سنه اربع وستين وثلاثمائة
٥٣ فقرة، ج ١١ ص ٤٣٤
الصفحة ٢ من ٢
- ج ١١ ص ٤٤٢
وقبض ابن بقية على من اصحبه عضد الدولة من القواد، واجتمع والمرزبان ابن عز الدولة، وكان بالبصرة، على مكاتبه ركن الدولة، بالاستغاثة من عضد الدولة وابى الفتح بن العميد، فوردت كتب ركن الدولة إليهما، يأمرهما بالتمسك بمكانهما، ويعدهما المسير بنفسه.
-
وكتب بمثل ذلك الى ابى تغلب، فلما عرفوا نيته فيه تجاسروا عليه، واقدمت عليه العامه، فانفذ بابن العميد وابن بندار، وقال لهما قولا لأبي ان انا خرجت من بغداد انفسدت على الممالك، وانا اقاطعه على ثلاثين الف الف درهم في كل سنه، واقدم منها عشره آلاف الف.
-
فلما وصلا الى ركن الدولة، اراد قتلهما وسئل فيهما، فاوصلهما وقال: عودا
ج ١١ ص ٤٤٣اليه، وقولا: تريد ان تمن على بنى أخي بدرهمين أنفقتهما، وامراه بالخروج عن بغداد وتسليمها الى عز الدولة.
-
فعاد ابن العميد الى عضد الدولة وحده، وعرفه الحال، فاضطر الى الخروج عن بغداد الى فارس، وافرج عن عز الدولة واخوته، وخلع عليهم.
-
وثار عليه العيارون والعامه، فقابلهم بالاستخفاف والسب، ووافق ابن العميد على الا يتخلف بعده اكثر من ثلاثة ايام.
-
فلما خرج، طابت بغداد لابن العميد، ونزل في الدور على دجلة، وحصلت له الزبازب والأغاني، وكانت قد حصلت بينه وبين ابن بقية موده.
-
وامتنع ابن العميد عن الشرب، لما قبض عضد الدولة على بختيار، فكتب اليه ابن الحجاج، وقد شرب ابن بقية:
حقي على الأستاذ قد وجبا ... فإليه قد اصبحت منتسبا
يا بن العميد وأنت سيدنا ... ما قلتها زورا ولا كذبا
يا خير اهل الارض كلهم ... اما ويا اسرى العباد أبا
مولاى ترك الشرب ينكره ... من كان في بغداد محتسبا
ان كان من غم الأمير فلم ... ووزيره بالرطل قد شربا
ان الملوك إذا هم اقتتلوا ... اصبحت فيهم كلب من غلبا
فلذاك اسكر غير مكترث ... والف من خيشومى الذنبا
يا سادتى قد جاءنا رجب ... فتفضلوا واستقبلوا رجبا
بمدامه لولا ابوتها ... ما كنت قط اشرف العنبا
خمر كمثل النار موقده ... لم تلق لا نارا ولا حطبا
من قال ان المسك يشبهها ... ريحا فلا والله ما كذبا
وكان ابن العميد، قد سال ابن الحجاج الحضور عنده، فامتنع واعتذر بانقطاعه الى خدمه عز الدولة، فسال عز الدولة حتى انفذه اليه، وشغف به وقال له: لم تاخرت عنى؟ فقال له ابن الحجاج: اننى تركت ما كان عليه أسلافي من الكتابه، وعدلت
ج ١١ ص ٤٤٤الى الشعر السخيف، الذى هتك ستر تجملى، وفكرت في انك ممن لا يسامى قدره، ولا يرد امره ونهيه، واتهمتك بانك جبلي الأخلاق، فظ العشرة، ولم آمن من الا انفق عليك، او لا تنفق أنت على، فتذهب قطعه من عمرى، وقد تنغص عيشي، فقال له ابن العميد: فكيف رأيتني؟ قال: بالضد مما اتهمتك فيه، فاجعلني في حل، فقال له: قد تساوينا، لك على مثل مالي عليك، فاننى كنت اقرا اشعارك فاظنك سخيفا، قليل المروءة، كثير العيوب، حتى شاهدتك فكنت بخلاف ذلك، فان أحللتني احللتك.
-
واعتد ابن العميد على بختيار بما صنعه معه من ابعاده عضد الدولة، فعرض عليه وزارته، فقال: لا يمكنني، فاننى واهلى في خدمه ركن الدولة، منذ خمسين سنه وهو هالك، فإذا مضى جئتك بقطعه من عسكره وكان ذلك يبلغ عضد الدولة، فحنق عليه.
-
وورد ابن بقية بغداد في ذي القعده، وملا عين ابن العميد بالهدايا، وقال في بعض الأيام: لا بد ان اخلع عليه، فلما اكل وقعدا على الشرب، أخذ ابن بقية بيده فرجيه ورداء في غاية الحسن والجلاله، ووافى بهما الى ابن العميد، وقال: صرت يا استاذ جامدارك، فانظر هل ترضيني لخدمتك، فطرح الفرجيه عليه، فاخذ الرداء منه ولبسه.
-
وقصد الفتكين في ثلاثمائة غلام دمشق، وكان العيارون قد استولوا عليها، فخرج اليه اشرافها وشيوخها، وسلموها اليه، فاحسن السيرة، وقمع اهل الفساد، وقامت هيبته، وعظمت منزلته، وقصد العرب وابعدهم، وظهرت شجاعته، وكان اعور.
-
وكان ابن الشمشقيق، قد جاء في الروم، فاخذ بلاد الثغور، وصالح اهل دمشق على مال كثير، فخرج اليه الفتكين، ولعب بين يديه بالرمح، فأعجبته فروسيته، ووهب ما قرره على اهل دمشق له، فسأله ان يهدى له سلاحه، فقاد مع فرسه وسلاحه عشرين فرسا بتجافيفها، فردها ابن الشمشقيق، ولم يقبل غير فرس الفتكين وسلاحه وحده
ج ١١ ص ٤٤٥وانصرف عنه الى جبله وبيروت، ففتحهما عنوه، وتحصن منه اهل أنطاكية، فاستخلف عليها صاحبا له، فقطع شجرها التين، وهو يجرى مجرى النخل بالبصرة، وفتحت له بعد ذلك.
-
وسار ابن الشمشقيق الى قسطنطينيه، فما بعدت وفاته.
-
ومضى الى الفتكين، والده عز الدولة، واخواه ابو إسحاق وابو طاهر، وابنه المرزبان بعد قتله، على ما نشرحه، فأولاهم الجميل، واحسن اليهم، وقصدته العساكر من مصر متكاثره، وكان ما ياتى ذكره في السنه الآتية، وما بعدها.