فصل في تحريم بيع الميتة
٣٣ فقرة، ج ٧ ص ٤٢٣
- ج ٧ ص ٤٢٣
وأمَّا تحريم بيع الميتة، فيدخل فيه كلُّ ما يسمَّى ميتةً، سواءٌ مات حتْفَ أنفِه، أو ذُكِّي ذكاةً لا تفيد حلَّه، ويدخل فيه أبعاضُها أيضًا. ولهذا استشكل الصَّحابة تحريم بيع الشَّحم (١) ، مع ما لهم فيه من المنفعة، فأخبرهم النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه حرامٌ، وإن كان فيه ما ذكروا من المنفعة.
-
وهذا موضعٌ اختلف النَّاس فيه؛ لاختلافهم في فهم مراده - صلى الله عليه وسلم -، وهو أنَّ قوله: «لا، هو حرامٌ» (٢) هل هو عائدٌ إلى البيع، أو عائدٌ إلى الأفعال الَّتي سألوا عنها؟ فقال شيخنا (٣) : هو راجعٌ إلى البيع؛ فإنَّه - صلى الله عليه وسلم - لمَّا أخبرهم أنَّ الله حرَّم بيع الميتة قالوا: إنَّ في شحومها من المنافع كذا وكذا، يَعْنُون: فهل ذلك مُسوِّغٌ لبيعها؟ فقال: «لا، هو حرامٌ» .
قلت: كأنَّهم طلبوا تخصيصَ الشُّحوم من جملة الميتة بالجواز، كما طلب العبَّاس تخصيصَ الإِذخِر من جملة تحريم نبات الحرم بالجواز (٤) ، فلم يُجِبهم إلى ذلك، فقال: «لا، هو حرامٌ» .
وقال غيره من أصحاب أحمد وغيرهم: التَّحريم عائدٌ إلى الأفعال المسؤول عنها، وقال: هو حرامٌ، ولم يقل: هي؛ لأنَّه أراد المذكور جميعه. ويرجِّح قولَهم عودُ الضَّمير إلى أقرب مذكورٍ، ويرجِّحه من جهة المعنى أنَّ
ج ٧ ص ٤٢٤إباحة هذه الأشياء ذريعةٌ إلى اقتناء الشُّحوم وبيعها.
-
ويرجِّحه أيضًا أنَّ في بعض ألفاظ الحديث، فقال: «لا، هي حرامٌ» (١) ، وهذا الضَّمير إمَّا أن يرجع إلى الشُّحوم، وإمَّا إلى هذه الأفعال، وعلى التَّقديرين فهو حجَّةٌ على تحريم الأفعال الَّتي سألوا عنها.
-
ويرجِّحه أيضًا قولُه في حديث أبي هريرة في الفأرة الَّتي وقعت في السَّمْن: «إن كان جامدًا فأَلْقُوها وما حولَها وكُلُوه، وإن كان مائعًا فلا تَقْرَبوه» (٢) . وفي الانتفاع به في الاستصباح وغيره قُربانٌ له.
-
ومن رجَّح الأوَّل يقول: ثبت عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «إنَّما حَرُمَ من الميتة أكلُها» (٣) ، وهذا صريحٌ في أنَّه لا يحرم الانتفاع بها في غير الأكل، كالوَقِيْد وسَدِّ البُثُوق ونحوهما.
قالوا: والخبيث إنَّما يَحرُم ملابسته باطنًا وظاهرًا، كالأكل واللُّبس، وأمَّا الانتفاع به من غير ملابسةٍ فلأيِّ شيءٍ يحرم؟
ج ٧ ص ٤٢٥قالوا: ومن تأمَّل سياق حديث جابر عَلِم أنَّ السُّؤال إنَّما كان منهم عن البيع، وأنَّهم طلبوا منه أن يُرخِّص لهم في بيع الشُّحوم، لما فيها من المنافع، فأبى عليهم، وقال: «هو حرامٌ» ، فإنَّهم لو سألوا عن حكم هذه الأفعال لقالوا: أرأيتَ شحومَ الميتة، هل يجوز أن يستصبح بها النَّاس، ويدهن بها الجلود؟ ولم يقولوا: فإنَّه يُفعل بها كذا وكذا، فإنَّ هذا إخبارٌ منهم لا سؤالٌ، وهم لم يخبروه بذلك عقيبَ تحريمِ هذه الأفعال عليهم؛ ليكون قوله: «لا، هو حرامٌ» صريحًا (١) في تحريمها، وإنَّما أخبروه به عقيبَ تحريم بيع الميتة، فكأنَّهم طلبوا منه أن يُرخِّص لهم في بيع الشُّحوم لهذه المنافع الَّتي ذكروها، فلم يفعل. ونهاية الأمر أنَّ الحديث يحتمل الأمرين، فلا يحرم ما لم يعلم أنَّ الله ورسوله حرَّمه.
قالوا: وقد ثبت عنه [أنَّه] نهاهم عن الاستسقاء من آبار ثمود، وأباح لهم أن يُطْعِموا ما عَجَنوا منه (٢) من تلك الآبار للبهائم (٣) .
قالوا: ومعلومٌ أنَّ إيقاد النَّجاسة والاستصباح بها انتفاعٌ خالٍ عن هذه المفسدة وعن ملابستها ظاهرًا وباطنًا، فهو نفعٌ محضٌ لا مفسدةَ فيه. وما كان هكذا فالشَّريعة لا تُحرِّمه، فإنَّ الشَّريعة إنَّما تُحرِّم المفاسد الخالصة أو الرَّاجحة وطُرقَها وأسبابَها المُوصِلة (٤) إليها.
قالوا: وقد أجاز أحمد في إحدى الرِّوايتين الاستصباحَ بشحوم الميتة إذا
ج ٧ ص ٤٢٦خالطت دهنًا طاهرًا، فإنَّه في أكثر الرِّوايات عنه يُجوِّز الاستصباحَ بالزَّيت النَّجس، وطَلْيَ السُّفُن به، وهو اختيار طائفةٍ من أصحابه، منهم: الشَّيخ أبو محمد (١) وغيره، واحتجَّ بأنَّ ابن عمر أمر أن يستصبح به (٢) .
وقال في رواية ابنَيه صالح وعبد الله (٣) : ولا يُعجِبني بيعُ النَّجس، ويستصبح به إذا لم يَمَسُّوه، لأنَّه نجسٌ. وهذا يَعُمُّ النَّجسَ والمتنجِّسَ، ولو قُدِّر أنَّه إنَّما أراد به المتنجِّس فهو صريحٌ في القول بجواز الاستصباح بما خالطَتْه نجاسة ميتةٍ أو غيرها، وهذا مذهب الشَّافعيِّ. وأيُّ فرقٍ بين الاستصباح بشحم الميتة إذا كان مفردًا، وبين الاستصباح به إذا خالطَ دهنًا طاهرًا (٤) فنجَّسه؟
-
فإن قيل: إذا كان مفردًا فهو نجس العين، وإذا خالطَ غيرَه تنجَّس به، فأمكن تطهيرُه بالغسل، فصار كالثَّوب النَّجس، ولهذا يجوز بيع الدُّهن المتنجِّس على أحد القولين دون دهن الميتة.
-
قيل: لا ريبَ أنَّ هذا هو الفرق الذي عَوَّل عليه المفرِّقون بينهما، ولكنَّه ضعيفٌ لوجهين:
أحدهما: أنَّه لا يُعرف عن الإمام أحمد ولا عن الشَّافعيِّ البتَّةَ غَسْلُ الدُّهن النَّجس، وليس عنهم في ذلك كلمةٌ واحدةٌ، وإنَّما ذلك من فتوى بعض
ج ٧ ص ٤٢٧المنتسبين (١) ، وقد رُوي عن مالك أنَّه يطهر بالغسل، هذه رواية ابن نافع وابن القاسم عنه.
-
الثَّاني: أنَّ هذا الفرق وإن تأتَّى لأصحابه في الزَّيت والشَّيْرَج ونحوهما، فلا يتأتَّى لهم في جميع الأدهان، فإنَّ منها ما لا يمكن غَسْلُه، وأحمد والشَّافعيُّ قد أطلقا القول بجواز الاستصباح بالدُّهن النَّجس من غير تفريقٍ.
-
وأيضًا فإنَّ هذا الفرق لا يفيد في رفع (٢) كونه مستعملًا للخبيث وللنَّجاسة، سواءٌ كانت عينيَّةً أو طارئةً، فإنَّه إن حُرِّم الاستصباح لما فيه من استعمال الخبيث فلا فرقَ، وإن حرِّم لأجل دخان النَّجاسة فلا فرق، وإن حُرِّم لكون الاستصباح به ذريعةً إلى اقتنائه فلا فرقَ، والفرقُ بين المذهبين في جواز الاستصباح بهذا دونَ هذا لا معنى له.
-
وأيضًا فقد جوَّز جمهور العلماء الانتفاعَ بالسِّرْقِين (٣) النَّجِس في عمارة الأرض للزَّرع والبقل والثَّمر مع نجاسة عينه، وملابسة المستعمل له أكثر من ملابسة المُوقِد، وظهور أثرِه في البقول والزُّروع (٤) والثِّمار فوقَ ظهور أثر الوقيد، وإحالة النَّار أتمّ من إحالة الأرض والهواء والشَّمس للسِّرقين، فإن كان التَّحريم لأجل دخان النَّجاسة فمَنْ سَلَّم أنَّ دخان النَّجاسة نجسٌ؟ وبأيِّ كتابٍ أم بأيَّة سنَّةٍ ثبت ذلك؟ وانقلابُ النَّجاسة إلى الدُّخان أتمُّ من انقلاب
ج ٧ ص ٤٢٨عين (١) السِّرقين والماء النَّجس ثمرًا أو زرعًا، وهذا أمرٌ لا يُشَكُّ فيه، بل هو معلومٌ بالحسِّ والمشاهدة، حتَّى جوَّز بعض أصحاب مالك وأبي حنيفة بيعَه، فقال ابن الماجشون (٢) : لا بأسَ ببيع العَذِرة؛ لأنَّ ذلك من منافع النَّاس. وقال ابن القاسم: لا بأسَ ببيع الزَّبل. قال اللخمي: وهذا يدلُّ من قوله على أنَّه يرى بيع العذرة. وقال أشهب في الزَّبل: المشتري أعذرُ فيه من البائع، يعني في اشترائه. وقال ابن عبد الحكم: لم يعذر الله واحدًا منهما، وهما سِيَّانِ في الإثم.
قلت: وهذا هو الصَّواب، وأنَّ بيع ذلك حرامٌ وإن جاز الانتفاع به. والمقصود أنَّه لا يلزم من تحريم بيع الميتة تحريمُ الانتفاع بها في غير ما حرَّمه الله ورسوله منها، كالوقيد وإطعام الصُّقور والبُزَاة. وقد نصَّ مالك (٣) على جواز الاستصباح بالزَّيت النَّجِس في غير المساجد، وعلى جواز عمل الصَّابون منه. وينبغي أن يُعلَم أنَّ باب الانتفاع أوسع من باب البيع، فليس كلُّ ما حرم بيعه حرم الانتفاع به، بل لا تلازمَ بينهما، فلا يؤخذ تحريم الانتفاع من تحريم البيع.
-
فصل
ويدخل في تحريم بيع الميتة بيع جميع أجزائها الَّتي تَحُلُّها الحياة وتُفارِقها بالموت، كاللَّحم والشَّحم والعَصْب، وأمَّا الشَّعر والوَبَر والصُّوف فلا يدخل في ذلك؛ لأنَّه ليس بميتة، ولا تَحُلُّه الحياة. وكذلك قال جمهور
ج ٧ ص ٤٢٩أهل العلم: إنَّ شعور الميتة وأصوافها وأوبارها طاهرةٌ إذا كانت من حيوانٍ طاهرٍ، هذا مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد بن حنبلٍ والليث والأوزاعيِّ والثَّوريِّ وداود وابن المنذر والمزني، ومن التَّابعين: الحسن (١) ، وابن سيرين (٢) ، وأصحاب عبد الله بن مسعودٍ (٣) .
-
وانفرد الشَّافعيُّ بالقول بنجاستها، واحتجَّ له بأنَّ اسم الميتة يتناولها كما يتناول سائرَ أجزائها بدليل الأثر والنَّظر:
أمَّا الأثر، ففي «الكامل» (٤) لابن عديٍّ من حديث ابن عمر يرفعه: «ادْفِنوا الأظفارَ والدَّم والشَّعر، فإنَّها ميتةٌ» .
-
وأمَّا النَّظر، فلأنه متَّصلٌ بالحيوان ينمو بنمائه، فنَجِسَ (٥) بالموت كسائر أعضائه. وبأنَّه شعرٌ نابتٌ في محلٍّ نجسٍ فكان نجسًا كشعر الخنزير، وهذا لأنَّ ارتباطه بأصله خلقةً يقتضي أن يثبت له حكمه تبعًا، فإنَّه محسوبٌ منه عرفًا، والشَّارع أجرى الأحكام فيه على وفق ذلك، فأوجب غَسْلَه في
ج ٧ ص ٤٣٠الطَّهارة، وأوجب الجزاء بأخْذِه (١) من الصَّيد كالأعضاء، وألحقه بالمرأة في النِّكاح والطَّلاق حلًّا وحرمةً، فكذلك هاهنا. وبأنَّ الشَّارع له تشوُّفٌ (٢) إلى إصلاح الأموال وحفظِها وصيانتها وعدمِ إضاعتها. وقد قال لهم في شاة ميمونة: «هَلَّا أخذتم إهابَها؟ فدَبغتموه فانتفعتم به» (٣) . ولو كان الشَّعر طاهرًا لكان إرشادهم إلى أخذه أولى؛ لأنَّه أقلُّ كلفةً، وأسهلُ تناولًا.
قال المطهِّرون للشُّعور: قال الله تعالى: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى} [النحل: ٨٠] ، وهذا يعمُّ أحياءها وأمواتَها.
-
وفي «مسند أحمد» (٤) : عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزُّهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عبَّاسٍ قال: مرَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشاةٍ لميمونةَ ميِّتةٍ، فقال: «ألَا اسْتمتعتم (٥) بإهابها؟»، قالوا: وكيف وهي ميتةٌ؟ قال: «إنَّما حُرِّم لحمُها» . وهذا ظاهرٌ جدًّا في إباحة ما سوى اللَّحم، والشَّحمُ والكبِد والطِّحالُ والأَلْية كلُّها داخلةٌ في اللَّحم، كما دخلت في تحريم لحم الخنزير، ولا ينتقض هذا بالعَظْم والقَرْن، والظُّفر والحافر، فإنَّ الصَّحيح طهارة ذلك كما سنقرِّره عقيبَ هذه المسألة.
قالوا: ولأنَّه لو أُخِذ حالَ الحياة لكان طاهرًا، فلم ينجس بالموت كالبيض، وعكسه الأعضاء.
ج ٧ ص ٤٣١قالوا: ولأنَّه لمَّا لم ينجس بجَزِّه في حال حياة الحيوان بالإجماع، دلَّ على أنَّه ليس جزءًا من الحيوان وأنَّه لا روحَ فيه؛ لأنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما أُبِينَ من حيٍّ فهو ميِّتٌ» . رواه أهل السُّنن (١) .
-
ولأنَّه لا يتألَّم بأخذه، ولا يُحسُّ بمسِّه، وذلك دليل عدم الحياة فيه. وأمَّا النَّماء فلا يدلُّ على الحياة الحيوانيَّة الَّتي يتنجَّس الحيوان بمفارقتها، فإنَّ مجرَّد النَّماء لو دلَّ على الحياة ونَجِسَ المحلُّ بمفارقة هذه الحياة لتنجَّسَ الزَّرعُ بيُبْسِه، لمفارقة حياة النُّموِّ والاغتذاء له.
قالوا: فالحياة نوعان: حياة حسٍّ وحركةٍ، وحياة نموٍّ واغتذاءٍ، فالأولى هي الَّتي يُؤثِّر فَقْدُها في طهارة الحيِّ دون الثَّانية.
قالوا: واللَّحم إنَّما ينجس لاحتقان الرُّطوبات والفَضَلات الخبيثة فيه، والشُّعور والأصواف بريئةٌ من ذلك، ولا ينتقض بالعظام والأظفار لما سنذكره.
قالوا: والأصل في الأعيان الطَّهارة، وإنَّما يطرأ عليها التَّنجيس باستحالتها، كالرَّجيع المستحيل عن الغذاء، وكالخمر المستحيل عن العصير وأشباهها، والشُّعورُ في حال استحالتها كانت طاهرةً، ثمَّ لم يَعرِض لها ما
ج ٧ ص ٤٣٢يوجب نجاستها بخلاف أعضاء الحيوان، فإنَّها عَرَضَ لها ما يقتضي نجاستها، وهو احتقان الفضلات الخبيثة.
قالوا: وأمَّا حديث ابن عمر، ففي إسناده عبد الله بن عبد العزيز بن أبي روَّاد. قال أبو حاتمٍ الرَّازيُّ: أحاديثه منكرةٌ، ليس محلُّه عندي الصِّدق. وقال عليُّ بن الحسين بن الجنيد: لا يساوي فلسًا، يحدِّث بأحاديث كذبٍ (١) .
-
وأمَّا حديث الشَّاة الميتة وقوله: «ألا انتفعتم بإهابها» ، ولم يتعرَّض للشَّعر، فعنه ثلاثة أجوبةٍ:
أحدها: أنَّه أطلق الانتفاع بالإهاب، ولم يأمرهم بإزالة ما عليه من الشَّعر، مع أنَّه لا بدَّ فيه من شعرٍ، وهو - صلى الله عليه وسلم - لم يقيِّد الإهاب المنتفَع به بوجهٍ دون وجهٍ، فدلَّ على الانتفاع به فَرْوًا وغيره ممَّا لا يخلو من الشَّعر.
-
الثَّاني: أنَّه - صلى الله عليه وسلم - قد أرشدهم إلى الانتفاع بالشَّعر في الحديث نفسه حيث يقول: «إنَّما حُرِّم من الميتة أكلُها أو لحمُها» .
-
الثَّالث: أنَّ الشَّعر ليس من الميتة ليتعرَّض له في الحديث؛ لأنَّه لا يَحُلُّه الموت. وتعليلهم بالتَّبعيَّة يَبطُل بجلد الميتة إذا دُبِغ وعليه شعرٌ، فإنَّه يطهر دون الشَّعر عندهم. وتمسُّكهم بغسله في الطَّهارة يبطل بالجبيرة، وتمسُّكهم بضمانه من الصَّيد يبطل بالبيض وبالحمل. وأمَّا في النِّكاح فإنَّه تبع الجملة لاتِّصاله بها، وزالَ حكمه (٢) بانفصاله عنها، وهاهنا لو فارق الجملة بعد تَبَعِها في التنجيس (٣) لم يفارقها فيه عندهم، فعُلِم الفرق.
- ج ٧ ص ٤٣٣
فصل
فإن قيل: فهل يدخل في تحريم بيعها تحريمُ بيع عظمها وقرنها وجلدها بعد الدِّباغ، لشمول اسم الميتة لذلك؟
-
قيل: الذي يحرم بيعُه منها هو الذي يحرم أكلُه واستعماله، كما أشار إليه - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «إنَّ الله إذا حَرَّم شيئًا حَرَّم ثمنَه» (١) . وفي اللَّفظ الآخر: «إذا حرَّم أكلَ شيءٍ حرَّم ثمنَه» (٢) . فنبَّه على أنَّ الذي يحرم بيعُه يحرم أكلُه.
-
وأمَّا الجلد إذا دُبِغ فقد صار عينًا طاهرةً، يُنتفَع بها (٣) في اللُّبس والفرش وسائر وجوه الاستعمال، فلا يمتنع جواز بيعه. وقد نصَّ الشَّافعيُّ في كتابه القديم على أنَّه لا يجوز بيعه (٤) ، واختلف أصحابه، فقال القفّال: لا يتَّجه هذا إلا بتقدير قولٍ يوافق مالكًا في أنَّه يطهر ظاهره دون باطنه، وقال بعضهم: لا يجوز بيعُه وإن طهر ظاهره وباطنه على قوله الجديد؛ فإنَّه جزءٌ من الميتة حقيقةً، فلا يجوز بيعه كعظمها ولحمها.
وقال بعضهم: بل يجوز بيعه بعد الدَّبغ؛ لأنَّه عينٌ طاهرةٌ مُنتفَعٌ بها، فجاز
ج ٧ ص ٤٣٤بيعها كالمُذكَّى، وقال بعضهم: بل هذا ينبني على أنَّ الدَّبغ إزالةٌ أو إحالةٌ، فإن قلنا: إحالةٌ جاز بيعه؛ لأنَّه قد استحال من كونه جزءَ ميتةٍ إلى عينٍ أخرى، وإن قلنا: إزالةٌ لم يجز بيعه؛ لأنَّ وصف الميتة هو المحرِّم لبيعه، وذلك باقٍ لم يستحلَّ.
-
وبَنَوا على هذا الخلاف جوازَ أكله، ولهم فيه ثلاثة أوجهٍ: أكله مطلقًا، وتحريمه مطلقًا (١) ، والتَّفصيل بين جلد المأكول وغير المأكول. فأصحاب الوجه الأوَّل غَلَّبوا حكم الإحالة، وأصحاب الوجه الثَّاني غَلَّبوا حكم الإزالة، وأصحاب الوجه الثَّالث أجْرَوا الدِّباغ مُجرى الذَّكاة، فأباحوا بها ما يباح أكلُه (٢) إذا ذُكِّي دون غيره.
-
والقول بجواز أكله باطلٌ مخالفٌ لصريح السُّنَّة، ولهذا لم يُمكِن قائلَه القولُ به إلا بعد منعه كونَ الجلد بعد الدَّبغ ميتةً، وهذا منعٌ باطلٌ، فإنَّه جلد ميتةٍ حقيقةً وحسًّا وحكمًا، ولم يحدث له حياةٌ بالدَّبغ تَرفع عنه اسم الميتة. وكون الدَّبغ إحالةً باطلٌ حسًّا؛ فإنَّ الجلد لم تُستحلَّ ذاتُه وأجزاؤه وحقيقتُه بالدِّباغ، فدعوى أنَّ الدِّباغ إحالةٌ عن حقيقةٍ (٣) إلى حقيقةٍ أخرى، كما تُحيل النَّارُ الحطبَ إلى الرَّماد، والمَلَّاحةُ (٤) ما يلقى فيها من الميتات إلى الملح= دعوى باطلةٌ.
- ج ٧ ص ٤٣٥
وأمَّا أصحاب مالك ففي «المدوَّنة» (١) لابن القاسم المنع من بيعها وإن دبغت، وهو الذي ذكره صاحب «التَّهذيب» (٢) . وقال المازري (٣) : هذا هو مقتضى القول بأنَّها لا تطهر بالدِّباغ. قال: وأمَّا إذا فرَّعنا على أنَّها تطهر بالدِّباغ طهارةً كاملةً، فإنَّا نجيز بيعها لإباحة جملة منافعها.
قلت: عن مالك في طهارة الجلد المدبوغ روايتان (٤) ، إحداهما: يطهر ظاهره وباطنه، وبها قال ابن وهب (٥) ، وعلى هذه الرِّواية جوَّز أصحابه بيعه. والثَّانية ــ وهي أشهر الرِّوايتين عنه ــ أنَّه يطهر طهارةً مخصوصةً يجوز معها استعماله في اليابسات، وفي الماء وحده دون سائر المائعات، قال أصحابه: وعلى هذه الرِّواية لا يجوز بيعه، ولا الصَّلاة فيه، ولا الصَّلاة عليه.
-
وأمَّا مذهب الإمام أحمد، فإنَّه لا يصحُّ عنده بيع جلد الميتة قبل دبغه. وعنه في جوازه بعد الدَّبغ روايتان (٦) ، هكذا أطلقهما الأصحاب، وهما عندي مبنيَّتان على اختلاف الرِّواية عنه في طهارته بعد الدِّباغ.
-
وأمَّا بيع الدُّهن النَّجس ففيه ثلاثة أوجهٍ في مذهبه (٧) :
أحدها: أنَّه لا يجوز بيعه.
- ج ٧ ص ٤٣٦
والثَّاني: يجوز بيعه لكافرٍ يعلم نجاسته، وهو المنصوص عنه. قلت: والمراد بعلم النَّجاسة العلمُ بالسَّبب المنجِّس، لا اعتقاد [الكافر] (١) في نجاسته.
-
والثَّالث: يجوز بيعه لمسلمٍ وكافرٍ. وخُرِّج هذا الوجه من جواز إيقاده، وخرِّج أيضًا من طهارته بالغسل، فيكون كالثَّوب النَّجس. وخرَّج بعض أصحابه وجهًا ببيع السِّرقين النَّجس للوقيد من بيع الزَّيت النَّجس له، وهو تخريجٌ صحيحٌ.
-
وأمَّا أصحاب أبي حنيفة (٢) فجوَّزوا بيع السِّرجين النَّجس إذا كان تبعًا لغيره، ومنعوه إذا كان مفردًا.
-
فصل
وأمَّا عظمها، فمن لم يُنجِّسه بالموت ــ كأبي حنيفة، وبعض أصحاب أحمد، واختيار ابن وهب من أصحاب مالك ــ فيجوز بيعه عندهم، وإن اختلَف مأخذُ الطَّهارة:
فأصحاب أبي حنيفة قالوا: لا يدخل في الميتة، ولا يتناوله اسمها، ومنعوا كونَ الألم دليلَ حياته. قالوا: وإنَّما يألمه ما (٣) جاوره من اللَّحم لا ذات العظم، وحملوا قوله تعالى: {قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} [يس: ٧٨] على حذف مضافٍ، أي أصحابها.
- ج ٧ ص ٤٣٧
وغيرهم ضعَّف هذا المأخذ جدًّا، وقال: العظم يَألَم حسًّا، وألمُه أشدُّ من ألم اللَّحم. ولا يصحُّ حمل الآية على حذف مضافٍ لوجهين، أحدهما: أنَّه تقدير ما لا دليل عليه، فلا سبيل إليه. الثَّاني: أنَّ هذا التَّقدير يستلزم الإضرابَ عن جواب سؤال السَّائل الذي استشكل حياة العظام، فإنَّ أُبيّ بن خَلَف أخذ عظمًا باليًا، ثمَّ جاء به إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ففتَّه في يده، وقال: يا محمَّد! أترى الله يُحِيي هذا بعدما رَمَّ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «نعم، ويَبعثك، ويُدخِلك النَّار» (١) . فمأخذ الطَّهارة أنَّ سبب تنجيس الميتة منتفٍ في العظام، فلم يحكم بنجاستها.
-
ولا يصحُّ قياسها على اللَّحم؛ لأنَّ احتقان الرُّطوبات والفَضَلات الخبيثة يختصُّ به دون العظام، كما أنَّ ما لا نفسَ له سائلةً لا ينجس (٢) بالموت وهو حيوانٌ كاملٌ، لعدم سبب التَّنجيس (٣) فيه، فالعظم أولى.
-
وهذا المأخذ أصحُّ وأقوى من الأوَّل، وعلى هذا فيجوز بيع عظام الميتة إذا كانت من حيوانٍ طاهر العين.