ذكر الخبر عن مراسله الكوفيين الحسين ع للمصير إلى ما قبلهم وامر مسلم بن عقيل رضى الله عنه
٤٨ فقرة، ج ٥ ص ٣٤٧
الصفحة ٢ من ٢
- ج ٥ ص ٣٦٩
قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي أَبُو جناب الكلبي أن كثيرا ألفى رجلا من
ج ٥ ص ٣٧٠كلب يقال لَهُ عبد الأعلى بن يَزِيدَ، قَدْ لبس سلاحه يريد ابن عقيل فِي بني فتيان، فأخذه حَتَّى أدخله عَلَى ابن زياد، فأخبره خبره، فَقَالَ لابن زياد:
إنما أردتك، قَالَ: وكنت وعدتني ذَلِكَ من نفسك، فأمر بِهِ فحبس، وخرج مُحَمَّد بن الأشعث حَتَّى وقف عِنْدَ دور بني عمارة، وجاءه عمارة بن صلخب الأَزْدِيّ وَهُوَ يريد ابن عقيل، عَلَيْهِ سلاحه، فأخذه فبعث بِهِ إِلَى ابن زياد فحبسه، فبعث ابن عقيل إِلَى مُحَمَّد بن الأشعث من المسجد عبد الرَّحْمَن ابن شريح الشبامي، فلما رَأَى مُحَمَّد بن الأشعث كثرة من أتاه، أخذ يتنحى ويتأخر، وأرسل القعقاع بن شور الذهلي إِلَى مُحَمَّد بن الأشعث: قَدْ جلت عَلَى ابن عقيل من العرار، فتأخر عن موقفه، فأقبل حَتَّى دخل عَلَى ابن زياد من قبل دار الروميين، فلما اجتمع عِنْدَ عُبَيْد اللَّهِ كثير بن شهاب ومُحَمَّد والقعقاع فيمن أطاعهم من قومهم، قال لَهُ كثير- وكانوا مناصحين لابن زياد: أصلح اللَّه الأمير! معك فِي القصر ناس كثير من أشراف الناس ومن شرطك وأهل بيتك ومواليك، فاخرج بنا إِلَيْهِم، فأبى عُبَيْد اللَّهِ، وعقد لشبث بن ربعي لواء، فأخرجه، وأقام الناس مع ابن عقيل يكبرون ويثوبون حَتَّى المساء، وأمرهم شديد، فبعث عُبَيْد اللَّهِ إِلَى الأشراف فجمعهم إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أشرفوا عَلَى الناس فمنوا أهل الطاعة الزيادة والكرامة، وخوفوا أهل المعصية الحرمان والعقوبة، وأعلموهم فصول الجنود من الشام إِلَيْهِم.
قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي سُلَيْمَان بن أبي راشد، عن عَبْد اللَّهِ بن خازم الكثيري من الأزد، من بني كثير، قَالَ: أشرف علينا الأشراف، فتكلم كثير بن شهاب أول الناس حَتَّى كادت الشمس أن تجب، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، الحقوا بأهاليكم، وَلا تعجلوا الشر، وَلا تعرضوا أنفسكم للقتل، فإن هَذِهِ جنود أَمِير الْمُؤْمِنِينَ يَزِيد قَدْ أقبلت، وَقَدْ أعطى اللَّه الأمير عهدا:
لَئِنْ أتممتم عَلَى حربه ولم تنصرفوا من عشيتكم أن يحرم ذريتكم العطاء، ويفرق مقاتلتكم فِي مغازي أهل الشام عَلَى غير طمع، وأن يأخذ البريء بالسقيم، والشاهد بالغائب، حَتَّى لا يبقى لَهُ فيكم بقية من أهل المعصية إلا أذاقها وبال
ج ٥ ص ٣٧١مَا جرت أيديها، وتكلم الأشراف بنحو من كلام هَذَا، فلما سمع مقالتهم الناس أخذوا يتفرقون، وأخذوا ينصرفون.
قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي الْمُجَالِد بن سَعِيد، أن المرأة كَانَتْ تأتي ابنها أو أخاها فتقول: انصرف، الناس يكفونك، ويجيء الرجل إِلَى ابنه أو أخيه فيقول: غدا يأتيك أهل الشام، فما تصنع بالحرب والشر! انصرف فيذهب بِهِ، فما زالوا يتفرقون ويتصدعون حَتَّى أمسى ابن عقيل وما مَعَهُ ثلاثون نفسا فلما رَأَى إنه قَدْ أمسى وليس مَعَهُ إلا أُولَئِكَ النفر خرج متوجها نحو أبواب كندة، وبلغ الأبواب وَمَعَهُ مِنْهُمْ عشرة، ثُمَّ خرج من الباب وإذا ليس مَعَهُ إنسان، والتفت فإذا هُوَ لا يحس أحدا يدله عَلَى الطريق، وَلا يدله عَلَى منزل وَلا يواسيه بنفسه إن عرض لَهُ عدو، فمضى عَلَى وجهه يتلدد فِي أزقة الْكُوفَة لا يدري أين يذهب! حَتَّى خرج إِلَى دور بني جبلة من كندة، فمشى حَتَّى انتهى إِلَى باب امرأة يقال لها طوعة- أم ولد كَانَتْ للأشعث بن قيس، فأعتقها، فتزوجها أسيد الحضرمي فولدت لَهُ بلالا، وَكَانَ بلال، قَدْ خرج مع الناس وأمه قائمة تنتظره- فسلم عَلَيْهَا ابن عقيل، فردت عَلَيْهِ، فَقَالَ لها: يَا أمة اللَّه، اسقيني ماء، فدخلت فسقته، فجلس وأدخلت الإناء، ثُمَّ خرجت فَقَالَتْ: يَا عَبْد اللَّهِ ألم تشرب! قَالَ: بلى، قالت: فاذهب إِلَى أهلك، فسكت، ثُمَّ عادت فَقَالَتْ مثل ذَلِكَ، فسكت، ثُمَّ قالت له: في الله، سبحان اللَّه يَا عَبْد اللَّهِ! فمر إِلَى أهلك عافاك اللَّه، فإنه لا يصلح لك الجلوس عَلَى بابي، وَلا أحله لك، فقام فَقَالَ: يَا أمة اللَّه، مَا لي فِي هَذَا المصر منزل وَلا عشيرة، فهل لك إِلَى أجر ومعروف، ولعلي مكافئك بِهِ بعد الْيَوْم! فَقَالَتْ: يَا عَبْد اللَّهِ، وما ذاك؟ قَالَ:
أنا مسلم بن عقيل، كذبني هَؤُلاءِ القوم وغروني، قالت: أنت مسلم! قَالَ: نعم قالت: ادخل، فأدخلته بيتا فِي دارها غير البيت الَّذِي تكون فِيهِ، وفرشت لَهُ، وعرضت عَلَيْهِ العشاء فلم يتعش، ولم يكن بأسرع من أن جَاءَ ابنها فرآها تكثر الدخول فِي البيت والخروج مِنْهُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ إنه
ج ٥ ص ٣٧٢ليريبني كثرة دخولك هَذَا البيت منذ الليلة وخروجك مِنْهُ! إن لك لشأنا، قالت: يَا بني، اله عن هَذَا، قَالَ لها: وَاللَّهِ لتخبرني: قالت: أقبل عَلَى شأنك وَلا تسألني عن شَيْء، فألح عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: يَا بني، لا تحدثن أحدا مِنَ النَّاسِ بِمَا أخبرك بِهِ، وأخذت عَلَيْهِ الأيمان، فحلف لها، فأخبرته، فاضطجع وسكت- وزعموا أنه قَدْ كَانَ شريدا مِنَ النَّاسِ وَقَالَ بعضهم: كَانَ يشرب مع أَصْحَاب لَهُ- ولما طال عَلَى ابن زياد، وأخذ لا يسمع لأَصْحَاب ابن عقيل صوتا كما كَانَ يسمعه قبل ذَلِكَ قَالَ لأَصْحَابه: أشرفوا فانظروا هل ترون مِنْهُمْ أحدا! فأشرفوا فلم يروا أحدا، قَالَ: فانظروا لعلهم تحت الظلال قَدْ كمنوا لكم، ففرعوا بحابح المسجد، وجعلوا يخفضون شعل النار فِي أيديهم، ثُمَّ ينظرون: هل فِي الظلال أحد؟ وكانت أحيانا تضيء لَهُمْ، وأحيانا لا تضيء لَهُمْ كما يريدون، فدلوا القناديل وأنصاف الطنان تشد بالحبال، ثُمَّ تجعل فِيهَا النيران، ثُمَّ تدلى، حَتَّى تنتهي إِلَى الأرض ففعلوا ذَلِكَ فِي أقصى الظلال وأدناها وأوسطها حَتَّى فعلوا ذَلِكَ بالظلة الَّتِي فِيهَا الْمِنْبَر، فلما لم يروا شَيْئًا أعلموا ابن زياد، ففتح باب السدة الَّتِي فِي المسجد ثُمَّ خرج فصعد الْمِنْبَر، وخرج أَصْحَابه مَعَهُ، فأمرهم فجلسوا حوله قبيل العتمة، وأمر عَمْرو بن نافع فنادى: أَلا برئت الذمة من رجل من الشرطة والعرفاء أو المناكب أو المقاتلة صلى العتمة إلا فِي المسجد، فلم يكن لَهُ إلا ساعة حَتَّى امتلأ المسجد مِنَ النَّاسِ، ثُمَّ أمر مناديه فأقام الصَّلاة، فَقَالَ الحصين بن تميم: إن شئت صليت بِالنَّاسِ، أو يصلي بهم غيرك، ودخلت أنت فصليت فِي القصر، فإني لا آمن أن يغتالك بعض أعدائك! فَقَالَ: مر حرسي فليقوموا ورائي كما كَانُوا يقفون، ودر فِيهِمْ فإني لست بداخل إذا.
-
فصلى بِالنَّاسِ، ثُمَّ قام فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فإن ابن عقيل السفيه الجاهل، قَدْ أتى مَا قَدْ رأيتم من الخلاف والشقاق، فبرئت ذمة اللَّه من رجل وجدناه فِي داره، ومن جَاءَ بِهِ فله ديته اتقوا اللَّه عباد اللَّه، والزموا طاعتكم وبيعتكم، وَلا تجعلوا عَلَى أنفسكم سبيلا يَا حصين
ج ٥ ص ٣٧٣ابن تميم، ثكلتك أمك إن صاح باب سكة من سكك الْكُوفَة، أو خرج هَذَا الرجل ولم تأتني بِهِ، وَقَدْ سلطتك عَلَى دور أهل الْكُوفَة، فابعث مراصدة عَلَى أفواه السكك، وأصبح غدا واستبر الدور وجس خلالها حَتَّى تأتيني بهذا الرجل- وَكَانَ الحصين عَلَى شرطه، وَهُوَ من بني تميم- ثُمَّ نزل ابن زياد فدخل وَقَدْ عقد لعمرو بن حريث راية وأمره عَلَى الناس، فلما أصبح جلس مجلسه وأذن لِلنَّاسِ فدخلوا عَلَيْهِ، وأقبل مُحَمَّد بن الأشعث فَقَالَ: مرحبا بمن لا يستغش ولايتهم! ثُمَّ أقعده إِلَى جنبه، وأصبح ابن تِلَكَ العجوز وَهُوَ بلال بن أسيد الَّذِي آوت أمه ابن عقيل، فغدا إِلَى عبد الرَّحْمَن بن محمد ابن الأشعث فأخبره بمكان ابن عقيل عِنْدَ أمه، قَالَ: فأقبل عبد الرَّحْمَن حَتَّى أتى أباه وَهُوَ عِنْدَ ابن زياد، فساره، فَقَالَ لَهُ ابن زياد: مَا قَالَ لك؟
قَالَ: أَخْبَرَنِي أن ابن عقيل فِي دار من دورنا، فنخس بالقضيب فِي جنبه ثُمَّ قَالَ: قم فأتني بِهِ الساعة.
قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي قدامة بن سَعِيد بن زائدة بن قدامة الثقفي، أن ابن الأشعث حين قام ليأتيه بابن عقيل بعث إِلَى عَمْرو بن حريث وَهُوَ فِي المسجد خليفته عَلَى الناس، أن ابعث مع ابن الأشعث ستين أو سبعين رجلا كلهم من قيس- وإنما كره أن يبعث مَعَهُ قومه لأنه قَدْ علم أن كل قوم يكرهون أن يصادف فِيهِمْ مثل ابن عقيل- فبعث مَعَهُ عَمْرو بن عُبَيْد اللَّهِ بن عباس السلمي فِي ستين أو سبعين من قيس، حَتَّى أتوا الدار الَّتِي فِيهَا ابن عقيل، فلما سمع وقع حوافر الخيل وأصوات الرجال عرف أنه قَدْ أتي، فخرج إِلَيْهِم بسيفه، واقتحموا عَلَيْهِ الدار، فشد عَلَيْهِم يضربهم بسيفه حَتَّى أخرجهم من الدار، ثُمَّ عادوا إِلَيْهِ، فشد عَلَيْهِم كذلك، فاختلف هُوَ وبكير بن حمران الأحمري ضربتين، فضرب بكير فم مسلم فقطع شفته العليا، وأشرع السيف فِي السفلى، ونصلت لها ثنيتاه، فضربه مسلم ضربة فِي رأسه منكرة، وثنى بأخرى عَلَى حبل العاتق كادت تطلع عَلَى جوفه فلما رأوا ذَلِكَ أشرفوا عَلَيْهِ من فوق ظهر البيت، فأخذوا يرمونه بالحجارة، ويلهبون النار فِي أطنان القصب، ثُمَّ يقلبونها عَلَيْهِ من فوق
ج ٥ ص ٣٧٤البيت، فلما رَأَى ذَلِكَ خرج عَلَيْهِم مصلتا بسيفه فِي السكة فقاتلهم، فأقبل عَلَيْهِ مُحَمَّد بن الأشعث فَقَالَ: يَا فتى، لك الأمان، لا تقتل نفسك، فأقبل يقاتلهم، وَهُوَ يقول:
أقسمت لا أقتل إلا حرا ... وإن رأيت الموت شَيْئًا نكرا
كل امرئ يَوْمًا ملاق شرا ... ويخلط البارد سخنا مرا
رد شعاع الشمس فاستقر ... أخاف أن أكذب أو أغرا
فَقَالَ لَهُ مُحَمَّد بن الأشعث: إنك لا تكذب وَلا تخدع وَلا تغر، إن القوم بنو عمك، وليسوا بقاتليك وَلا ضاربيك، وَقَدْ أثخن بالحجارة، وعجز عن القتال وانبهر، فأسند ظهره إِلَى جنب تلك الدار، فدنا محمد ابن الأشعث فَقَالَ: لك الأمان، فَقَالَ: آمن أنا؟ قَالَ: نعم، وَقَالَ القوم:
أنت آمن، غير عَمْرو بن عُبَيْد اللَّهِ بن العباس السلمي فإنه قَالَ:
لا ناقة لي فِي هَذَا وَلا جمل، وتنحى.
وَقَالَ ابن عقيل: أما لو لم تؤمنوني مَا وضعت يدي فِي أيديكم وأتي ببغلة فحمل عَلَيْهَا، واجتمعوا حوله، وانتزعوا سيفه من عنقه، فكأنه عِنْدَ ذَلِكَ آيس من نفسه، فدمعت عيناه، ثُمَّ قَالَ: هذا أول الغدر، قال محمد ابن الاشعث: أرجو الا يكون عَلَيْك بأس، قَالَ: مَا هُوَ إلا الرجاء، أين أمانكم! إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ! وبكى، فَقَالَ لَهُ عَمْرو بن عُبَيْد اللَّهِ بن عباس: إن من يطلب مثل الَّذِي تطلب إذا نزل بِهِ مثل الَّذِي نزل بك لم يبك، قَالَ: إني وَاللَّهِ مَا لنفسي أبكي، وَلا لها من القتل أرثي، وإن كنت لم أحب لها طرفة عين تلفا، ولكن أبكي لأهلي المقبلين إلي، أبكي لحسين وآل حُسَيْن! ثُمَّ أقبل عَلَى مُحَمَّد بن الأشعث فَقَالَ: يَا عَبْد اللَّهِ، إني أراك وَاللَّهِ ستعجز عن أماني، فهل عندك خير! تستطيع أن تبعث من عندك رجلا عَلَى لساني يبلغ حسينا، فإني لا أراه إلا قَدْ خرج إليكم الْيَوْم مقبلا، او هو خرج غدا هُوَ وأهل بيته، وإن مَا ترى من جزعي لذلك،
ج ٥ ص ٣٧٥فيقول: إن ابن عقيل بعثني إليك، وَهُوَ فِي أيدي القوم أسير لا يرى أن تمشي حَتَّى تقتل، وَهُوَ يقول: ارجع بأهل بيتك، وَلا يغرك أهل الْكُوفَة فإنهم أَصْحَاب أبيك الَّذِي كَانَ يتمنى فراقهم بالموت أو القتل، إن أهل الْكُوفَة قَدْ كذبوك وكذبوني، وليس لمكذب رأي، فَقَالَ ابن الأشعث: وَاللَّهِ لأفعلن، ولأعلمن ابن زياد أني قَدْ أمنتك قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي جَعْفَر بن حُذَيْفَة الطائي- وقد عرف سعيد ابن شيبان الحديث- قَالَ: دعا مُحَمَّد بن الأشعث إياس بن العثل الطَّائِيّ من بني مالك ابن عَمْرو بن ثمامة، وَكَانَ شاعرا، وَكَانَ لمُحَمَّد زوارا، فَقَالَ لَهُ: الق حسينا فأبلغه هَذَا الكتاب، وكتب فِيهِ الَّذِي أمره ابن عقيل، وَقَالَ لَهُ: هَذَا زادك وجهازك، ومتعة لعيالك، فَقَالَ: من أين لي براحلة، فإن راحلتي قَدْ أنضيتها؟ قَالَ: هَذِهِ راحلة فاركبها برحلها ثُمَّ خرج فاستقبله بزبالة لأربع ليال، فأخبره الخبر، وبلغه الرسالة، [فَقَالَ لَهُ حُسَيْن: كل مَا حم نازل، وعند اللَّه نحتسب أنفسنا وفساد أمتنا] .
-
وَقَدْ كَانَ مسلم بن عقيل حَيْثُ تحول إِلَى دار هانئ بن عروة وبايعه ثمانية عشر ألفا، قدم كتابا إِلَى حُسَيْن مع عابس بن أبي شبيب الشاكري:
أَمَّا بَعْدُ، فإن الرائد لا يكذب أهله، وَقَدْ بايعني من أهل الْكُوفَة ثمانية عشر ألفا، فعجل الإقبال حين يأتيك كتابي، فإن الناس كلهم معك، ليس لَهُمْ فِي آل مُعَاوِيَة رأي وَلا هوى، والسلام.
-
وأقبل مُحَمَّد بن الأشعث بابن عقيل إِلَى باب القصر، فاستأذن فأذن لَهُ، فأخبر عُبَيْد اللَّهِ خبر ابن عقيل وضرب بكير إِيَّاهُ، فَقَالَ: بعدا لَهُ! فأخبره مُحَمَّد بن الأشعث بِمَا كَانَ مِنْهُ وما كَانَ من أمانه إِيَّاهُ، فَقَالَ عُبَيْد اللَّهِ: مَا أنت والأمان! كأنا أرسلناك تؤمنه! انما أرسلناك لتأتينا بِهِ، فسكت وانتهى ابن عقيل إِلَى باب القصر وَهُوَ عطشان، وعلى باب القصر ناس جلوس ينتظرون الإذن، مِنْهُمْ عمارة بن عُقْبَةَ بن أبي معيط، وعمرو بن حريث، ومسلم بن عمرو، وكثير بن شهاب.
قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي قدامة بن سَعْد أن مسلم بن عقيل حين
ج ٥ ص ٣٧٦انتهى إِلَى باب القصر فإذا قلة باردة موضوعة عَلَى الباب، فَقَالَ ابن عقيل:
اسقوني من هَذَا الماء، فَقَالَ لَهُ مسلم بن عَمْرو: أتراها مَا أبردها! لا وَاللَّهِ لا تذوق منها قطرة أبدا حَتَّى تذوق الحميم فِي نار جهنم! قَالَ لَهُ ابن عقيل:
ويحك! من أنت؟ قَالَ: أنا ابن من عرف الحق إذ أنكرته، ونصح لإمامه إذ غششته، وسمع وأطاع إذ عصيته وخالفت، أنا مسلم بن عَمْرو الباهلي، فَقَالَ ابن عقيل: لأمك الثكل! مَا أجفاك، وما أفظك، وأقسى قلبك واغلظك! أنت يا بن باهلة أولى بالحميم والخلود فِي نار جهنم مني، ثُمَّ جلس متساندا إِلَى حائط.
قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي قدامة بن سَعْد أن عَمْرو بن حريث بعث غلاما يدعى سُلَيْمَان، فجاءه بماء فِي قلة فسقاه.
قَالَ أَبُو مخنف: وَحَدَّثَنِي سَعِيد بن مدرك بن عمارة، أن عمارة بن عُقْبَةَ بعث غلاما لَهُ يدعى قيسا، فجاءه بقلة عَلَيْهَا منديل وَمَعَهُ قدح فصب فِيهِ ماء، ثُمَّ سقاه، فأخذ كلما شرب امتلأ القدح دما، فلما ملأ القدح المرة الثالثة ذهب ليشرب فسقطت ثنيتاه فِيهِ، فَقَالَ: الحمد لِلَّهِ! لو كَانَ لي من الرزق المقسوم شربته وأدخل مسلم عَلَى ابن زياد فلم يسلم عَلَيْهِ بالإمرة، فَقَالَ لَهُ الحرسي: أَلا تسلم عَلَى الأمير! فَقَالَ لَهُ: إن كَانَ يريد قتلي فما سلامي عَلَيْهِ! وإن كَانَ لا يريد قتلي فلعمري ليكثرن سلامي عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ ابن زياد: لعمري لتقتلن، قَالَ: كذلك؟ قَالَ: نعم، قَالَ:
فدعني أوص إِلَى بعض قومي، فنظر إِلَى جلساء عُبَيْد اللَّهِ وفيهم عُمَر بن سَعْدٍ، فقال: يا عمر، ان بيني وبينك قرابة، ولي إليك حاجة، وَقَدْ يجب لي عَلَيْك نجح حاجتي، وَهُوَ سر، فأبى أن يمكنه من ذكرها، فَقَالَ لَهُ عبيد اللَّهِ:
لا تمتنع أن تنظر فِي حاجة ابن عمك، فقام مَعَهُ فجلس حَيْثُ ينظر إِلَيْهِ ابن زياد، فَقَالَ لَهُ: إن علي بالكوفة دينا استدنته منذ قدمت الْكُوفَة، سبعمائة درهم، فاقضها عني، وانظر جثتي فاستوهبها من ابن زياد، فوارها، وابعث إِلَى حُسَيْن من يرده، فإني قَدْ كتبت إِلَيْهِ أعلمه أن الناس مَعَهُ، وَلا
ج ٥ ص ٣٧٧أراه إلا مقبلا، فَقَالَ عمر لابن زياد: أتدري مَا قَالَ لي؟ إنه ذكر كذا وكذا، قَالَ لَهُ ابن زياد: إنه لا يخونك الأمين، ولكن قَدْ يؤتمن الخائن، أما مالك فهو لك، ولسنا نمنعك أن تصنع فِيهِ مَا أحببت، وأما حُسَيْن فإنه إن لم يردنا لم نرده، وإن أرادنا لم نكف عنه، وأما جثته فإنا لن نشفعك فِيهَا، إنه ليس بأهل منا لذلك، قَدْ جاهدنا وخالفنا، وجهد عَلَى هلاكنا.
-
وزعموا أنه قال: اما جثته فانا لا نبالى إذ قتلناه مَا صنع بِهَا ثُمَّ إن ابن زياد قال: ايه يا بن عقيل! أتيت الناس وأمرهم جميع، وكلمتهم واحدة، لتشتتهم، وتفرق كلمتهم، وتحمل بعضهم عَلَى بعض! قَالَ: كلا، لست أتيت، ولكن أهل المصر زعموا أن أباك قتل خيارهم، وسفك دماءهم، وعمل فِيهِمْ أعمال كسرى وقيصر، فأتيناهم لنأمر بالعدل وندعو إِلَى حكم الكتاب، قَالَ: وما أنت وذاك يا فاسق! او لم نكن نعمل بذاك فِيهِمْ إذ أنت بِالْمَدِينَةِ تشرب الخمر! قَالَ: أنا أشرب الخمر! وَاللَّهِ إن اللَّه ليعلم أنك غير صادق، وأنك قلت بغير علم، وأني لست كما ذكرت وان أحق بشرب الخمر مني وأولى بِهَا من يلغ فِي دماء الْمُسْلِمِينَ ولغا، فيقتل النفس الَّتِي حرم اللَّه قتلها، ويقتل النفس بغير النفس، ويسفك الدم الحرام، ويقتل عَلَى الغضب والعداوة وسوء الظن، وَهُوَ يلهو ويلعب كأن لم يصنع شَيْئًا فَقَالَ لَهُ ابن زياد: يَا فاسق، إن نفسك تمنيك مَا حال اللَّه دونه، ولم يرك أهله، قَالَ: فمن اهله يا بن زياد؟ قَالَ: أَمِير الْمُؤْمِنِينَ يَزِيد فَقَالَ: الحمد لِلَّهِ عَلَى كل حال، رضينا بِاللَّهِ حكما بيننا وبينكم، قَالَ:
كأنك تظن أن لكم فِي الأمر شَيْئًا! قَالَ: وَاللَّهِ مَا هُوَ بالظن، ولكنه اليقين، قَالَ: قتلني اللَّه إن لم أقتلك قتلة لم يقتلها أحد فِي الإِسْلام! قَالَ: أما إنك أحق من أحدث فِي الإِسْلام مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ، أما إنك لا تدع سوء القتلة، وقبح المثلة، وخبث السيرة، ولؤم الغلبة، وَلا أحد مِنَ النَّاسِ أحق بِهَا مِنْكَ وأقبل ابن سمية يشتمه ويشتم حسينا وعليا وعقيلا، وأخذ مسلم لا يكلمه وزعم أهل العلم أن عُبَيْد اللَّهِ أمر لَهُ بماء فسقي بخزفة، ثُمَّ قَالَ لَهُ: إنه لم يمنعنا أن نسقيك فِيهَا إلا كراهة أن تحرم بالشرب فِيهَا،
ج ٥ ص ٣٧٨ثُمَّ نقتلك، ولذلك سقيناك فِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ: اصعدوا بِهِ فوق القصر فاضربوا عنقه، ثم اتبعوا جسده راسه، فقال: يا بن الأشعث، أما وَاللَّهِ لولا أنك آمنتني مَا استسلمت، قم بسيفك دوني فقد أخفرت ذمتك، ثم قال:
يا بن زياد، أما وَاللَّهِ لو كَانَتْ بيني وبينك قرابة مَا قتلتني، ثُمَّ قَالَ ابن زياد:
أين هَذَا الَّذِي ضرب ابن عقيل رأسه بالسيف وعاتقه؟ فدعي، فَقَالَ:
اصعد فكن أنت الَّذِي تضرب عنقه، فصعد بِهِ وَهُوَ يكبر ويستغفر ويصلي عَلَى ملائكة اللَّه ورسله وَهُوَ يقول: اللَّهُمَّ احكم بيننا وبين قوم غرونا وكذبونا وأذلونا وأشرف بِهِ عَلَى موضع الجزارين الْيَوْم، فضربت عنقه، وأتبع جسده رأسه.
قَالَ أبو مخنف: حدثني الصقعب بن زهير، عن عون بن أبي جحيفة قَالَ: نزل الأحمري بكير بن حمران الَّذِي قتل مسلما، فَقَالَ لَهُ ابن زياد:
قتله؟ قال: نعم، قَالَ: نعم، قَالَ: فما كَانَ يقول وَأَنْتُمْ تصعدون بِهِ؟ قَالَ: كَانَ يكبر ويسبح ويستغفر، فلما أدنيته لأقتله قَالَ: اللَّهُمَّ احكم بيننا وبين قوم كذبونا وغرونا وخذلونا وقتلونا، فقلت له: ادن منى، الحمد لله الَّذِي أقادني مِنْكَ، فضربته ضربة لم تغن شَيْئًا، فَقَالَ أما ترى فِي خدش تخدشنيه وفاء من دمك أيها العبد! فَقَالَ ابن زياد: او فخرا عِنْدَ الموت! قَالَ: ثُمَّ ضربته الثانية فقتلته.
قَالَ: وقام مُحَمَّد بن الأشعث إِلَى عُبَيْد اللَّهِ بن زياد فكلمه فِي هانئ بن عروة، وَقَالَ: إنك قَدْ عرفت منزلة هانئ بن عروة فِي المصر، وبيته فِي العشيرة، وَقَدْ علم قومه أني وصاحبي سقناه إليك، فأنشدك اللَّه لما وهبته لي، فإني أكره عداوة قومه، هم أعز أهل المصر، وعدد أهل اليمن! قَالَ: فوعده أن يفعل، فلما كَانَ من أمر مسلم بن عقيل مَا كَانَ، بدا لَهُ فِيهِ، وأبى أن يفي له بما قال.
قال: فامر بهانىء بن عروة حين قتل مسلم بن عقيل فقال: اخرجوا الى السوق فاضربوا عنقه، قال: فاخرج بهانىء حَتَّى انتهى إِلَى مكان من
ج ٥ ص ٣٧٩السوق كَانَ يباع فِيهِ الغنم وَهُوَ مكتوف، فجعل يقول: وا مذحجاه! ولا مذحج لي اليوم! وا مذحجاه، وأين مني مذحج! فلما رَأَى أن أحدا لا ينصره جذب يده فنزعها من الكتاف، ثُمَّ قَالَ: أما من عصا أو سكين أو حجر أو عظم يجاحش بِهِ رجل عن نفسه! قَالَ: ووثبوا إِلَيْهِ فشدوه وثاقا، ثُمَّ قيل لَهُ: امدد عنقك، فَقَالَ:
مَا أنا بِهَا مجد سخي، وما أنا بمعينكم عَلَى نفسي.
قَالَ: فضربه مولى لعبيد اللَّه بن زياد- تركي يقال لَهُ رشيد- بالسيف، فلم يصنع سيفه شَيْئًا، فَقَالَ هانئ: إِلَى اللَّهِ المعاد! اللَّهُمَّ إِلَى رحمتك ورضوانك! ثُمَّ ضربه أخرى فقتله.
قَالَ: فبصر بِهِ عبد الرَّحْمَن بن الحصين المرادي بخازر، وَهُوَ مع عُبَيْد اللَّهِ بن زياد، فَقَالَ الناس: هَذَا قاتل هانئ بن عروة، فَقَالَ ابن الحصين: قتلني اللَّه إن لم أقتله أو أقتل دونه! فحمل عَلَيْهِ بالرمح فطعنه فقتله ثُمَّ إن عُبَيْد اللَّهِ بن زياد لما قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة دعا بعبد الأعلى الكلبي الَّذِي كَانَ أخذه كثير بن شهاب فِي بني فتيان، فأتي بِهِ، فَقَالَ لَهُ:
-
أَخْبَرَنِي بأمرك، فَقَالَ: أصلحك اللَّه! خرجت لأنظر مَا يصنع الناس، فأخذني كثير بن شهاب، فَقَالَ لَهُ: فعليك وعليك، من الأيمان المغلظة، إن كَانَ أخرجك إلا مَا زعمت! فأبى أن يحلف، فَقَالَ عُبَيْد اللَّهِ: انطلقوا بهذا إِلَى جبانة السبيع فاضربوا عنقه بِهَا، قَالَ: فانطلق بِهِ فضربت عنقه، قَالَ: وأخرج عمارة بن صلخب الأَزْدِيّ- وَكَانَ ممن يريد أن يأتي مسلم بن عقيل بالنصرة لينصره- فأتي بِهِ أَيْضًا عُبَيْد اللَّهِ فَقَالَ لَهُ: ممن أنت؟ قَالَ: من الأزد.
قَالَ: انطلقوا بِهِ إِلَى قومه، فضربت عنقه فِيهِمْ، فَقَالَ عَبْد اللَّهِ بن الزُّبَيْرِ الأسدي فِي قتلة مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة المرادى- ويقال: قاله الفرزدق:
ان كنت لا تدرين مَا الموت فانظري ... إِلَى هانئ فِي السوق وابن عقيل
ج ٥ ص ٣٨٠إِلَى بطل قَدْ هشم السيف وجهه ... وآخر يهوي من طمار قتيل
أصابهما أمر الأمير فأصبحا ... أحاديث من يسري بكل سبيل
ترى جسدا قَدْ غير الموت لونه ... ونضح دم قَدْ سال كل مسيل
فتى هُوَ أحيا من فتاة حيية ... وأقطع من ذي شفرتين صقيل
أيركب أسماء الهماليج آمنا ... وَقَدْ طلبته مذحج بذحول!
تطيف حواليه مراد وكلهم ... عَلَى رقبه من سائل ومسول
فان أنتم لم تثأروا بأخيكمُ ... فكونوا بغايا أرضيت بقليل
قَالَ أَبُو مخنف: عن أبي جناب يَحْيَى بن أبي حية الكلبي، قَالَ: ثُمَّ إن عُبَيْد اللَّهِ بن زياد لما قتل مسلما وهانئا بعث برءوسهما مع هانئ بن أبي حية الوادعي وَالزُّبَيْر بن الأروح التميمي إِلَى يَزِيد بن مُعَاوِيَة، وأمر كاتبه عَمْرو بن نافع أن يكتب إِلَى يَزِيد بن مُعَاوِيَة بِمَا كَانَ من مسلم وهانئ، فكتب إِلَيْهِ كتابا أطال فِيهِ- وَكَانَ أول من أطال فِي الكتب- فلما نظر فِيهِ عُبَيْد اللَّهِ بن زياد كرهه، وَقَالَ: مَا هَذَا التطويل وهذه الفضول؟ اكتب:
أَمَّا بَعْدُ، فالحمد لِلَّهِ الَّذِي أخذ لأمير الْمُؤْمِنِينَ بحقه، وكفاه مؤنة عدوه أخبر أَمِير الْمُؤْمِنِينَ أكرمه اللَّه أن مسلم بن عقيل لجأ إِلَى دار هانئ بن عروة المرادي، وأني جعلت عليهما العيون، ودسست إليهما الرجال، وكدتهما حَتَّى استخرجتهما، وأمكن اللَّه منهما، فقدمتهما فضربت أعناقهما، وَقَدْ بعثت إليك برءوسهما مع هانئ بن أبي حية الهمداني وَالزُّبَيْر بن الأروح التميمي- وهما من أهل السمع والطاعة والنصيحة- فليسألهما أَمِير الْمُؤْمِنِينَ عما أحب من أمر، فإن عندهما علما وصدقا، وفهما وورعا، والسلام.
-
فكتب إِلَيْهِ يَزِيد: أَمَّا بَعْدُ، فإنك لم تعد أن كنت كما أحب، عملت عمل الحازم، وصلت صولة الشجاع الرابط الجأش، فقد أغنيت وكفيت، وصدقت ظني بك، ورأيي فيك، وَقَدْ دعوت رسوليك فسألتهما، وناجيتهما
ج ٥ ص ٣٨١فوجدتهما فِي رأيهما وفضلهما كما ذكرت، فاستوص بهما خيرا، وإنه قَدْ بلغني أن الْحُسَيْن بن علي قَدْ توجه نحو العراق، فضع المناظر والمسالح، واحترس عَلَى الظن، وخذ عَلَى التهمه، غير الا تقتل إلا من قاتلك، واكتب إلي فِي كل مَا يحدث من الخبر، والسلام عَلَيْك ورحمة اللَّه.
قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي الصقعب بن زهير، عن عون بن أبي جحيفة، قَالَ: كَانَ مخرج مسلم بن عقيل بالكوفة يوم الثلاثاء لثمان ليال مضين من ذي الحجة سنة ستين- ويقال يوم الأربعاء لسبع مضين سنة ستين من يوم عرفة بعد مخرج الْحُسَيْن مِنْ مَكَّةَ مقبلا إِلَى الْكُوفَةِ بيوم- قَالَ: وَكَانَ مخرج الْحُسَيْن مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مكة يوم الأحد لليلتين بقيتا من رجب سنة ستين، ودخل مكة ليلة الجمعة لثلاث مضين من شعبان، فأقام بمكة شعبان وشهر رمضان وشوالا وذا القعدة، ثُمَّ خرج منها لثمان مضين من ذي الحجة يوم الثلاثاء يوم التروية فِي الْيَوْم الَّذِي خرج فِيهِ مسلم بن عقيل.
-
وذكر هَارُون بن مسلم، عَنْ عَلِيِّ بْنِ صالح، عن عِيسَى بن يَزِيدَ، أن المختار بن أبي عبيد وعبد اللَّه بن الْحَارِث بن نوفل كانا خرجا مع مسلم، خرج المختار براية خضراء، وخرج عَبْد اللَّهِ براية حمراء، وعليه ثياب حمر، وجاء المختار برايته فركزها عَلَى باب عَمْرو بن حريث، وَقَالَ: إنما خرجت لأمنع عمرا، وإن ابن الأشعث والقعقاع بن شور وشبث بن ربعي قاتلوا مسلما وأَصْحَابه عشية سار مسلم إِلَى قصر ابن زياد قتالا شديدا، وأن شبثا جعل يقول: انتظروا بهم الليل يتفرقوا، فَقَالَ لَهُ القعقاع: إنك قَدْ سددت عَلَى الناس وجه مصيرهم، فافرج لَهُمْ ينسربوا، وإن عُبَيْد اللَّهِ أمر أن يطلب المختار وعبد اللَّه بن الْحَارِث، وجعل فيهما جعلا، فاتى بهما فحبسا.