فصل في تحريم مهر البغي
٤٩ فقرة، ج ٧ ص ٤٥٤
الصفحة ١ من ٢
- ج ٧ ص ٤٥٤
ومجاهد (١) وجابر بن زيدٍ (٢) ، وجميع أهل الظَّاهر، وإحدى الرِّوايتين عن أحمد، وهي اختيار أبي بكر عبد العزيز. وهو الصَّواب لصحَّة الحديث بذلك، وعدمِ ما يعارضه، فوجب القول به.
قال البيهقي (٣) : ومن العلماء من حمل الحديث على أنَّ ذلك حين كان محكومًا بنجاستها، فلمَّا قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «الهرَّة ليستْ بنجسٍ» (٤) صار ذلك منسوخًا في البيع. ومنهم من حملَه على السِّنَّور إذا توحَّش، ومتابعةُ ظاهر السُّنَّة أولى. ولو سمع الشَّافعيُّ الخبر الوارد (٥) فيه لقال به إن شاء اللَّه، وإنَّما لا يقول به من توقَّف في تثبيت روايات أبي الزبير، وقد تابعه أبو سفيان عن جابر على هذه الرِّواية، من جهة عيسى بن يونس وحفص بن غياثٍ عن الأعمش عن أبي سفيان، والله أعلم. انتهى كلامه.
-
ومنهم من حمله على الهرِّ الذي ليس بمملوكٍ، ولا يخفى ما في هذه المحامل من الوهن.
-
فصل
والحكم الثَّالث: مهر البَغِيِّ، وهو ما تأخذه الزَّانية في مقابلة الزِّنا بها،
ج ٧ ص ٤٥٥فحكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّ ذلك خبيثٌ على أيِّ وجهٍ كان، حرَّةً كانت أو أمةً، ولا سيَّما فإنَّ البِغاء إنَّما كان على عهدهم في الإماء دون الحرائر، ولهذا قالت هند وقتَ البيعة: أَوَ تَزني الحرَّة؟! (١) .
-
ولا نزاعَ بين الفقهاء في أنَّ الحرَّة البالغة العاقلة إذا مَكَّنت رجلًا من نفسها فزنى بها أنَّه لا مهْرَ لها، واختُلِف في مسألتين، إحداهما: الحرَّة المُكْرَهة. والثَّانية: الأمة المطاوعة.
-
فأمَّا الحرَّة المُكْرَهة على الزِّنا، ففيها أربعة أقوالٍ، وهي رواياتٌ منصوصاتٌ عن أحمد (٢) :
أحدها: أنَّ لها المهرَ بكرًا كانت أو ثيِّبًا، سواءٌ وُطِئتْ في قُبُلِها أو دُبُرِها.
-
والثَّاني: أنَّها إن كانت ثيِّبًا فلا مهرَ لها، وإن كانت بكرًا فلها المهر. وهل يجب معه أَرْشُ البكارة؟ على روايتين منصوصتين. وهذا القول اختيار أبي بكر.
-
والثَّالث: أنَّها إن كانت ذاتَ محرمٍ فلا مهرَ لها، وإن كانت أجنبيَّةً فلها المهر.
-
والرَّابع: أنَّ من تحرم ابنتُها كالأمِّ والبنت والأخت فلا مهرَ لها، ومن تحلُّ ابنتها كالعمَّة والخالة فلها المهر.
وقال أبو حنيفة: لا مهرَ للمكرهة على الزِّنا بحالٍ، بكرًا كانت أو ثيِّبًا.
- ج ٧ ص ٤٥٦
فمن أوجب المهر قال: إنَّ استيفاء هذه المنفعة جُعِل مُقوَّمًا في الشَّرع بالمهر، وإنَّما لم يجب للمختارة؛ لأنَّها باذلةٌ للمنفعة الَّتي عوضها لها، فلم يجب لها شيءٌ، كما لو أذنت في إتلاف عضوٍ من أعضائها لمن أتلفه.
-
ومن لم يوجبه قال: الشَّارع إنَّما جعل هذه المنفعة متقوِّمًا (١) بالمهر في عقدٍ أو شبهة عقدٍ، ولم يُقوِّمها بالمهر في الزِّنا البتَّة، وقياس السِّفاح على النِّكاح من أفسد القياس.
قالوا: وإنَّما جَعلَ الشَّارع في مقابلة هذا الاستمتاع الحدَّ والعقوبةَ، فلا يجمع بينه وبين ضمان المهر.
قالوا: والوجوب إنَّما يُتلقَّى من الشَّارع من نصِّ خطابه، أو عمومه، أو فَحْواه، أو تنبيهه، أو معنى نصِّه، وليس شيءٌ من ذلك ثابتًا متحقِّقًا عنه. وغاية ما يُدَّعى قياسُ السِّفاح على النِّكاح، ويا بُعْدَ ما بينهما!
قالوا: والمهر إنَّما هو من خصائص النِّكاح لفظًا ومعنًى، ولهذا إنَّما يضاف إليه فيقال: مهر النِّكاح، ولا يضاف إلى الزِّنا، فلا يقال: مهر الزِّنا، وإنَّما أطلق النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - المهر بالعقد (٢) ، كما قال: «إنَّ الله حرَّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام» (٣) . وكما قال: «من باع حرًّا وأكلَ ثمنَه» (٤) . ونظائره كثيرةٌ.
- ج ٧ ص ٤٥٧
والأوَّلون يقولون: الأصل في هذه المنفعة أن تُقوَّم بالمهر، وإنَّما أسقطه الشَّارع في حقِّ البغيِّ، وهي الَّتي تزني باختيارها، وأمَّا المُكرَهة على الزِّنا فليست بغيًّا، فلا يجوز إسقاطُ بدلِ منفعتها الَّتي أُكرِهت على استيفائها، كما لو أكره الحرُّ على استيفاء منافعه، فإنَّه يلزمه عِوضُها، وعِوضُ هذه المنفعة شرعًا هو المهر.
-
فهذا مأخذ القولين.
-
ومن فرَّق بين البكر والثَّيِّب رأى أنَّ الواطئ لم يُذهِب على الثَّيِّب شيئًا، وحَسْبُه العقوبة الَّتي رُتَّبتْ على فعله، وهذه المعصية لا يقابلها شرعًا مالٌ يلزم من أقدر (١) عليها، بخلاف البكر فإنَّه أزال بكارتها، فلا بدَّ من ضمان ما أزالَه، فكانت هذه الجناية مضمونةً عليه في الجملة، فضَمِن ما أتلفه من جزء منفعةٍ، وكانت المنفعة تابعةً للجزء في الضَّمان، كما كانت تابعةً له في عدمه في البِكر المطاوعة.
-
ومن فرَّق بين ذوات المحارم وغيرهنَّ، رأى أنَّ تحريمهنَّ لمَّا كان تحريمًا مستقرًّا، وأنَّهنَّ غير محلِّ الوطء شرعًا، كان استيفاء هذه المنفعة منهنَّ بمنزلة التَّلوُّط، فلا يوجب مهرًا. وهذا قول الشَّعبيِّ، وهذا بخلاف تحريم المصاهرة، فإنَّه عارضٌ يمكن زواله.
قال صاحب «المغني» (٢) : وهكذا ينبغي أن يكون الحكم فيمن حرمت بالرَّضاع؛ لأنَّه طارٍ (٣) أيضًا.
- ج ٧ ص ٤٥٨
ومن فرَّق في ذوات المحارم بين من تحرم ابنتها ومن لا تحرم، فكأنَّه رأى أنَّ من لا تحرم ابنتها تحريمها (١) أخفُّ من تحريم الأخرى، فأشبَه العارضَ.
-
فإن قيل: فما حكم المُكْرَهة على الوطء في دُبرها، أو الأمة المطاوعة على ذلك؟
-
قيل: هو أولى بعدم الوجوب، فهذا كاللِّواط لا يجب به (٢) المهر اتِّفاقًا.
-
وقد اختلف في هذه المسألة الشَّيخان: أبو البركات ابن تيميَّة، وأبو محمد ابن قدامة:
فقال أبو البركات في «محرَّره» (٣) : ويجب مهر المثل للموطوءة بشبهةٍ، والمكرهة على الزِّنا في قُبُلٍ أو دُبُرٍ.
وقال أبو محمد في «المغني» (٤) : ولا يجب المهر بالوطء في الدُّبر ولا اللِّواط؛ لأنَّ الشَّرع لم يَرِد ببدله، ولا هو إتلافٌ لشيءٍ، فأشبهَ القبلةَ والوطء دون الفرج.
-
وهذا القول هو الصَّواب قطعًا، فإنَّ هذا الفعل لم يجعل له الشَّارع قيمةً أصلًا، ولا قدَّر له مهرًا بوجهٍ من الوجوه، وقياسه على وطء الفرج من أفسد القياس، ولازم من قاله إيجاب المهر لمن فعلت به اللُّوطيَّة من الذُّكور،
ج ٧ ص ٤٥٩وهذا لم يقل به أحدٌ البتَّة.
-
فصل
وأمَّا المسألة الثَّانية: وهي الأمة المطاوعة، فهل يجب لها المهر؟ فيه قولان، أحدهما: يجب، وهذا قول الشَّافعيِّ وأكثر أصحاب أحمد. قالوا: لأنَّ هذه المنفعة لغيرها، فلا يسقط بدلها مجَّانًا، كما لو أذنت في قطع طرفها.
-
والصَّواب المقطوع به: أنَّه لا مهرَ لها، وهذه هي البغيُّ الَّتي نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن مهرها، وأخبر أنَّه خبيثٌ، وحكم عليه وعلى ثمنِ الكلب وأجرِ الكاهن بحكمٍ واحدٍ، والأمة داخلةٌ في هذا الحكم دخولًا أوَّليًّا، فلا يجوز تخصيصها من عمومه؛ لأنَّ الإماء هنَّ اللَّاتي كنَّ (١) يُعرَفن بالبغاء، وفيهنَّ وفي ساداتهنَّ أنزل الله عز وجل: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} [النور: ٣٣] ، فكيف يجوز أن تخرج الإماء من نصٍّ أُرِدْنَ به قطعًا، ويُحمَل على غيرهنَّ؟
-
وأمَّا قولكم: «إنَّ منفعتها لسيِّدها، ولم يأذن في استيفائها» ، فيقال: هذه المنفعة يملك السَّيِّد استيفاءها بنفسه، ويملك المعاوضةَ عليها بعقد النِّكاح أو شبهته (٢) ، ولا يملك المعاوضةَ عليها إذا أذنت (٣) ، ولم يجعل الله ورسوله للزِّنا عوضًا قطُّ غير العقوبة، فيفوت على السَّيِّد حتَّى يُقضى له، بل
ج ٧ ص ٤٦٠هذا تقويمُ مالٍ هَدَرَه (١) الله ورسوله، وإثباتُ عوضٍ حكَمَ الشَّارع بخبثه، وجعله بمنزلة ثمنِ الكلب وأجرِ الكاهن، وإذا كان عوضًا خبيثًا شرعًا لم يجز أن يُقضَى به.
-
ولا يقال: فأجر الحجَّام خبيثٌ، ويُقضى له به؛ لأنَّ منفعة الحجامة منفعةٌ مباحةٌ وتجوز، بل يجب على مستأجره أن يُوفِّيه أجرَه، فأين هذا من المنفعة الخبيثة المحرَّمة الَّتي عِوضُها من جنسها، وحكمُه حكمها، وإيجابُ عوضٍ في مقابلة هذه القصة (٢) كإيجاب عوضٍ في مقابلة اللِّواط، إذ الشَّارع لم يجعل في مقابلة هذا الفعل عوضًا.
-
فإن قيل: فقد جعل في مقابلة الوطء في الفرج عوضًا، وهو المهر من حيث الجملة، بخلاف اللِّواط.
-
قلنا: إنَّما جعل في مقابلته عوضًا إذا استُوفي بعقدٍ أو بشبهة عقدٍ، ولم يجعل له عوضًا إذا استُوفي بزنًا محضٍ لا شبهةَ فيه، وباللَّه التَّوفيق.
-
ولم يُعرَف في الإسلام قطُّ أنَّ زانيًا قُضِي عليه بالمهر للمَزْنيِّ بها، ولا ريبَ أنَّ المسلمين يرون هذا قبيحًا، فهو عند الله عزَّ وجلَّ قبيحٌ.
-
فصل
فإن قيل: فما تقولون في كسب الزَّانية إذا قبضَتْه ثمَّ تابت، هل يجب عليها ردُّ ما قبضتْه إلى أربابه، أم يطيب لها، أم تَصَّدَّقُ به؟
- ج ٧ ص ٤٦١
قيل: هذا ينبني على قاعدةٍ عظيمةٍ من قواعد الإسلام، وهي أنَّ من قبضَ ما ليس له قبضه شرعًا، ثمَّ أراد التَّخلُّص منه، فإن كان المقبوض قد أُخِذ بغير رضى صاحبه ولا استُوفي عوضُه، ردَّه عليه. فإن تعذَّر ردُّه عليه قضى به دينًا يعلمه عليه، فإن تعذَّر ذلك ردَّه إلى ورثته، فإن تعذَّر ذلك تصدَّقَ به عنه. فإن اختار صاحب الحقِّ ثوابه يوم القيامة كان له، وإن أبى إلا أن يأخذ من حسنات القابض استوفى منه نظيرَ ماله، وكان ثواب الصَّدقة للمتصدِّق، كما ثبت عن الصَّحابة - رضي الله عنهم -.
-
وإن كان المقبوض برضى الدَّافع وقد استوفى عوضَه المحرَّم ــ كمن عاوض على خمرٍ أو خنزيرٍ أو على زنًا أو فاحشةٍ ــ فهذا لا يجب ردُّ العوض على الدَّافع؛ لأنَّه أخرجه باختياره، واستوفى عوضَه المحرَّم، فلا يجوز أن يجمع له بين العوض والمعوَّض، فإنَّ في ذلك إعانةً له على الإثم والعدوان، وتيسيرَ أصحابِ المعاصي عليه. وماذا يريد الزَّاني وفاعل الفاحشة إذا علم أنَّه يَنال غرضَه ويستردُّ مالَه، فهذا ممَّا تُصان الشَّريعة عن الإتيان به، ولا يَسُوغ القول به، وهو يتضمَّن الجمع بين الظُّلم والفاحشة والغدر.
-
ومن أقبح القبيح أن يستوفي عوضَه من المزنيِّ بها، ثمَّ يرجع فيما أعطاها قهرًا، وقبْحُ هذا مستقرٌّ في فطر جميع العقلاء، فلا تأتي به شريعةٌ، ولكن لا يطيب للقابض أكلُه، بل هو خبيثٌ كما حكم عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولكنَّ خبثه لخبث مكسبه، لا لظلم من أخذ منه. فطريق التَّخلُّص منه وتمامُ التَّوبة بالصَّدقة به، فإن كان محتاجًا إليه فله أن يأخذ قدر حاجته، ويتصدَّق بالباقي. فهذا حكم كلِّ كسبٍ خبيثٍ لخبث عوضه، عينًا كان أو منفعةً، ولا يلزم من الحكم بخبثه وجوبُ ردِّه على الدَّافع، فإنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - حكم بخبث كَسْب
ج ٧ ص ٤٦٢الحجَّام، ولا يجب ردُّه على دافعه.
-
فإن قيل: فالدَّافع مالَه في مقابلة العوض المحرَّم دفعَ ما لا يجوز دفعه، بل حَجَرَ عليه فيه الشَّارع، فلم يقع قبضُه موقعَه، بل وجود هذا القبض كعدمه، فيجب ردُّه على مالكه، كما لو تبرَّع المريض لوارثه بشيءٍ، أو لأجنبيٍّ بزيادةٍ على الثُّلث، أو تبرَّعَ المحجورُ عليه لفَلَسٍ (١) أو سَفَهٍ، أو تبرَّع المضطرُّ إلى قُوتِه بذلك، ونحو ذلك. وحَرْف المسألة (٢) أنَّه محجورٌ عليه شرعًا في هذا الدَّفع، فيجب ردُّه.
-
قيل: هذا قياسٌ فاسدٌ؛ لأنَّ الدَّفع في هذه الصُّور تبرُّعٌ محضٌ لم يعاوض عليه، والشَّارع قد منعه منه لتعلُّق حقِّ غيره به، أو حقِّ نفسه المقدَّمة على غيره، وأمَّا فيما نحن فيه فهو قد عاوَضَ بماله على استيفاء منفعةٍ، أو استهلاك عينٍ محرَّمةٍ، فقد قبض عوضًا محرَّمًا، وأقبضَ مالًا محرَّمًا، فاستوفى ما لا يجوز استيفاؤه، وبذَلَ فيه ما لا يجوز بذلُه، فالقابض قبضَ مالًا محرَّمًا، والدَّافع استوفى عوضًا محرَّمًا، وقضيَّةُ العدل تَرَادُّ العوضينِ، لكن قد تعذَّر ردُّ أحدهما، فلا يُوجِب ردَّ الآخر من غير رجوع عوضه. نعم، لو كان الخمر قائمًا بعينه لم يستهلكه، أو دفع إليها المال ولم يَفْجُرها (٣) = وجبَ ردُّ المال في الصُّورتين قطعًا، كما في سائر العقود الباطلة إذا لم يتَّصل بها القبض.
-
فإن قيل: وأيُّ تأثيرٍ لهذا القبض المحرَّم حتَّى جُعِل له حرمةٌ؟ ومعلومٌ أنَّ قبض ما لا يجوز قبضه بمنزلة عدمه، إذ الممنوع شرعًا كالممنوع حسًّا،
ج ٧ ص ٤٦٣فقابضُ المالِ قبضَه بغير حقٍّ، فعليه أن يؤدِّيَه (١) إلى دافعه.
-
قيل: والدَّافع قبضَ العينَ واستوفى المنفعةَ بغير حقٍّ، فكلاهما قد اشتركا في دفْعِ ما ليس لهما دفعُه، وقبْضِ ما ليس لهما قبضُه، وكلاهما عاصٍ للَّه، فكيف يُخَصُّ أحدهما بأن يجمع له بين العوض والمعوَّض، ويُفَوَّت على الآخر العوض والمعوَّض؟
-
فإن قيل: هو فوَّت المنفعة على نفسه باختياره.
-
قيل: والآخر فوَّت العوضَ على نفسه باختياره، فلا فرق بينهما، وهذا واضحٌ بحمد اللَّه.
-
وقد توقَّف شيخنا - رحمه الله - في وجوب ردِّ عوضِ هذه المنفعة المحرَّمة على باذلِه أو الصَّدقةِ به، في كتاب «اقتضاء الصِّراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم» وقال (٢) : الزَّاني ومستمعُ الغناء والنَّوح قد بذلوا هذا المال عن طيب نفوسهم، واستوفَوا العوضَ المحرَّم. والتَّحريمُ الذي فيه ليس لحقِّهم، وإنَّما هو لحقِّ الله، وقد فاتت هذه المنفعة بالقبض، والأصولُ تقتضي أنَّه إذا ردَّ أحدَ العوضين ردَّ الآخر، فإذا تعذَّر على المستأجر ردُّ المنفعة لم يردَّ عليه المال. وهذا الذي استُوفِيتْ منفعته عليه ضررٌ في أخذ منفعتِه وعوضِها جميعًا منه، بخلاف ما إذا كان العوض خمرًا أو ميتةً، فإنَّ تلك لا ضررَ عليه في فَواتها، فإنَّها لو كانت باقيةً أتلَفْناها عليه، ومنفعة الغناء والنَّوح لو لم تَفُتْ لتوفَّرتْ عليه، بحيث كان يتمكَّن من صَرْف تلك المنفعة في أمرٍ آخر، أعني من صرف القوَّة الَّتي عمل بها.
- ج ٧ ص ٤٦٤
ثمَّ أورد على نفسه سؤالًا، فقال (١) : فيقال على هذا: فينبغي أن تَقضُوا بها إذا طالب بقبضها.
-
وأجاب عنه بأن قال: قيل: نحن لا نأمر بدفعها ولا رَدِّها، كعقود الكفَّار المحرَّمة، فإنَّهم إذا أسلموا قبل القبض لم يُحكَم بالقبض، ولو أسلموا بعد القبض لم يُحكم بالرَّدِّ، ولكنَّ المسلم تَحرُم عليه هذه الأجرة؛ لأنَّه كان معتقدًا لتحريمها، بخلاف الكافر. وذلك لأنَّه إذا طلب الأجرة قلنا له: أنت فرَّطتَ حيث صرفتَ قوَّتك في عملٍ يحرم، فلا يُقضى لك بأجرة. فإذا قبضَها وقال الدَّافع: هذا المال اقْضُوا لي بردِّه، فإنَّه (٢) أقبضتُه إيَّاه عوضًا عن منفعةٍ محرَّمةٍ= قلنا له: دفعتَه معاوضةً رضيتَ بها، فإذا طلبتَ استرجاعَ ما أُخِذ، فاردُدْ إليه ما أخذتَ إذا كان له في بقائه معه منفعةٌ، فهذا محتملٌ.
قال (٣) : وإن كان ظاهر القياس ردّها، لأنَّها مقبوضةٌ بعقدٍ فاسدٍ. انتهى.
-
وقد نصَّ أحمد ــ في رواية أبي النضر (٤) ــ فيمن حمل خمرًا أو خنزيرًا أو ميتةً لنصرانيٍّ (٥) : أكره أكْلَ كرائِه، ولكن يُقضى للحمَّال بالكراء. وإذا كان لمسلمٍ فهو أشدُّ كراهةً. فاختلف أصحابه في هذا النَّصِّ على ثلاث طرقٍ (٦) :
ج ٧ ص ٤٦٥إحداها: إجراؤه على ظاهره، وأنَّ المسألة روايةٌ واحدةٌ. قال ابن أبي موسى (١) : وكره أحمد أن يُؤجِر المسلم نفسَه لحمل ميتةٍ أو خنزيرٍ لنصرانيٍّ. فإن فعلَ قُضِي له بالكراء، وهل يطيب له أم لا؟ على وجهين، أوجههما: أنَّه لا يطيب له، ويتصدَّق به.