شاء الله - إلى أهليكم، فاذكروا الله وكبروه عند هبوط وصعود.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين، قال: حدثنا أبو سعيد بن (١) عوذ البرّاد، قال: حدثنا محمد بن المرتفع، قال: سمعت ابن الزبير يقول: يا معشر الحاج، سلوني فعلينا كان التنزيل، ونحن حضرنا التأويل، فقال له رجل من أهل العراق: دَخَلَتْ في جرابي فأرة أيحل لي قتلها وأنا محرم؟ قال: اقتل الفُوَيْسِقَة. قال: أخبرنا بالشفع والوتر، والليال العشر؟ قال: العشر: الثمان وعرفة والنحر، والشفع: من تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه، وهو اليوم (٢) .
قال: أخبرنا الفضل بن دكين، قال: حدثنا سفيان، عن محمد بن المنكدر، قال: رأيت ابن الزبير يأتي الجِمَار ماشيًا.
-
أخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسي، قال: حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، قال: حدثني من رأى ابن الزبير صائمًا يوم عرفة.
قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: حدثنا زهير، قال: حدثنا زيد بن جبير الجشمي، أنه رأى عبد الله بن الزبير يطوف بالبيت وعليه بُرطُلّة (٣) .
قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: حدثنا زهير، قال: حدثنا عروة بن عبد الله بن قُشَير، قال: ما رأيت إنسانًا أسرع مشيًا حول البيت من ابن الزبير، قال: وكان يؤمنا عند المقام، فإذا فرغ من المكتوبة صلى تحت الميزاب قائمًا ما يحرك منه شيء.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم وعارم بن الفضل، قالا: حدثنا حماد بن زيد، قال: حدثنا ثابت البُناني، قال: ذُكِرَ ابن الزبير قال: كنا نمرّ به خلف المقام يصلي كأنه شيء منصوب موضوع (٤) .
ج ٧ ص ٤٨٣قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا حسن بن صالح، عن موسى بن أبي عائشة، قال: كان ابن الزبير يصفُّ قدميه في الصلاة.
قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن منصور، عن مجاهد، عن عبد الله بن الزبير، أنه كان يقوم في الصلاة كأنه عود، وكان أبو بكر يفعل ذلك. قال مجاهد: هو الخشوع في الصلاة (١) .
قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدثنا إبراهيم بن مرزوق أبو إسماعيل الثقفي مولى الحجاج بن يوسف، قال: حدثنا أبي - وكان خادمًا لعبد الله بن الزبير - قال: كان عبد الله بن الزبير إذا سمع أذان المغرب، قام فصلى ركعتين بين الأذان والإقامة، فإذا انصرف من الصلاة انصرف عن يمينه.
قال: أخبرنا معن بن عيسى وعبد الله بن مَسْلَمة بن قَعْنَب، قالا: حدثنا مالك بن أنس، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، أنه كان إذا سمع الرعد، ترك الحديث، وقال: سبحان من سبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته، ويقول: إن هذا لوعيد لأهل الأرض شديد.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم، قال: حدثنا يزيد بن إبراهيم، قال: سمعت عمرو بن دينار، قال: كان ابن الزبير إذا صلى يرسل يديه.
قال: أخبرنا عارم بن الفضل، قال: حدثنا حماد بن زيد، قال: حدثنا عِسْل بن سفيان، عن عطاء بن أبي رباح، قال: صليت مع ابن الزبير المغرب فسلم في ركعتين، ثم قام إلى الركن ليمسحه فسبح القوم، فرجع فصلى بهم الركعة، ثم سلم، ثم سجد سجدتين، فأتيت ابن عباس من فورى فأخبرته، فقال: لله أبوك، فكيف صنع فأخبرته. فقال: ما ماط (٢) عن سنة نبيه.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم، قال: حدثنا حَمّاد بن سَلَمَة، قال: أخبرنا عمرو بن دينار، قال: صلى بنا ابن الزبير في جمعة، ويوم فطر، فخطبنا في ظل الحِجر بعدما ارتفع النهار، وأخر الصلاة بعض التأخير، فجئت إلى الجمعة فلم يخرج إلينا إلى صلاة العصر.
ج ٧ ص ٤٨٤قال: أخبرنا عفان بن مسلم، قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال: أخبرنا حبيب بن أبي بقية المعلم، عن عطاء، أن ابن عباس أخبر بما صنع ابن الزبير فقال: أصاب.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم، قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال: حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، قال: قال عبد الله بن الزبير: والله ما كنت أُمَكّن من التمر كما أريد، وما هي إلا قبضة تقبض لي من أول النهار وقبضة من آخر النهار.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين، قال: حدثنا حفص بن غياث، عن هشام بن عروة، عن عروة، قال: قال عبد الله بن الزبير: أَطْعِمُوني تمرًا، قالوا: قد أكلت اليوم مرة، قال: فلا.
قال: أخبرنا روح بن عبادة ومسلم بن إبراهيم، قالا: حدثنا الأسود بن شيبان، عن أبي نوفل بن أبي عقرب، قال: دخلت على عبد الله بن الزبير صبيحة خامسة من العشر الأواخر من رمضان وهو يواصل.
قال: أخبرنا روح بن عبادة ويحيى بن عبَّاد، قالا: حدثنا حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، أن عبد الله بن الزبير كان يواصل سبعة أيام، فإذا كانت ليلة السابعة، دعا بإناء من سمن فشربه، ثم أتى بثريدة في صحْفة عليها عَرْقَان (١) ، ويؤتى الناس بالجفان فتوضع بين أيديهم فيقول: يا أيها الناس هذا من خالص مالي وهذا من بيت مالكم (٢) .
-
حدثنا روح بن عبادة، قال: حدثنا حبيب بن الشهيد، عن ابن أبي مُلَيْكة، قال: كان ابن الزبير يواصل سبعة أيام، فيصبح اليوم الثامن وهو أليثنا (٣) .
قال: أخبرنا حفص بن عمر الحَوْضِي، قال: حدثنا يزيد بن إبراهيم، قال: حدثنا عمرو بن دينار، أن ابن الزبير كان يواصل بين السبع (٤) .
قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر الرَّقي، قال: حدثنا أبو المليح، عن ميمون،
ج ٧ ص ٤٨٥أن ابن الزبير كان يواصل الصيام من الجمعة إلى الجمعة، فإذا أفطر، استغاث بالسمن يحسوه يُلَيّن أمعاءه (١) .
قال: أخبرنا [عبد الوهاب] (٢) بن عطاء، عن هشام بن حسان، قال: كان عبد الله بن الزبير يصوم عشرة أيام لا يفطر فيها، قال: فكان إذا دخل رمضان، أكل أكلة في نصف الشهر (٣) .
قال: أخبرنا المعلَّى بن أسد، قال: حدثنا سلام بن أبي مطيع، عن هشام بن عروة، أن عمه ابن الزبير كان يغتسل كل ليلة مرة وكل يوم مرة.
قال: أخبرنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا جرير بن حازم، عن [عبد الله] (٣) بن عُبَيد بن عُمَير (٤) ، قال: كان ابن الزبير إذا كان في أهله جنازة، كان كأنه قائم على رِجْل حتى يخرجها.
قال: أخبرنا أزهر بن سعد السمان، عن ابن عون، عن محمد، قال: دخل ابن عمر على امرأة ابن الزبير فقالت: إنما بي أنك ترى أنه يقاتل على الدنيا قال: هو في نفسي ولو شاء الله لم يجعله.
قال: أخبرنا أبو أسامة، عن الأعمش، عن شِمْر بن عطية، عن هلال بن يِساف، قال: حدثني البريد الذي جاء برأس المختار إلى عبد الله بن الزبير قال: لما وضعْتُه بين يديه قال: ما حدثني كعب بشيء أصبته في سلطاني، إلا قد رأيته غير هذا، فإنه حدثني أنه يقتلني رجل من ثقيف فأراني الذي قتلته (٥) .
قال محمد بن عمر: وكان مصعب بن الزبير هو الذي قتل المختار وبعث برأسه إلى عبد الله بن الزبير، وَتَخَلّف على العراق وَوَجّه إلى خراسان.
- رجع الحديث إلى الأول:
-
(* قال: ولما بلغ يزيدَ بن معاوية وثوبُ أهل المدينة وإخراجهم عامله وأهل بيته عنها، وجّه إليهم مسلم بن عقبة المري، وهو يومئذ ابن بضع وتسعين سنة، كانت به النّوْطة (١) ، فوجهه في جيش كثيف، فكلمه عبد الله بن جعفر في أهل المدينة، وقال: إنما تقتل بهم نفسك. فقال: أجل أقتل بهم نفسي، وأشفي نفسي، ولك عندي واحدة، آمر مسلم بن عقبة أن يتخذ المدينة طريقًا، فإن هم تركوه، ولم يعرضوا له، ولم ينصبوا الحرب، تركهم، ومضى إلى ابن الزبير فقاتله، وإن هم منعوه أن يدخلها ونصبوا له الحرب، بدأ بهم، فناجزهم القتال، فإن ظفر بهم قتل من أشرف له، وأنهبها ثلاثًا ثم مضى إلى عبد الله بن الزبير.
-
فرأى عبد الله بن جعفر، في هذا فرج كبير، وكتب بذلك إليهم، وأمرهم أن لا يعرضوا لجيشه إذا مَرّ بهم، حتى يمضي عنهم إلى حيث أرادوا. وأمر يزيدُ مسلمَ بن عقبةَ بذلك، وقال: إن حدث بك حدث، فحُصَين بن نمير على الناس، فورد مسلم بن عقبة المدينة، فمنعوه أن يدخلها، ونصبوا له الحرب، ونالوا من يزيد، فأوقع بهم وأنهبها ثلاثًا.
-
ثم خرج يريد ابن الزبير، وقال: اللهم إنه لم يكن قوم أحب إليّ أن أقاتلهم من قوم خلعوا أمير المؤمنين، ونصبوا لنا الحرب، اللهم فكما أقررت عيني من أهل المدينة، فأبقني حتى تقر عيني من ابن الزبير، ومضى فلما كان بالمشلل نزل به الموت، فدعا حصين بن نمير فقال له: يا برذعة الحمار، لولا عهد أمير المؤمنين إليّ فيك ما عهدت إليك، اسمع عهدي، لا تمكن قريشًا من أذنك، ولا تزدهم على ثلاث؛ الوقاف، ثم الثقاف، ثم الانصراف. وأعلم الناسَ أن الحصين واليهم، ومات مكانه. فدفن على ظهر المشلل لسبع ليالٍ بقين من المحرم سنة أربع وستين.
- ج ٧ ص ٤٨٧
ومضى حصين بن نمير في أصحابه حتى قدم مكة فنزل بالحجون إلى بئر ميمون وعسكر هناك. فحاصر ابن الزبير قبل سلخ المحرم بأربع ليال وصفرَ وشهر ربيع الأول، فكان الحصر أربعة وستين يومًا، يتقاتلون فيها أشد القتال، ونصب الحصين المنجنيق على ابن الزبير وأصحابه ورمى الكعبة، ولقد قتل من الفريقين بشر كثير، وأصاب المِسْوَرَ فلْقة من حجر المنجنيق فمات ليلة جاء نَعِيُّ يزيدَ بن معاوية، وذلك لهلال شهر ربيع الآخر سنة أربع وستين.
-
فكلم حصين بن نمير ومن معه من أهل الشام عبد الله بن الزبير أن يدعهم يطوفوا بالبيت وينصرفوا عنه، فشاور في ذلك أصحابه ثم أذن لهم فطافوا، وكلم ابن الزبير الحصين بن نمير وقال له: قد مات يزيد وأنا أحق الناس بهذا الأمر، لأن عثمان عهد إليّ في ذلك عهدًا، صلى به خلفي طلحة والزبير، وَعَرَفته أم المؤمنين، فبايِعْني، وادخل فيما دخل فيه الناس معي، يكن لك ما لهم، وعليك ما عليهم. قال له الحصين بن نمير: إني والله يا أبا بكر لا أتقرب إليك بغير ما في نفسي، أَقْدُم الشام فإن وجدتهم مجتمعين لك أطعْتُكَ، وقاتلتُ من عصاك، وإن وجدتهم مجتمعين على غيرك أطعته وقاتلتك ولكن سر أنت معي إلى الشام أملّكُك رقاب العرب. فقال ابن الزبير: أو أبعث رسولًا. قال: تَبًّا لك سائر اليوم، إن رسولك لا يكون مثلك.
-
وافترقا وأمِنَ الناسُ ووضعت الحرب أوزارها، وأقام أهل الشام أيامًا يبتاعون حوائجهم، ويتجهزون، ثم انصرفوا راجعين إلى الشام. فدعا ابن الزبير من يومئذ إلى نفسه، فبايع الناس له على الخلافة، وسُمي أمير المؤمنين، وترك الشعار الذي كان عليه، ويدعى به، عائذ الله، ولا حكم إلا لله، قبل أن يموت مصعب بن عبد الرحمن بن عوف والمسور بن مخرمة. وفارقته الخوارج وتركوه، وولّى العمال، فولّى المدينة: مصعب بن الزبير بن العوام فبايع له الناس، وبعث الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة إلى البصرة فبايعوه، وبعث عبد الله بن مطيع إلى الكوفة فبايعوه، وبعث عبد الرحمن بن عتبة بن جَحْدَم الفهري إلى مصر أميرًا فبايعوه، وبعث واليه إلى اليمن فبايعوه، وبعث واليه إلى خراسان فبايعوه، وبعث الضحاك بن قيس الفهري إلى الشام واليًا فبايع له عامة أهل الشام، واستوسقت له البلاد كلها، ما خلا طائفة من أهل الشام، كان بها مروان بن الحكم وأهل بيته (*) .
ج ٧ ص ٤٨٨قال: وأخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا موسى بن يعقوب، عن عَمّه أبي الحارث بن عبد الله (١) بن وهب بن زَمْعة، قال:
وأخبرنا شرحبيل بن أبي عون وعبد الله بن جعفر، عن أبي عون، قال:
وأخبرنا إبراهيم بن موسى، عن عكرمة بن خالد، قال:
وأخبرنا أبو صفوان العَطّاف بن خالد، عن أخيه، قالوا: لما ارتحل الحصين بن نمير من مكة لخمس ليالٍ خلون من شهر ربيع الآخر سنة أربع وستين، أمر عبد الله بن الزبير بتلك الخِصَاص (٢) التي كانت حول الكعبة فهدمت، فبدت الكعبة، وأمر بالمسجد فكنس ما فيه من الحجارة والدماء، فإذا الكعبة تَنْغَض (٣) مُتَوَهِّنَةً من أعلاها إلى أسفلها، فيها أمثال جيوب النساء من حجارة المنجنيق، وإذا الركن قد اسودّ واحترق من الحريق الذي كان حول الكعبة، فشاور ابن الزبير الناس في هدمها وبنائها، فأشار عليه جابر بن عبد الله بن عمير وغيرهما بأن يهدمها ويبنيها، وأبى ذلك عليه عبد الله بن عباس وقال: أخشى أن يأتي مَنْ بَعدك فيهدمها فلا تزال تهدم، فيتهاون الناس بحرمتها فلا أحب لك.
-
وكان قد شَاوَرَ المِسْورَ بن مَخْرَمَة قبل أن يموت في هدمها، فأشار عليه بذلك، فمكث أيامًا يشاور في هدمها، ثم انبرى له أن يهدمها.
-
فغدا عليها بالفَعَلة يوم السبت للنصف من جمادى الآخرة سنة أربع وستين، فهدمها حتى وضعها كلها بالأرض، ثم حفر الأساس فوُجِدَ واصلًا بالحِجْر مُشَبِّكًا كأصابع يدَيّ هاتين، فدعا خمسين رجلًا من قريش، وأشهدهم على ذلك، وجعل الحَجَر عنده في تابوت في سَرقة من حرير، ثم بنى البيت وأدخل الحِجر فيه، وجعل للكعبة بابين موضوعين بالأرض، باب يُدخل منه، وباب يُخرج منه
ج ٧ ص ٤٨٩بإزائَه من خلفه، وقال: إن عائشة حدثتني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لها: إن أراد قومك يبنون البيت على ما كان على عهد إبراهيم فليفعلوا ذلك. فأرتني عائشة الذي أراها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فكان عندي مذروعًا حتى وَليْت هذا الأمر، فلم أعْدُ به ما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فرأى الناس يومئذ أنه قد أصاب.
-
وبنى البيت حتى بلغ موضع الركن الأسود فوضعه، وكان الذي وضعه حمزة بن عبد الله بن الزبير، وشده بالفضة لأنه كان انصدع، ثم ردّ الكعبة على بنائها، وزاد في طولها فجعله سبعًا وعشرين ذراعًا، وخلّق جوفها، ولطّخ جدرَها بالمسك حتى فرغ منها من خارج، وسترها بالديباج، وهو أول من كساها الديباج.
-
فلما فرغ من بناء الكعبة اعتمر من خيمة جُمانه ماشيًا معه رجال من قريش، ابن صفوان وعبيد بن عمير وغيرهما، ولبّى حتى نظر إلى البيت، وخيمة جمانة عند مسجد عائشة.
قال: وبايع أهل الشام مروان بن الحكم، فسار إلى الضحاك بن قيس الفهري وهو في طاعة ابن الزبير يدعو له، فلقيه بمرج راهط، فقتله وفَضّ جمعه. ثم رجع فوجه حُبَيش بن دَلَجة القيني في ستة آلاف وأربعمائة إلى ابن الزبير، فسار حتى نزل بالجرف في عسكره، ودخل المدينة فنزل في دار مروان - دار الإمارة - واستعمل على سوق المدينة رجلًا من قومه يدعى مالكا، أخاف أهل المدينة خوفًا شديدًا وآذاهم، وجعل يخطبهم فيشتمهم ويتوعدهم وينسبهم إلى الشقاق والنفاق والغش لأمير المؤمنين فكتب عبد الله بن الزبير إلى الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة وهو واليه على البصرة، أن يوجه إلى المدينة جيشًا، فبعث الحَنْتف (١) بن السّجْف التميمي في ثلاثة آلاف. فخرجوا معهم ألف وخمسمائة فرس وبغال وحمولة، وبلغ الخبر حبيش بن دلجة، فقال: نخرج من المدينة فنلقاهم، فإنا لا نأمن أهل المدينة أن يعينوهم علينا، فخرج وخَلّف على المدينة ثعلبة الشامي.
- ج ٧ ص ٤٩٠
فالتقوا بالرّبذة عند الظُّهْر، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فقُتل حبيش بن دلجة، وقتل من أصحابه خمسمائة، وأسر منهم خمسمائة، وانهزم الباقون أسوأ هزيمة، ففرح أهل المدينة بذلك، وقُدم بالأسارى فحبسوا في قصر خَلّ (١) ، فوجه إليهم عبد الله بن الزبير مصعب بن الزبير فضرب أعناقهم جميعًا (٢) .
قالوا: فلما بويع عبد الملك بن مروان، بعث عروة بن أنيف في ستة آلاف إلى المدينة، وأمرهم أن لا ينزلوا على أحدٍ، ولا يدخلوا المدينة إلا لحاجة لا بدّ منها، وأن يعسكروا بالعرصة، فنزل عروة بجيشه العرصة، وهرب الحارث بن حاطب عامل ابن الزبير على المدينة، فكان عروة ينزل فيصلي بالناس الجمعة، ثم يرجع إلى معسكره، فلم يبعث إليهم ابن الزبير أحدًا ولم يلقوا قتالًا، فكتب إليهم عبد الملك، أن يقبلوا إلى الشام ففعلوا، ولم يتخلف منهم أحد، ورجع الحارث بن حاطب إلى المدينة عاملًا لابن الزبير، ثم بعث عبد الملك بن مروان، عبد الملك بن الحارث بن الحكم في أربعة آلاف إلى المدينة فما دونها، يَلْقون جموع ابن الزبير ومن أشرف لهم من عُمّاله (٣) .
-
وكان سليمان بن خالد بن أبي خالد الزرقي عابدًا له فضل، فولاه ابن الزبير خيبر وفدك، فخرج فنزل في عمله، فبعث عبدُ الملك بنُ الحارث، أبا القمقام في خمسمائة إلى سليمان بن خالد، فقتله، وقتل من كان معه، فلما انتهى خبره إلى عبد الملك بن مروان أغاظه وكره قتله (٤) . ووجه عبد الملك بن مروان طارق بن عمرو في ستة آلاف وأمره أن يكون فيما بين أيلة ووادي القرى مددًا لمن يحتاج إليه من عمال عبد الملك بن مروان أو من كان يريد قتاله من أصحاب ابن الزبير، وكان أبو بكر بن أبي قيس في طاعة ابن الزبير قد ولاه جابر بن الأسود خيبر، فقصد له طارق فقتله في ستمائة من أصحابه، وهرب من بقي منهم في
ج ٧ ص ٤٩١كل وجه، فكتب الحارث بن حاطب إلى عبد الله بن الزبير أن عبد الملك بن مروان بعث طارق بن عمرو في جمع كثير، فَهُمْ فيما بين أيلة إلى ذي خُشُب، يَجُدّوا في أموال الناس ويقتطعونها (١) ويظلمونهم، فلو بعثت إلى المدينة رابطة لَا تُدْخَل.
-
فكتب ابن الزبير إلى الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، أن يوجه إلى المدينة ألفين، ويستعمل عليهم رجلًا فاضلًا، فوجه إليهم ابن روّاس في ألفين، فقدموا المدينة فمنعوها من جيوش أهل الشام، وكانوا قومًا لا بأس بهم. وكانت المدينة مَرّة في يد ابن الزبير، ومرّة في يد عبد الملك بن مروان، أيهما غلب عليها استولى على أمرها، وكانت أكثر ذلك تكون في يد ابن الزبير.
-
فلما بلغ ابن الزبير مقتَلُ أبي بكر بن أبي قيس، كتب إلى ابن روّاس أن يخرج في أصحابه إلى طارق بن عمرو، فشق ذلك على أهل المدينة، وخرج ابن روّاس وبلغ ذلك طارقًا فندب أصحابه، ثم التقوا بشبكة الدوم (٢) على تعبية، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، ثم كانت الدولة لطارقٍ وأصحابه، فقُتل ابن روّاس وأصحابه قتلًا ذريعًا، ونجا رجل منهم، فقدم المدينة فأخبر بمقتل ابن رواس وأصحابه، فسيئ بذلك أهل المدينة، ثم خرج ذلك الرجل إلى عبد الله بن الزبير، فأخبره الخبر، ورجع طارق إلى وادي القرى، وكتب ابن الزبير إلى واليه بالمدينة أن يفرض لألفين من أهل المدينة يكونوا رِدْءًا للمدينة ممن يدهمها، ففرض الفرض ولم يأت المال، فبطل ذلك الفرض وسُمّي فرض الريح (٣) .
قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر، عن أم بكر بنت المسور، عن أبيها. ورياح بن مسلم، عن أبيه. وإسماعيل بن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، عن أبيه، قالوا: قدم أبو عبيد الثقفي من الطائف - وكان رجلًا صالحًا - وندب عمر الناسَ إلى أرض العراق، فخرج أبو عبيد إليها فقُتل وبقي ولده بالمدينة، وكان المختار يومئذ غلامًا يُعرف
ج ٧ ص ٤٩٢بالانقطاع إلى بني هاشم، ثم خرج في آخر خلافة معاوية أو أول خلافة يزيد إلى البصرة، فأقام بها يُظهر ذكر الحسين بن عليّ، فأُخبِر بذلك عبيد الله بن زياد، فأخذه فجلده مائة جلدة ودرّعه عباءة، وبعث به إلى الطائف (١) .
-
فلم يزل بها حتى قام عبد الله بن الزبير ودعا إلى ما دعا إليه، فقدم عليه، فأقام معه من أشد الناس قتالًا وأحسنه نِيّة ومناصحة فيما يرون، وكان يختلف إلى محمد بن الحنفية، ويسمعون منه كلامًا ينكرونه، فلما مات يزيد، ومات المسور بن مخرمة، ومصعب بن عبد الرحمن، استأذن المختار ابن الزبير في الخروج إلى العراق، فأذن له، وهو لا يشك في مناصحته وهو مصرٌّ على الغش له، فكتب ابن الزبير إلى عبد الله بن مطيع، وهو عامله على الكوفة، يذكر له حاله عنده ويوصيه به، فكان يختلف إلى ابن مطيع، ويظهر مناصحة ابن الزبير ويعيبه في السر، ويذكر محمد بن الحنفية فيمدحه، ويصف حاله ويدعو إليه، وحرّض الناسَ على ابن مطيع واتخذ شيعة يركبُ في جماعةٍ وخيلٍ، فعدت خيله على خيل ابن مطيع فأصابوهم، وخافه ابن مطيع فهرب، فلم يطلبه المختار، وقال: أنا على طاعة ابن الزبير، فلأي شيء خرج ابن مطيع؟.
-
وكتب إلى ابن الزبير يقع بابن مطيع ويجبّنه، ويقول: رأيته مداهنًا لبني أمية فلم يسعني أن أقره على ذلك، لما حملت في عنقي من بيعتك، فخرج من الكوفة وأنا ومَنْ قِبَلِي على طاعتك. فقبل منه ابن الزبير وصدّقه، وأقره واليًا على الناس.
-
فلما اطمأن ورأى أن ابن الزبير قد قبل منه، سار إلى منزل عمر بن سعد بن أبي وقاص فقتله في داره، وقتل ابنه حفصًا أسوأ قِتْلة، وجعل يتتبع قتلة الحسين من الديوان الذين خرجوا إليه، فيقتل كل من قدر عليه، وتغيّب كل من خالفه من أهل الكوفة، ثم بعث مسالحه إلى السواد، والمدائن، وعمال الخراج، فجبيت إليه الأموال.