سنه احدى عشره وثلاثمائة

٧٦ فقرة، ج ١١ ص ٢٢٨

الصفحة ٢ من ٢

  1. وضمن حامدا الخمسمائة الف دينار، واحضره، فطالبه فقال: لم يبق غير ضياعي، وانا اوكل في بيعها، فامر بصفعه، فصفع خمسين صفعه، واحدره الى واسط مع خادم وعشره فرسان، وذلك في عاشر شهر رمضان سنه احدى عشره وثلاثمائة.

    ج ١١ ص ٢٣٤
  2. وشاع ببغداد ان حامدا اشتهى بيضا، فطرح له الخادم فيه سما، فأكله، فلحقه ذرب، ودخل واسطا، وهو مثخن، فقام اكثر من مائه مجلس.

  3. فاراد البزوفري الاستظهار لنفسه، فاحضر القاضى وشهوده وكتب: ان حامدا، وصل الى واسط، فتسلمه البزوفري وهو عليل من ذرب وان تلف من ذلك، فإنما مات حتف انفه.

  4. فلما دخل الشهود وقد قرر مع حامد الاشهاد على نفسه قال لهم: ان ابن الفرات

    ج ١١ ص ٢٣٥الكافر الفاجر المجاهر بالرفض وبغض بنى العباس رحمه الله عليهم، عاهدني وحلف بالطلاق وايمان البيعه، على اننى ان اقررت بأموالي لم يسلمني الى ابنه، وصانني على المكروه وولانى، فلما اقررت سلمني الى ابنه فعذبني ودفعنى الى خادمه فسقاني بيضا مسموما، ولا صنع للبزوفرى في دمى الى وقتنا هذا، ولكنه، لعنه الله كفر إحساني ونسى اصطناعى، فاغرى ابن الفرات بي وسعى على دمى، ثم أخذ قطعه من أموالي، وجعل يحشوها في المساور البرتون، ويبتاع الواحدة منها بخمسه دراهم، وفيها امتعه تساوى ثلاثة آلاف دينار فاشهدوا على ما شرحته.

  5. وتبين البزوفري انه قد أخطأ.

  6. وكتب ابن بطحاء صاحب الخبر بواسط الى ابن الفرات بالحال، فشق عليه.

  7. وتوفى ليله الخميس لثلاث عشره خلت من شهر رمضان سنه احدى عشره وثلاثمائة، وغسل وكفن، وصلى عليه القاضى والشهود بواسط.

  8. وأخذ منه ابن الفرات الف الف وثلاثمائة الف دينار.

  9. وقبض المحسن على ابى احمد محمد بن منتاب الواسطي، صاحب حامد، فصادره على مائه الف دينار.

  10. وحكى التنوخي، عن بعض الكتاب قال: حضرت مائدة حامد بن العباس، وعليها عشرون نفسا، وكنت اسمع انه ينفق على مائدته مائتي دينار، فاستقللت ما رايت ثم خرجت فرايت في الدار نيفا وثلاثين مائدة منصوبه، على كل واحده ثلاثون نفسا، وكل مائدة مثل المائدة التي كنت عليها، حتى البوارد والحلوى، وكان لا يستدعى أحدا الى طعامه، بل يقدم الى كل قوم في أماكنهم، وكانت الموائد في الدهاليز، وكان يقدم لكل من يحضر جديا، فتكون الجداء بعدد الناس، ويرفع ما بقي، فتقتسمه الغلمان.

    وقال حامد: انما فعلت هذا لأنني حضرت قبل علو امرى على مائدة بعض اصدقائى، وقدم عليها جدي، فعولت على اكل كليته، فسبقني رجل فأكلها، فاعتقدت في الحال: ان وسع الله على، وان اجعل جداء بعدد الحاضرين

    ج ١١ ص ٢٣٦وركب حامد، وهو عامل واسط الى بستان له، فراى في طريقه دارا محترقه وشيخا يبكى وحوله نساء وصبيان على مثل حاله، فسال عنه، فقيل هذا رجل تاجر احترقت داره، فافتقر، وافلت بنفسه وعياله على هذه الصورة، فوجم ساعه، ثم قال: فلان الوكيل! فجاء، فقال: اريد ان اندبك لامر ان عملته كما اريد، فعلت بك وصنعت وذكر جميلا، وان تجاوزت فيه رسمي فعلت بك وصنعت- وذكر قبيحا، فقال: مر بأمرك، فقال: ترى هذا الشيخ، قد آلمني قلبي له، وقد تنغصت على نزهتى بسببه، وما تسمح نفسي بالتوجه الى بستاني الا بعد ان تضمن لي انى إذا عدت العشية مع النزهه وجدت الشيخ في داره، وهي كما كانت مبنية مجصصه، نظيفة، وفيها الفرش والصفر والمتاع من صنوفه وصنوف الآلات، مثل ما كان فيها، وعلى جميع عياله من كسوه الشتاء والصيف، مثل ما كان لهم.

    قال الشيخ: فتقدم الى الخادم ان يطلق ما أريده، والى صاحب المعونة ان يقف معى، ويحضر كل ما أريده من الصناع، فتقدم حامد بذلك، وكان الزمان صيفا، فاحضر اصناف الروزجايه والبنائين، فكانوا ينقضون بيتا ويطرحون فيه من يبنيه وقيل لصاحب الدار: اكتب جميع ما ذهب منك، فكتب حتى المكنسه والمقدحة، واحضر جميع ذلك.

  11. وصليت العصر، وقد سقفت الدار كلها، وجصصت وغلقت الأبواب ولم يبق الا البياض والطوابيق، فانفذ الى حامد وساله التوقف في البستان، والا يركب منه الى ان يصلى العشاء الأخيرة، وقد بيضت الدار وكنست وفرشت، ولبس الشيخ وعياله الثياب، ودفعت اليهم الصناديق والخزانه مملوءة بالأمتعة.

  12. واجتاز حامد، والناس مجتمعون له كأنه نهار في يوم عيد، فضجوا بالدعاء له، فتقدم الى الجهبذ بخمسه آلاف درهم، يدفعها اليه، يزيدها في بضاعته، وسار حامد الى داره.

  13. وفي هذه السنه، توفى ابو إسحاق ابراهيم بن السرى الزجاج، صاحب المعانى، وكان يخرط الزجاج، فاتى المبرد، وكان يعلم لكل واحد بأجره على قدر معيشته،

    ج ١١ ص ٢٣٧وقال له: انى اكسب في كل يوم درهما ودانقين، وانى أعطيك درهما، ان تعلمت اولم اتعلم، حتى يفرق الموت بيننا، وآخذ منك، قال: قد رضيت قال: وانفذ اليه بنو مارمه من الصراة يطلبون مؤدبا لأولادهم، فانفذنى اليهم، وكنت اوجه اليه في كل شهر ثلاثين درهما وطلب عبيد الله بن سليمان منه مؤدبا لابنه القاسم، فقال: لا اعرف الا مؤدب بنى مارمه، فكتب اليه عبيد الله فاستنزلهم عنى وادبت القاسم، فكنت اقول له: ان ابلغك الله مبلغ ابيك تعطيني عشرين الف دينار؟ فيقول لي: نعم فما مضت الا سنون حتى ولى الوزارة، وانا على ملازمته، فقال لي باليوم الثالث: ما أراك ذكرتني بالنذر، فقلت: لا احتاج مع رعاية الوزير الى، اذكار خادم واجب الحق، فقال: انه المعتضد، ولولاه ما تعاظمنى ان ادفع ذلك في مكان واحد، ولكنى اخاف ان يصير لي حديثا، فخذه مفترقا، فقلت:

    افعل، فقال: اجلس وخذ رقاع اصحاب الحوائج الكبار، ولا تمتنع من مساءلتي في شيء، فكنت اقول ضمن لي في هذه القصة كذا، فكان يقول غبنت فاستزد القوم، فحصل عندي عشرون الف دينار، فقال: حصل عندك مال النذر؟

    قلت: لا، فلما حصل ضعفه، اخبرته، فوقع لي الى خازنه بثلاثة الاف دينار، فأخذتها وامتنعت ان اعرض عليه شيئا فلما كان من غد جئته، فأومأ الى، هات ما معك، فقلت: ما أخذت رقعه لان النذر قد وقع الوفاء به، ولم ادر كيف أقع مع الوزير! فقال: سبحان الله! اترانى كنت اقطع عنك شيئا قد صار لك به عاده، وصار لك به عند الناس منزله وغدو ورواح الى بابى، فيظن الناس ان انقطاعه لتغير رتبتك! اعرض على رسمك وخذ بلا حساب، فكنت اعرض عليه الى ان مات.

  14. وحدث والدى رحمه الله، قال أخبرنا القاضى ابو الطيب، قال: حدثنى محمد بن طلحه الردادى، قال: حدثنى القاضى محمد بن احمد بن المخرمى انه جرى بين الزجاج وبين المعروف بمسينه- وكان من اهل العلم- شر، فاتصل، ونسجه ابليس واحكمه، حتى خرج ابراهيم الى حد السفه، فقال مسينه:

    ج ١١ ص ٢٣٨ابى الزجاج الا شتم عرضي ... لينفعه فإثمه وضره

    واقسم صادقا ما كان حر ... ليطلق لفظه في شتم حره

    ولو انى كررت لفر منى ... ولكن للمنون عليه كره

    فاصبح قد وقاه الله شرى ... ليوم لا وقاه الله شره

    فلما اتصل هذا بالزجاج قصده راجلا، حتى اعتذر وساله الصفح.

  15. وورد الخبر بدخول ابى طاهر سليمان بن الحسن الجنابى البصره سحر يوم الاثنين لخمس بقين من شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشر وثلاثمائة، في الف وسبعمائة رجل، وانه وصل إليها بسلاليم نصبها على سورها وقتل الحراس وطرح بين كل مصراعين حمل رمل وحصى.

  16. وقتل سبك المفلحى امير البصره، واحرق المربد، وبعض الجامع، ومسجد قبر طلحه رضى الله عنه، ولم يعرض للقرى وحاربه اهل البصره عشره ايام بالكلا، وهربوا منه، فطرح فيهم السيف، وغرق منهم الكثير، واقام بها سبعه عشر يوما، يحمل على جماله أموالهم، وسار الى بلده.

  17. وادعى ابن الفرات على على بن عيسى، انه كاتب القرامطة، على المصير الى البصره، واحضر ونوظر، فلم يصح عليه امره.

    وقال الهمانى: سمعت على بن عيسى، يعنف أبا عبد الله، حين حلفت ان استغلال ضيعتك بواسط عشره آلاف دينار، وقد وجد بها في حساب الهمانى انه يرتفع فيها ثلاثين الف دينار، فقال البريدى: تاسيت بسيدنا حين حلف لابن الفرات، ان استغلال ضيعته الصافية عشرون الف دينار، واستغلالها خمسون ألفا.

  18. وعلم انه مع ديانته، لو لم يعلم ان البقية مباحة عند من يخافه لما حلف، فكانه القم عليا حجرا

    ج ١١ ص ٢٣٩وامتنع المقتدر من تسليم على بن عيسى الى ابن الفرات، واراد حفظ نفسه، فادى ثمن دار كانت له بالجانب الغربي في سويقه ابى الورد، سبعه آلاف دينار، وقال للمحسن: ما يمكنني أداء مصادرتى في اعتقالى، فالبسه جبه صوف، وصفعه، فقام عند ذلك نازوك وقال: لا احضر مكروه من قبلت يده السنين الكثيره.

  19. فلما علم ابن الفرات بفعل ابنه، لم يشك ان الخليفة ينكر ذلك، فبادر وكتب الى الخليفة، فسأله في على بن عيسى، وقال: هو من مشايخ الكتاب، وعرفه خدمته، فخرج خط المقتدر، بان الصواب ما فعله المحسن، وانه قد شفعه فيه، وحل قيوده.

  20. واشارت زيدان القهرمانه على ابن الفرات، بتسليمه الى شفيع، والا تسلمه الخليفة، فاستدعى وسلمه اليه.

  21. فخرج وقد أقيمت صلاه المغرب، فقدم على فصلى بالناس في المسجد الذى على دجلة.

  22. ومضى مع شفيع فجلس في صدر طيارة، وجلس شفيع بين يديه، واسعف ابن الفرات وابنه على في مصادرته وحمل اليه ابو الهيجاء بن حمدان عشره آلاف دينار، فردها، فحلف ابو الهيجاء انها لا رجعت الى ملكه، ففرقت في الطالبين والفقراء، وبذل له شفيع اموالا فأبى من قبولها، وقال: لا اجمع عليك مئونتي ومعونتى.

  23. ولما صعد درجه شفيع، مد شفيع يده فاتكا عليها، ولما قبض على ابن الفرات، جعل يرجف، فقال له: لم لم تعطني يدك كما أعطيتها عليا؟ فقال: لان عليا اتقى لله منك.

  24. ولما ادى على مصادرته، اذن المقتدر لابن الفرات في ابعاده الى مكة، فاستاجر له جمالا واعطاه نفقه، وانفذ معه ابن الكوثانى صاحبه، فاراد قتل على، فبلغ

    ج ١١ ص ٢٤٠ذلك اهل مكة فهموا بقتل ابن الكوثانى، فمنع على منه، وحفظه.

  25. وصادر ابن الفرات جميع اسباب على، منهم ابن مقله والشافعى، ولما لم يجد على النعمان بن عبد الله، الذى تاب من التصرف، سبيلا في المصادره، وامتنع من الولاية، احدره الى واسط، وقبض البزوفري عليه من جامعها، لما راى من اكرام اهل البلد له، وأخذ منه سبعه آلاف دينار، ونفى ابن الحوارى الى الأبله، وخنق بالمناره بعد ان عذب، ثم نبشه اهله، وحمل الى بغداد.

  26. وصادر المحسن أبا الحسن على بن مأمون الاسكافى على مائه الف دينار.

  27. وصادر الماذرائيين حين قدموا من مصر على الف وسبعمائة الف دينار.

  28. ونفى ابن مقله الى البصره.

  29. وقدم مؤنس المظفر من الغزو وقد فتح عليه، فاخبر ابن الفرات ما تم على العمال منهم، فسعى به الى المقتدر، فقال له: ما شيء أحب الى من مقامك ببغداد، لانى اجمع بين الانس بقربك والتبرك برأيك، والصواب ان تقيم بالرقة، فتتوسط الاعمال، وتستحث على المال.

  30. فعلم ان ذلك من عمل ابن الفرات، فأجاب اليه، وسئل في الماذرائيين فأطلقوا ونفذ في ذي القعده.

  31. وشرع ابن الفرات في السعاية بنصر القشورى وشفيع المقتدرى، فالتجا نصر الى السيده، فقالت للمقتدر: ان ابن الفرات، ابعد عنك مؤنسا، وهو سيفك، وقد حل له ابعاد حاجبك.

  32. واتفق انه وجد على سطح دار السر في يوم الثلاثاء لخمس خلون من محرم سنه اثنتى عشره وثلاثمائة رجلا أعجميا واقفا، عليه ثياب دبيقيه وتحتها قميص صوف، ومعه محبره وأقلام وورق وحبل، قيل انه دخل مع الصناع وبقي أياما، وعطش فخرج لطلب الماء، فظفر به، وسئل عن حاله، فقال: لا اخاطب غير صاحب

    ج ١١ ص ٢٤١الدار، فقال له ابن الفرات: أخبرني عن حالك، فقال: لا اخاطب غير الخليفة، فضرب وهو يقول ندانم حتى قتل بالعقوبة.

  33. وخاطب ابن الفرات نصرا الحاجب بحضره المقتدر، وقال: كيف ترضى بهذا لأمير المؤمنين، وما يجوز ان ترضى به لنفسك، وما سمعنا ان هذا تم على خليفه قط، وهذا الرجل صاحب احمد بن على أخي صعلوك الذى قتله ابن ابى الساج، واما ان يكون قد دسسته ليفتك بامير المؤمنين، لتخوفك على نفسك منه.

  34. وعداوتك لابن ابى الساج، وصداقتك لأحمد بن على، فقال له نصر: ليت شعرى، ادبر على امير المؤمنين لأنه أخذ أموالي، ونكبنى وهتك حرمي، وحبسنى عشر سنين! ولم يزل امر نصر يضعف والسيده مدافعه عنه.

  35. وكان يوسف بن ابى الساج، حين قلد اعمال الري، قتل بها احمد بن على، أخا صعلوك، وانفذ برأسه الى مدينه السلام.

  36. ولليلتين خلتا من شعبان، قرئت الكتب على المنابر بمدينه السلام بفتح مؤنس المظفر في بلد الروم، وامر فيه المقتدر برفع المواريث الحشريه، كما فعل ذلك المعتضد بالله رحمه الله.