ذكر الخبر عما كان من امر نبى الله ص عند ابتداء الله تعالى ذكره اياه بإكرامه بإرسال جبريل ع اليه بوحيه

١٤٧ فقرة، ج ٢ ص ٢٩٨

الصفحة ٤ من ٤

  1. يَا رَسُولَ اللَّهِ، الصَّحَابَةَ، الصَّحَابَةَ! قَالَ: الصَّحَابَةَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: خُذْ إِحْدَى الرَّاحِلَتَيْنِ- وَهُمَا الرَّاحِلَتَانِ اللَّتَانِ كَانَ يَعْلِفُهُمَا أَبُو بَكْرٍ، يَعِدُّهُمَا لِلْخُرُوجِ، إِذَا

    ج ٢ ص ٣٧٥
  2. اذن لرسول الله ص- فَأَعْطَاهُ إِحْدَى الرَّاحِلَتَيْنِ، فَقَالَ:
  3. خُذْهَا يَا رَسُولَ الله فارتحلها، [فقال النبي ص قَدْ أَخَذْتُهَا بِالثَّمَنِ،] وَكَانَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مولدا من مولدي الأزد، كان للطفيل ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَخْبَرَةَ، وَهُوَ أَبُو الْحَارِثِ بْنُ الطُّفَيْلِ، وَكَانَ أَخَا عَائِشَةَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ لأُمِّهِمَا، فَأَسْلَمَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، وَهُوَ مَمْلُوكٌ لَهُمْ، فَاشْتَرَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَعْتَقَهُ، وَكَانَ حَسَنَ الإِسْلَامِ، فلما خرج النبي ص وَأَبُو بَكْرٍ، كَانَ لأَبِي بَكْرٍ مَنِيحَةٌ مِنْ غَنَمٍ تَرُوحُ عَلَى أَهْلِهِ، فَأَرْسَلَ أَبُو بَكْرٍ عَامِرًا فِي الْغَنَمِ إِلَى ثَوْرٍ، فَكَانَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ يَرُوحُ بِتِلْكَ الْغَنَمِ عَلَى رَسُولِ الله ص بِالْغَارِ فِي ثَوْرٍ، وَهُوَ الْغَارُ الَّذِي سَمَّاهُ الله في القرآن، فأرسل بِظَهْرِهِمَا رَجُلًا مِنْ بَنِي عَبْدِ بْنِ عَدِيٍّ، حَلِيفًا لِقُرَيْشٍ مِنْ بَنِي سَهْمٍ، ثُمَّ آلِ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ، وَذَلِكَ الْعَدَوِيُّ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكٌ، وَلَكِنَّهُمَا اسْتَأْجَرَاهُ، وَهُوَ هَادٍ بِالطَّرِيقِ وَفِي اللَّيَالِي الَّتِي مَكَثَا بِالْغَارِ كَانَ يَأْتِيهِمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ حِينَ يُمْسِي بِكُلِّ خَبَرٍ بِمَكَّةَ، ثُمَّ يُصْبِحُ بِمَكَّةَ وَيُرِيحُ عَامِرٌ الْغَنَمَ كُلَّ لَيْلَةٍ، فَيَحْلِبَانِ، ثُمَّ يَسْرَحَ بُكْرَةً فَيُصْبِحُ فِي رُعْيَانِ النَّاسِ، وَلَا يُفْطَنُ لَهُ، حَتَّى إِذَا هَدَأَتْ عَنْهُمَا الأَصْوَاتُ، وَأَتَاهُمَا أَنْ قَدْ سُكِتَ عَنْهُمَا، جَاءَهُمَا صَاحِبُهُمَا بِبَعِيرَيْهِمَا، فَانْطَلَقَا وَانْطَلَقَ مَعَهُمَا بِعَامِرِ بْنِ فُهَيْرَةَ يَخْدِمُهُمَا وَيُعِينُهُمَا، يَرْدَفُهُ أَبُو بَكْرٍ وَيَعْقُبُهُ عَلَى رَحْلِهِ، لَيْسَ مَعَهُمَا أَحَدٌ إِلَّا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ،

    ج ٢ ص ٣٧٧وَأَخُو بَنِي عَدِيٍّ يَهْدِيهِمَا الطَّرِيقَ، فَأَجَازَ بِهِمَا فِي أَسْفَلِ مَكَّةَ، ثُمَّ مَضَى بِهِمَا حَتَّى حَاذَى بِهِمَا السَّاحِلَ، أَسْفَلَ مِنْ عُسْفَانَ، ثُمَّ اسْتَجَازَ بِهِمَا حَتَّى عَارَضَ الطَّرِيقَ بَعْدَ مَا جَاوَزَ قَدِيدًا، ثُمَّ سَلَكَ الْخَرَّارَ، ثُمَّ أَجَازَ عَلَى ثَنِيَّةِ الْمُرَّةِ، ثُمَّ أَخَذَ عَلَى طَرِيقٍ يُقَالُ لَهَا الْمُدْلَجَةِ بَيْنَ طَرِيقِ عمق وَطَرِيقِ الرَّوْحَاءِ، حَتَّى تَوَافَوْا طَرِيق الْعرجِ، وَسَلَكَ مَاءً يُقَالُ لَهُ الْغَابِرُ عَنْ يَمِينِ رَكُوبَةَ، حَتَّى يَطْلُعَ عَلَى بَطْنِ رِئْمٍ، ثُمَّ جَاءَ حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةِ عَلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ قِبَلَ الْقَائِلَةِ فَحُدِّثْتُ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِيهِمْ إِلَّا يَوْمَيْنِ- وَتَزْعُمُ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ أَنْ قَدْ أَقَامَ فِيهِمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ- فَاقْتَادَ رَاحِلَتَهُ فَاتَّبَعْتُهُ حَتَّى دَخَلَ فِي دُورِ بنى النجار، فأراهم رسول الله ص مِرْبَدًا كَانَ بَيْنَ ظَهْرَيْ دُورِهِمْ.

  4. وَقَدْ حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قال: حَدَّثَنَا سلمة، قال: حدثني مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُصَيْنِ التَّمِيمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ عائشة زوج النبي ص، قالت: كان رسول الله ص لا يُخْطِئُهُ أَحَدُ طَرَفَيِ النَّهَارِ أَنْ يَأْتِيَ بَيْتَ أَبِي بَكْرٍ إِمَّا بُكْرَةً، وَإِمَّا عَشِيَّةً، حَتَّى إِذَا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي أَذِنَ اللَّهُ فِيهِ لِرَسُولِهِ بِالْهِجْرَةِ، وَبِالْخُرُوجِ مِنْ مَكَّةَ مِنْ بين ظهراني قومه، أتانا رسول الله ص بِالْهَاجِرَةِ، فِي سَاعَةٍ كَانَ لا يَأْتِي فِيهَا.

    قَالَتْ: فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: مَا جاء رسول الله ص هَذِهِ السَّاعَةَ إِلا لأَمْرٍ حَدَثَ قَالَتْ: فَلَمَّا دَخَلَ تَأَخَّرَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ سَرِيرِهِ فَجَلَسَ رسول الله ص، وَلَيْسَ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ إِلا أَنَا وَأُخْتِي

    ج ٢ ص ٣٧٨أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص: أَخْرِجْ عَنِّي مَنْ عِنْدَكَ، قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّمَا هُمَا ابْنَتَايَ، وَمَا ذَاكَ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي! قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَذِنَ لِي بِالْخُرُوجِ وَالْهِجْرَةِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الصُّحْبَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الصُّحْبَةَ.

    قالت: فو الله مَا شَعُرْتُ قَطُّ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ أَنَّ أَحَدًا يَبْكِي مِنَ الْفَرَحِ، حَتَّى رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ يَوْمَئِذٍ يَبْكِي مِنَ الْفَرَحِ ثُمَّ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّ هَاتَيْنِ رَاحِلَتَايَ، كُنْتُ أَعْدَدْتُهُمَا لِهَذَا فَاسْتَأْجَرَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَرْقَدَ- رَجُلا مِنْ بَنِي الدِّيلِ بْنِ بَكْرٍ، وَكَانَتْ أُمُّهُ امْرَأَةً مِنْ بَنِي سَهْمِ بْنِ عَمْرٍو، وَكَانَ مُشْرِكًا- يَدُلُّهُمَا عَلَى الطَّرِيقِ، وَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا، فَكَانَتَا عِنْدَهُ يَرْعَاهُمَا لِمِيعَادِهِمَا، وَلَمْ يَعْلَمْ- فيما بلغنى- بخروج رسول الله ص أَحَدٌ حِينَ خَرَجَ إِلا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَآلُ أَبِي بَكْرٍ، فَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَإِنَّ رَسُولَ الله ص- فِيمَا بَلَغَنِي- أَخْبَرَهُ بِخُرُوجِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَتَخَلَّفَ بَعْدَهُ بِمَكَّةَ حَتَّى يُؤَدِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ص الْوَدَائِعَ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَهُ لِلنَّاسِ، وَكَانَ رَسُولُ الله ص وَلَيْسَ بِمَكَّةَ أَحَدٌ عِنْدَهُ شَيْءٌ يَخْشَى عَلَيْهِ الا وضعه عند رسول الله ص، لِمَا يُعْرَفُ مِنْ صِدْقِهِ وَأَمَانَتِهِ فَلَمَّا أَجْمَعَ رسول الله ص لِلْخُرُوجِ أَتَى أَبَا بَكْرِ بْنَ أَبِي قُحَافَةَ، فَخَرَجَا مِنْ خَوْخَةٍ لأَبِي بَكْرٍ فِي ظَهْرِ بَيْتِهِ، ثُمَّ عَمَدَا إِلَى غَارٍ بِثَوْرِ جَبَلٍ بِأَسْفَلِ مَكَّةَ، فَدَخَلاهُ، وَأَمَرَ أَبُو بَكْرٍ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَسْمَعَ لَهُمَا مَا يَقُولُ النَّاسُ فِيهِمَا نَهَارَهُ، ثُمَّ يَأْتِيهِمَا إِذَا أَمْسَى بِمَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنَ الْخَبَرِ، وَأَمَرَ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ مَوْلاهُ أَنْ يَرْعَى غَنَمَهُ نَهَارَهُ، ثُمَّ يُرِيحَهَا عَلَيْهِمَا إِذَا أَمْسَى بِالْغَارِ وَكَانَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ تَأْتِيهِمَا مِنَ الطَّعَامِ إِذَا أَمْسَتْ بما يصلحهما، فأقام رسول الله

    ج ٢ ص ٣٧٩ص فِي الْغَارِ ثَلاثًا، وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَجَعَلَتْ قُرَيْشٌ حِينَ فَقَدُوهُ مِائَةَ نَاقَةٍ لِمَنْ يَرُدُّهُ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ يَكُونُ فِي قُرَيْشٍ وَمَعَهُمْ، وَيَسْتَمِعُ مَا يَأْتَمِرُونَ بِهِ، وَمَا يَقُولُونَ فِي شَأْنِ رَسُولِ اللَّهِ ص وَأَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ يَأْتِيهِمَا إِذَا أَمْسَى فَيُخْبِرُهُمَا الْخَبَرَ، وَكَانَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ يَرْعَى فِي رُعْيَانِ أَهْلِ مَكَّةَ، فَإِذَا أَمْسَى أَرَاحَ عَلَيْهِمَا غَنَمَ أَبِي بَكْرٍ، فَاحْتَلَبَا وَذَبَحَا، فَإِذَا غَدَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ مِنْ عِنْدِهِمَا إِلَى مَكَّةَ اتَّبَعَ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ أَثَرَهُ بِالْغَنَمِ، حَتَّى يُعْفِي عَلَيْهِ، حَتَّى إِذَا مَضَتِ الثَّلاثُ، وَسَكَنَ عَنْهُمَا النَّاسُ، أَتَاهُمَا صَاحِبُهُمَا الَّذِي اسْتَأْجَرَا بِبَعِيرَيْهِمَا، وَأَتَتْهُمَا أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ بِسُفْرَتِهِمَا، وَنَسِيَتْ أَنْ تَجْعَلَ لَهَا عِصَامًا فَلَمَّا ارْتَحَلا ذَهَبَتْ لِتُعَلِّقَ السُّفْرَةَ، فَإِذَا لَيْسَ فِيهَا عِصَامٌ فَحَلَّتْ نِطَاقَهَا، فَجَعَلَتْهُ لَهَا عِصَامًا، ثُمَّ عَلَّقَتْهَا بِهِ- فَكَانَ يُقَالُ لأَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ: ذَاتُ النِّطَاقَيْنِ، لِذَلِكَ- فَلَمَّا قَرَّبَ أَبُو بَكْرٍ الرَّاحِلَتَيْنِ إِلَى رَسُولِ الله ص، قَرَّبَ لَهُ أَفْضَلَهُمَا، ثُمَّ قَالَ لَهُ: ارْكَبْ فداك ابى وأمي! [فقال رسول الله ص: إِنِّي لا أَرْكَبُ بَعِيرًا لَيْسَ لِي،] قَالَ: فَهُوَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي! قَالَ: لا وَلَكِنْ مَا الثَّمَنُ الَّذِي ابْتَعْتَهَا بِهِ؟ قَالَ: كَذَا وَكَذَا، قَالَ:

  5. قَدْ أَخَذْتُهَا بِذَلِكَ، قَالَ: هِيَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَرَكِبَا فَانْطَلَقَا، وَأَرْدَفَ أَبُو بَكْرٍ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ مَوْلاهُ خَلْفَهُ يَخْدُمُهُمَا بِالطَّرِيقِ.

  6. حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: وَحَدَّثْتُ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ الله ص وَأَبُو بَكْرٍ أَتَانَا نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فِيهِمْ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، فَوَقَفُوا عَلَى بَابِ أَبِي بَكْرٍ، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِمْ، فَقَالُوا: أَيْنَ أَبُوكِ يَا ابْنَةَ أَبِي بَكْرٍ؟ قُلْتُ: لا أَدْرِي وَاللَّهِ أَيْنَ أَبِي! قَالَتْ: فَرَفَعَ أَبُو جَهْلٍ يده-

    ج ٢ ص ٣٨٠وَكَانَ فَاحِشًا خَبِيثًا- فَلَطَمَ خَدِّي لَطْمَةً طَرَحَ مِنْهَا قُرْطِي قَالَتْ: ثُمَّ انْصَرَفُوا وَمَكَثْنَا ثَلاثَ لَيَالٍ، لا نَدْرِي أَيْنَ تَوَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ ص، حَتَّى أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنَ الْجِنِّ، مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ يُغَنِّي بِأَبْيَاتٍ مِنَ الشِّعْرِ غِنَاءَ الْعَرَبِ وَالنَّاسُ يَتْبَعُونَهُ، يَسْمَعُونَ صَوْتَهُ وَمَا يَرَوْنَهُ، حَتَّى خَرَجَ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ، وَهُوَ يَقُولُ:

    جَزَى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين حلا خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدِ

    هُمَا نَزَلاهَا بِالْهُدَى وَاغْتَدَوْا بِهِ ... فَأَفْلَحَ مَنْ أَمْسَى رَفِيقَ مُحَمَّدِ

    لِيَهْنَ بَنِي كَعْبٍ مَكَانُ فَتَاتِهِمْ ... وَمَقْعَدُهَا لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَرْصَدِ

    قَالَتْ: فَلَمَّا سَمِعْنَا قَوْلَهُ عَرَفْنَا حَيْثُ وَجَّهَ رسول الله ص، وَأَنَّ وَجْهَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَكَانُوا أَرْبَعَةً: رَسُولُ الله ص، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَرْقَدَ دَلِيلُهُمَا.

    قال أبو جعفر: حدثني أحمد بن المقدام العجلي، قال: حدثنا هشام ابن محمد بن السائب الكلبي، قال: حدثنا عبد الحميد بن أبي عبس بن محمد بن أبي عبس بن جبر، عن أبيه، قال: سمعت قريش قائلا يقول في الليل على أبي قبيس:

    فإن يسلم السعدان يصبح محمد ... بمكة لا يخشى خلاف المخالف

    فلما أصبحوا قال أبو سفيان: من السعدان؟ سعد بكر، سعد تميم، سعد هذيم! فلما كان في الليلة الثانية، سمعوه يقول:

    أيا سعد سعد الأوس كن أنت ناصرا ... ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف

    أجيبا إلى داعي الهدى وتمنيا ... على الله في الفردوس منية عارف

    فإن ثواب الله للطالب الهدى ... جنان من الفردوس ذات رفارف

    ج ٢ ص ٣٨١فلما أصبحوا، قال أبو سفيان: هو والله سعد بن معاذ وسعد بن عبادة.

    قال أبو جعفر: وقدم دليلهما بهما قباء، على بني عمرو بن عوف، لِثِنْتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الأول، يوم الاثنين حين اشتد الضحى، وكادت الشمس أن تعتدل.

  7. حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُوَيْمِ بْنِ سَاعِدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي رِجَالُ قَوْمِي مِنْ أَصْحَابِ رسول الله ص، قالوا: لما سمعنا بمخرج رسول الله ص مِنْ مَكَّةَ، وَتَوَكَّفْنَا قُدُومَهُ، كُنَّا نَخْرُجُ إِذَا صَلَّيْنَا الصُّبْحَ إِلَى ظَاهِرِ حَرَّتِنَا، نَنْتَظِرُ رَسُولَ الله ص، فو الله مَا نَبْرَحُ حَتَّى تَغْلِبَنَا الشَّمْسُ عَلَى الظِّلَالِ، فَإِذَا لَمْ نَجِدْ ظِلًّا دَخَلْنَا بُيُوتَنَا، وَذَلِكَ فِي أَيَّامٍ حَارَّةٍ، حَتَّى إِذَا كَانَ فِي اليوم الذى قدم فيه رسول الله ص جَلَسْنَا كَمَا كُنَّا نَجْلِسُ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ ظِلٌّ دَخَلْنَا بُيُوتَنَا، وَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ص حِينَ دَخَلْنَا الْبُيُوتَ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ رَآهُ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ، وَقَدْ رَأَى مَا كُنَّا نَصْنَعُ، وَإِنَّا كُنَّا نَنْتَظِرُ قُدُومَ رَسُولِ اللَّهِ ص، فَصَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا بَنِي قَيْلَةَ هَذَا جَدُّكُمْ قَدْ جَاءَ.

    قَالَ: فَخَرَجْنَا إِلَى رَسُولِ الله ص، وَهُوَ فِي ظِلِّ نَخْلَةٍ، وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي مِثْلِ سِنِّهِ وَأَكْثَرُنَا مَنْ لَمْ يَكُنْ راى رسول الله ص قَبْلَ ذَلِكَ، قَالَ: وَرَكِبَهُ النَّاسُ، وَمَا نَعْرِفُهُ مِنْ أَبِي بَكْرٍ، حَتَّى زَالَ

    ج ٢ ص ٣٨٢الظل عن رسول الله ص، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ، فَأَظَلَّهُ بِرِدَائِهِ، فَعَرَفْنَاهُ عِنْدَ ذلك، فنزل رسول الله ص- فِيمَا يَذْكُرُونَ- عَلَى كُلْثُومِ بْنِ هدم، أَخِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، ثُمَّ أَحَدُ بَنِي عُبَيْدٍ، وَيُقَالُ:

    بَلْ نَزَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ خَيْثَمَةَ.

  8. وَيَقُولُ مَنْ يَذْكُرُ أَنَّهُ نَزَلَ عَلَى كُلْثُومِ بْنِ هدمٍ: إِنَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِذَا خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِ كُلْثُومِ بْنِ هدمٍ، جَلَسَ لِلنَّاسِ فِي بَيْتِ سَعْدِ بْنِ خَيْثَمَةَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ عَزَبًا لا أَهْلَ لَهُ، وَكَانَ مَنَازِلُ الْعُزَّابِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ص مِنَ الْمُهَاجِرِينَ عِنْدَهُ، فَمِنْ هُنَالِكَ يُقَالُ: نَزَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ خَيْثَمَةَ، وَكَانَ يُقَالُ لِبَيْتِ سَعْدِ بْنِ خَيْثَمَةَ: بَيْتُ الْعُزَّابِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ، كُلًّا قَدْ سَمِعْنَا.

  9. وَنَزَلَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ عَلَى خَبِيبِ بن اساف، أخي بنى الحارث ابن الْخَزْرَجِ بِالسَّنْحِ، وَيَقُولُ قَائِلٌ: كَانَ مَنْزِلُهُ عَلَى خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ، أَخِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ.

  10. وَأَقَامَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ لَيَالٍ وَأَيَّامِهَا، حَتَّى أَدَّى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ص الْوَدَائِعَ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَهُ إِلَى النَّاسِ، حَتَّى إذا فرغ منها لحق برسول الله ص، فنزل معه على كلثوم ابن هدمٍ، فَكَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ: وَإِنَّمَا كَانَتْ إِقَامَتُهُ بِقُبَاءٍ عَلَى امْرَأَةٍ لا زَوْجَ لَهَا مُسْلِمَةٍ، لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ، وَكَانَ يَقُولُ: كُنْتُ نَزَلْتُ بِقُبَاءٍ عَلَى امْرَأَةٍ لا زَوْجَ لَهَا مُسْلِمَةٍ، فَرَأَيْتُ إِنْسَانًا يَأْتِيهَا فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، فَيَضْرِبُ عَلَيْهَا بَابَهَا، فَتَخْرُجُ إِلَيْهِ فَيُعْطِيهَا شَيْئًا مَعَهُ، قَالَ: فَاسْتَرَبْتُ لِشَأْنِهِ، فَقُلْتُ لَهَا: يَا أَمَةَ اللَّهِ، مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي يَضْرِبُ عَلَيْكِ بَابَكِ كُلَّ لَيْلَةٍ فَتَخْرُجِينَ إِلَيْهِ، فَيُعْطِيكِ شَيْئًا، مَا أَدْرِي مَا هُوَ؟ وَأَنْتِ امْرَأَةٌ مُسْلِمَةٌ لا زَوْجَ لَكِ! قَالَتْ: هَذَا سَهْلُ بْنُ حُنَيْفِ بْنِ وَاهِبٍ، قَدْ عَرَفَ أَنِّي امْرَأَةٌ لا أَحَدَ لِي، فَإِذَا أَمْسَى عَدَا عَلَى أَوْثَانِ قَوِمِه فَكَسَرَهَا، ثُمَّ جَاءَنِي بِهَا، وَقَالَ: احْتَطِبِي بِهَذَا فَكَانَ عَلِيُّ بْنُ

    ج ٢ ص ٣٨٣أَبِي طَالِبٍ يَأْثُرُ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ سَهْلِ بْنِ حَنِيفٍ حِينَ هَلَكَ عِنْدَهُ بِالْعِرَاقِ حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثني هذا الحديث عَلِيُّ بْنُ هِنْدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

  11. فأقام رسول الله ص بِقُبَاءَ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ يَوْمَ الاثْنَيْنِ، وَيَوْمَ الثُّلاثَاءِ، وَيَوْمَ الأَرْبِعَاءِ، وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، وَأَسَّسَ مَسْجِدَهُمْ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَبَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ مَكَثَ فِيهِمْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  12. ويقول بعضهم: إن مقامه بقباء كان بضعة عشر يوما.

    قال أبو جعفر: واختلف السلف من أهل العلم في مده مقام رسول الله ص بمكة بعد ما استنبئ، فقال بعضهم: كانت مدة مقامه بها إلى أن هاجر إلى المدينة عشر سنين.

  13. ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:
  14. حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ الْمَدَنِيُّ- يُقَالُ لَهُ أَبُو زُكَيْرٍ- قَالَ: سَمِعْتُ رَبِيعَةَ بْنَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَذْكُرُ عَنْ أَنَسِ ابن مالك، ان رسول الله ص بُعِثَ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ عَشْرًا.

  15. حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ نَصْرٍ الآمِلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ موسى، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: أخبرتني عائشة وابن عباس ان رسول الله ص

    ج ٢ ص ٣٨٤لَبِثَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ، يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ.

  16. حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قال: حدثنا يحيى ابن سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، يَقُولُ: انزل على رسول الله ص الْقُرْآنُ وَهُوَ ابْنُ ثَلاثٍ وَأَرْبَعِينَ، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ عَشْرًا.

  17. حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ ثَابِتٍ الرَّازِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا احمد، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أُنْزِلَ على النبي ص وَهُوَ ابْنُ ثَلاثٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، فَمَكَثَ بِمَكَّةَ عَشْرًا.

  18. حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ الْحِمْصِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ص عَلَى رَأْسِ عَشْرٍ مِنْ مَخْرَجِهِ قال أبو جعفر: وقال آخرون: بل أقام بعد ما استنبئ بمكة ثلاث عشرة سنة.

  19. ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:
  20. حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- يَعْنِي ابْنَ سَلَمَةَ-، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَقَامَ رَسُولُ الله ص بِمَكَّةَ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً يُوحَى إِلَيْهِ.

  21. حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حدثنا حماد ابن سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ الضُّبَعِيُّ، عَنِ ابن عباس، قال:

    بعث رسول الله ص لأربعين سنة، وأقام بمكة ثلاث عشرة سنة

    ج ٢ ص ٣٨٥حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، قال: حدثنا زكرياء ابن إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مكث رسول الله ص بِمَكَّةَ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً.

  22. حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَرَّاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قال: بعث النبي ص لأَرْبَعِينَ سَنَةً، فَمَكَثَ بِمَكَّةَ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً يُوحَى إِلَيْهِ، ثُمَّ أُمِرَ بِالْهِجْرَةِ.

    قال أبو جعفر: وقد وافق قول من قال: بعث رسول الله ص لأربعين سنة، وأقام بمكة ثلاث عشرة سنة قول أبي قيس صرمة بن أبي أنس، أخي بني عدي بن النجار، في قصيدته التي يقول فيها، وهو يصف كرامة الله إياهم بما أكرمهم به من الإسلام، ونزول نبى الله ص، عليهم:

    ثوى في قريش بضع عشرة حجة ... يذكر لو يلقى صديقا مواتيا!

    ويعرض في اهل المواسم نفسه ... فلم ير من يؤوى، ولم ير داعيا

    فلما أتانا أظهر الله دينه ... فأصبح مسرورا بطيبة راضيا

    وألفى صديقا واطمأنت به النوى ... وكان له عونا من الله باديا

    يقص لنا ما قال نوح لقومه ... وما قال موسى إذ أجاب المناديا

    وأصبح لا يخشى من الناس واحدا ... قريبا، ولا يخشى من الناس نائيا

    بذلنا له الأموال من جل مالنا ... وأنفسنا عند الوغى والتأسيا

    ج ٢ ص ٣٨٦ونعلم أن الله لا شيء غيره ... ونعلم ان الله افضل هاديا

    فاخبر ابو القيس في قصيدته هذه أن مقام رسول الله ص في قومه قريش كان بعد ما استنبئ وصدع بالوحي من الله بضع عشرة حجة.

    وقال بعضهم كان مقامه بمكة خمس عشرة سنة:

  23. ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:
  24. حدثني بذلك الْحَارِثُ، عَنِ ابْنِ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عمر، عن إبراهيم بن إسماعيل، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عباس، واستشهد بهذا البيت من قول أبي قيس صرمة بن أبي أنس، غير أنه أنشد ذلك:

    ثوى في قريش خمس عشرة حجة ... يذكر لو يلقى صديقا مواتيا!

    قال أبو جعفر: وقد روي عن الشعبي إن إسرافيل قرن برسول الله ص قبل أن يوحى إليه ثلاث سنين.

  25. حَدَّثَنِي الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ- قَالَ: وَحَدَّثَنَا إِمْلاءً مِنْ لَفْظِهِ مَنْصُورٌ عَنِ الأَشْعَثِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ- قَالَ:

    قُرِنَ إِسْرَافِيلُ بِنُبُوَّةِ رسول الله ص ثَلاثَ سِنِينَ، يَسْمَعُ حِسَّهُ، وَلا يَرَى شَخْصَهُ ثم كان بعد ذلك جبريل ع قال الواقدي:

    فذكرت ذلك لمحمد بن صالح بن دينار، فقال: والله يا بن أخي لقد سمعت عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، وعاصم بن عمر بن قتادة يحدثان في

    ج ٢ ص ٣٨٧المسجد ورجل عراقي يقول لهما هذا، فأنكراه جميعا وقالا: ما سمعنا ولا علمنا إلا أن جبريل هو الذي قرن به، وكان يأتيه بالوحي من يوم نبئ إلى أن توفى ص.

  26. حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ النُّبُوَّةُ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَقُرِنَ بِنُبُوَّتِهِ إِسْرَافِيلُ ثَلاثَ سِنِينَ، فَكَانَ يُعَلِّمُهُ الْكَلِمَةَ وَالشَّيْءَ، وَلَمْ يَنْزِلِ الْقُرْآنُ عَلَى لِسَانِهِ، فَلَمَّا مضت ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل ع، فَنَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى لِسَانِهِ عَشْرَ سِنِينَ بِمَكَّةَ وَعَشْرَ سِنِينَ بِالْمَدِينَةِ.

    قال أبو جعفر: فلعل الذين قالوا: كان مقامه بمكة بعد الوحي عشرا عدوا مقامه بها من حين أتاه جبريل بالوحي من الله عز وجل، وأظهر الدعاء إلى توحيد الله وعد الذين قالوا: كان مقامه ثلاث عشرة سنة من أول الوقت الذي استنبئ فيه، وكان إسرافيل المقرون به وهي السنون الثلاث التي لم يكن أمر فيها بإظهار الدعوة.

  27. وقد روي عن قتادة غير القولين اللذين ذكرت، وذلك ما حدثت عن روح بن عبادة، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: نزل القرآن على رسول الله ص ثماني سنين بمكة وعشرا بعد ما هاجر، وكان الحسن يقول: عشرا بمكة وعشرا بالمدينة