اختلاف الفقهاء في سنة الفجر والوتر أيهما أوكد
٧ فقرات، ج ٢ ص ٣٦٩
- ج ٢ ص ٣٦٩
ثبت عن ابن عمر أنه سئل عن سنَّة الظهر في السفر فقال: لو كنت مسبِّحًا لأتممتُ (١) . وهذا من فقهه - رضي الله عنه -، فإن الله سبحانه خفَّف عن المسافر (٢) من الرباعية (٣) شطرها، فلو شُرع له الركعتان قبلها وبعدها كان الإتمام أولى له.
-
وقد اختلف الفقهاء: أيُّ الصلاتين آكد: سنَّة الفجر أو الوتر؟ على قولين: ولا يمكن الترجيح باختلاف الناس في وجوب الوتر، فقد اختلفوا أيضًا في وجوب سنَّة الفجر. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: سنَّة الفجر تجري مجرى بداية العمل، والوتر خاتمته. ولذلك كان يصلِّي سنَّة الفجر والوتر بسورتي الإخلاص (٤) ، وهما الجامعتان لتوحيد العلم والعمل، وتوحيد المعرفة والإرادة، وتوحيد الاعتقاد والقصد. انتهى.
-
فسورة (قل هو الله أحدٌ) متضمنةٌ لتوحيد الاعتقاد والمعرفة، وما يجب إثباته للرَّبِّ تعالى من الأحديَّة المنافية لمطلق الشَّرِكة (٥) بوجه من الوجوه، والصَّمديَّة المثبِتة له جميعَ صفات الكمال الذي لا يلحقه نقصٌ بوجه من الوجوه، ونفي الولد والوالد الذي هو من لوازم صمديَّته (٦) وغناه وأحديَّته، ونفي الكُفْء المتضمِّن لنفي التشبيه والتمثيل والنظير. فتضمَّنت السورةُّ إثباتَ كلِّ كمال له، ونفيَ كلِّ نقص عنه، ونفيَ إثبات شبيه له أو مثل في
ج ٢ ص ٣٧٠كماله، ونفيَ مطلق الشريك عنه. وهذه الأصول هي مجامع التوحيد العلمي الاعتقادي (١) الذي يباين صاحبُه جميعَ فِرَق الضلال والشرك.
-
ولذلك كانت تعدِل ثلثَ القرآن، فإنَّ القرآن مداره على الخبر والإنشاء. والإنشاء ثلاثةٌ: أمرٌ، ونهيٌ، وإباحةٌ. والخبر نوعان: خبرٌ عن الخالق تعالى وأسمائه وصفاته وأحكامه، وخبرٌ عن خلقه. فأُخلِصت سورة الإخلاص للخبر عنه، وعن أسمائه، وصفاته، فعدَلت ثلثَ القرآن، وخلَّصت قارئها المؤمنَ بها من الشرك العلمي، كما خلَّصته سورة (قل ياأيها الكافرون) من الشرك العملي الإرادي القصدي. ولما كان العلم قبل العمل، وهو إمامه، وقائده وسائقه، والحاكم عليه، ومُنزِلُه منازلَه، كانت سورة (قل هو الله أحدٌ) تعدِل ثلثَ القرآن. والأحاديث بذلك تكاد تبلغ مبلغ التواتر. وسورة (قل ياأيها الكافرون) تعدِل ربعَ القرآن، والحديث بذلك في الترمذي (٢) من رواية ابن عباس يرفعه: « (إذا زلزلت) تعدل نصف القرآن و (قل هو الله أحدٌ) تعدل ثلث القرآن، و (قل ياأيها الكافرون) تعدل ربع القرآن». ورواه الحاكم في «المستدرك» وقال: صحيح الإسناد.
-
ولما كان الشركُ العمليُّ الإراديُّ أغلبَ على النفوس لأجل متابعتها هواها، وكثيرٌ منها ترتكبه (٣) مع علمها بمضرَّته وبطلانه، لما لها فيه من نيل الأغراض، وإزالتُه وقلعُه منها أصعب وأشدُّ من قلعِ الشرك العلمي وإزالته،
ج ٢ ص ٣٧١لأنَّ هذا يزول بالعلم والحجَّة، ولا يمكن صاحبَه أن يعلم الشيء على غير ما هو عليه؛ بخلاف شرك الإرادة والقصد، فإنَّ صاحبه يرتكب ما يدلُّه العلم على بطلانه وضرره، لأجل غلبة هواه، واستيلاء سلطان (١) الشهوة والغضب على نفسه. فجاء من التأكيد (٢) والتكرير في سورة (قل ياأيها الكافرون) المتضمِّنة لإزالة الشرك العملي، ما لم يجئ مثله في سورة (قل هو الله أحدٌ) .
-
ولما كان القرآن شطرين: شطرًا في الدنيا وأحكامها، ومتعلِّقاتها، والأمور الواقعة فيها من أفعال المكلَّفين وغيرها؛ وشطرًا في الآخرة وما يقع فيها، وكانت سورة (إذا زلزلت) قد أُخلِصت من أولها وآخرها لهذا الشطر، فلم يذكر فيها إلا الآخرة وما يكون فيها من أحوال الأرض وسُكَّانها= كانت تعدل نصفَ القرآن، فأَحْرِ (٣) بهذا الحديث أن يكون صحيحًا. والله أعلم.
-
ولهذا كان يقرأ بهاتين السورتين في ركعتي الطواف (٤) , لأنهما سورتا الإخلاص والتوحيد، وكان (٥) يفتتِح بهما عملَ النهار، ويختمه (٦) بهما