فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في قيام الليل
١٢ فقرة، ج ٢ ص ٣٧٧
- ج ٢ ص ٣٧٧
وقد اختلف السلف والخلف في أنه: هل كان فرضًا عليه أم لا؟ والطائفتان احتجُّوا بقوله تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ} [الإسراء: ٧٩] . قالوا: فهذا صريحٌ في عدم الوجوب.
قال الآخرون: أمَره بالتهجُّد في هذه السورة، كما أمَره به في قوله: {يَاأَيُّهَا
ج ٢ ص ٣٧٨الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ} [المزمل: ١ ــ ٢] ، ولم يجئ ما ينسخه عنه. وأما قوله: {نَافِلَةً لَكَ} فلو كان المراد به التطوُّع، لم يخصَّه بكونه نافلةً له. وإنما المراد بالنافلة: الزيادة، ومطلق الزيادة لا يدل على التطوُّع. قال تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً} [الأنبياء: ٧٢] ، أي زيادةً على الولد. وكذلك النافلة في تهجُّد النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - زيادةٌ في درجاته وفي أجره، ولهذا خصَّه بها؛ فإنَّ قيام الليل في حقِّ غيره ماحٍ (١) ومكفِّرٌ للسيئات. وأما النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فقد غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، فهو يعمل في زيادة الدرجات وعلوِّ المراتب، وغيرُه يعمل في التكفير.
قال مجاهد: إنما كان نافلةً للنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لأنه قد غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، فكانت طاعاته (٢) نافلةً أي زيادةً في الثواب، ولغيره كفَّارةً لذنوبه. قال ابن المنذر في «تفسيره» (٣) : حدثنا (٤) علي، عن أبي عبيد (٥) ، حدثنا حجاج،
ج ٢ ص ٣٧٩عن ابن جريج، عن ابن كثير (١) ، عن مجاهد قال: ما سوى المكتوبة، فهو نافلةٌ له من أجل أنه لا يعمل في كفارة الذنوب. وليست للناس نوافل، إنما هي للنَّبي - صلى الله عليه وسلم - خاصَّةً، والناس جميعًا يعملون ما سوى المكتوبة لذنوبهم في كفَّاراتها.
-
حدثنا (٢) محمد، حدثنا نصر (٣) ، حدثنا عبد (٤) ، حدثنا عمر بن سعد (٥) وقَبيصة، عن سفيان، عن أبي عثمان، عن الحسن في قوله: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ} [الإسراء: ٧٩] قال: لا يكون نافلةً إلا للنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
-
وذُكِر عن الضحاك قال: نافلةً للنبي - صلى الله عليه وسلم - خاصَّةً (٦) .
-
وذكَر سليمان بن حيَّان (٧) قال: حدثنا أبو غالب، حدَّثني أبو أمامة، قال:
ج ٢ ص ٣٨٠إذا وضعتَ الطَّهورَ مواضعه قمتَ مغفورًا لك. فإن قمت تصلِّي كانت لك فضيلةً وأجرًا. فقال له رجلٌ: يا أبا أمامة، أرأيت إن قام يصلِّي تكون له نافلةً؟ قال: لا، إنما النافلة للنبي - صلى الله عليه وسلم -. كيف تكون له نافلةً، وهو يسعى في الذنوب والخطايا؟ تكون له فضيلةً وأجرًا.
قلت: والمقصود أن النافلة في الآية، لم يُرد بها ما يجوز فعله وتركه كالمستحَبِّ والمندوب، وإنما المراد بها الزيادة في الدرجات، وهذا قدرٌ مشتركٌ بين الفرض والمستحَبِّ، فلا يكون قوله: {نَافِلَةً لَكَ} نافيًا لما دلَّ عليه الأمر من الوجوب. وسيأتي مزيد بيان لهذه المسألة إن شاء الله عند ذكر خصائص النبي - صلى الله عليه وسلم -.
-
ولم يكن - صلى الله عليه وسلم - يدَع قيام الليل حضرًا ولا سفرًا. وكان إذا غلبه نومٌ أو وجعٌ صلَّى من النهار ثنتي عشرة ركعةً (١) . فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: في هذا دليلٌ على أن الوتر لا يُقضى لفوات محلِّه، فهو كتحيَّة المسجد وصلاة الكسوف والاستسقاء ونحوها، لأنَّ المقصود به أن يكون آخر صلاة الليل وترًا، كما أن المغرب آخر صلاة النهار. فإذا انقضى الليل وصليت الصبح، لم يقع الوتر موقعه. هذا معنى كلامه (٢) .
- ج ٢ ص ٣٨١
وقد روى أبو داود وابن ماجه (١) من حديث أبي سعيد الخدري عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «من نام عن الوتر أو نسيه فليصلِّ إذا أصبح أو ذكر» ، ولكن لهذا الحديث عدَّة علل:
أحدها: أنَّه من رواية عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيفٌ.
-
الثاني: أنَّ الصحيح فيه أنه مرسلٌ عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال الترمذي: هذا أصحُّ، يعني المرسل (٢) .
-
الثالث: أنَّ ابن ماجه (٣) حكى عن محمد بن يحيى بعد أن روى حديث أبي سعيد الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أوتِرُوا قبل أن تُصْبحوا» (٤) ، قال: هذا الحديث دليلٌ على أنَّ حديث عبد الرحمن واهٍ (٥) .
- ج ٢ ص ٣٨٢
وكان قيامه - صلى الله عليه وسلم - بالليل إحدى عشرة ركعةً أو ثلاث عشرة ركعة (١) ، كما قال ابن عباس وعائشة، فإنه ثبت عنهما هذا وهذا. ففي «الصحيحين» (٢) عنها: «ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعةً» . وفي «الصحيحين» (٣) عنها أيضًا: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلِّي من الليل ثلاث عشرة ركعةً، يوتر من ذلك بخمس، لا يجلس في شيء إلا في آخرهنَّ» .
-
والصحيح عن عائشة: الأول، والركعتان فوق الإحدى عشرة هما ركعتا الفجر. جاء ذلك عنها مبيَّنًا في هذا الحديث نفسه: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلِّي ثلاث عشرة ركعةً بركعتي الفجر» ، ذكره مسلم في «صحيحه» (٤) . وقال البخاري (٥) في هذا الحديث: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلِّي بالليل ثلاث عشرة ركعةً، ثم يصلِّي إذا سمع النداء بالفجر ركعتين خفيفتين» . وفي «الصحيحين» (٦) عن القاسم بن محمد قال: سمعت عائشة تقول: «كانت صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الليل عشر ركعات، ويوتر بسجدة، ويركع ركعتي
ج ٢ ص ٣٨٣الفجر، وذلك ثلاث عشرة ركعةً». فهذا مفسَّرٌ مبيَّنٌ.
-
وأما ابن عباس، فقد اختلف عنه (١) ، ففي «الصحيحين» (٢) عن أبي جمرة عنه: «كانت صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاث عشرة ــ يعني بالليل» . لكن قد جاء هذا عنه مفسَّرًا أنها بركعتي الفجر. قال الشعبي: سألت عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر عن صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالليل، فقالا: «ثلاث عشرة، منها ثمان، ويوتر بثلاث، وركعتين بعد الفجر (٣) » (٤) .
-
وفي «الصحيحين» (٥) عن كُرَيب عنه في قصَّة مبيته عند خالته ميمونة بنت الحارث أنه - صلى الله عليه وسلم - صلَّى ثلاث عشرة ركعةً، ثم نام حتى نفخ. فلما تبيَّن له الفجر صلَّى ركعتين خفيفتين. وفي لفظ (٦) : «فصلَّى ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم أوتر. ثم اضطجع حتى جاء المؤذِّن، فقام، فصلَّى ركعتين خفيفتين. ثم خرج، فصلَّى الصبح» .