فصل في الأقوال في العقد على اللبن في الضرع

٢٠ فقرة، ج ٧ ص ٥٢٤

  1. بإجارة الأرض لِمُغَلِّها هو محض القياس، وهو كما تقدَّم أصحُّ من التَّنظير بإجارة الخبز للأكل.

    ج ٧ ص ٥٢٤
  2. يوضِّحه الوجه العاشر: أنَّ الغرر والخطر الذي في إجارة الأرض لحصول مُغَلِّها أعظم بكثيرٍ من الغرر الذي في إجارة الحيوان للبنه، فإنَّ الآفات والموانع الَّتي تَعرِض للزَّرع أكثرُ من آفات اللَّبن، فإذا اغتُفِر ذلك في إجارة الأرض؛ فلَأَن يُغتفَر في إجارة الحيوان للبنه أولى وأحرى. وبالله التوفيق.

  3. فصل
  4. فالأقوال في العقد على اللَّبن في الضَّرع ثلاثةٌ:
  5. أحدها: منعه بيعًا وإجارةً، وهذا مذهب أحمد والشَّافعيِّ وأبي حنيفة.

  6. والثَّاني: جوازه بيعًا وإجارةً (١) .

  7. والثَّالث: جوازه إجارةً لا بيعًا، وهو اختيار شيخنا - رحمه الله -.

  8. وفي المنع من بيع اللَّبن في الضَّرع حديثان:

    أحدهما: حديث عمر (٢) بن فَرُّوخ ــ وهو ضعيفٌ ــ عن حبيب بن الزبير، عن عكرمة، عن ابن عبَّاسٍ مرفوعًا: نهى أن يباع صوفٌ على ظهرٍ، أو سَمْنٌ في لبنٍ، أو لبنٌ في ضَرْعٍ (٣) . وقد رواه أبو إسحاق (٤) عن عكرمة عن

    ج ٧ ص ٥٢٥ابن عبَّاسٍ من قوله، دون ذكر السَّمْن. رواه البيهقي (١) وغيره.

  9. والثَّاني: حديثٌ رواه ابن ماجه (٢) عن هشام بن عمَّارٍ، حدَّثنا حاتم بن إسماعيل، ثنا جَهْضَم بن عبد الله (٣) اليمامي، عن محمد بن إبراهيم الباهلي، عن محمد بن يزيد (٤) العبدي، عن شهر بن حَوْشبٍ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن شراء ما في بطون الأنعام حتَّى تضع، وعمَّا في ضروعها إلا بكيلٍ أو وزنٍ، وعن شراء العبد وهو آبقٌ، وعن شراء المغانم حتَّى تُقسم، وعن شراء الصَّدقات حتَّى تُقبض، وعن ضربة الغائص (٥) .

  10. ولكنَّ هذا الإسناد لا تقوم به حجَّةٌ. والنَّهي عن شراء ما في بطون الأنعام ثابتٌ بالنَّهي عن الملاقيح والمضامين، والنَّهي عن شراء العبد الآبق وهو آبقٌ معلومٌ بالنَّهي عن بيع الغرر، والنَّهي عن شراء المغانم حتَّى تُقسم داخلٌ

    ج ٧ ص ٥٢٦في النَّهي عن بيع ما ليس عنده، فهو بيع غررٍ ومخاطرةٍ، وكذلك الصَّدقات قبل قبضها، وإذا كان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الطَّعام قبل قبضه (١) مع انتقاله إلى المشتري، وثبوتِ ملكه عليه، وتعيينه (٢) له، وانقطاع تعلُّق حقِّ غيره به= فالمغانم والصَّدقات قبل قبضها أولى بالنَّهي. وأمَّا ضربة الغائص فغررٌ ظاهرٌ لا خفاء به.

  11. وأمَّا بيع اللَّبن في الضَّرع، فإن كان معيَّنًا لم يُمكِن تسليم المبيع بعينه، وإن كان بيعَ لبنٍ موصوفٍ في الذِّمَّة فهو نظير بيع عشرة أقفزةٍ مطلقةٍ من هذه الصُّبرة. وهذا النَّوع له جهتان: جهة إطلاقٍ وجهة تعيينٍ، ولا تَنافِيَ بينهما، وقد دلَّ على جوازه نهيُ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أن يُسلم في حائطٍ بعينه إلا أن يكون قد بدا صلاحه، رواه الإمام أحمد (٣) . فإذا أسلم إليه في كيلٍ معلومٍ من لبن هذه الشَّاة وقد صارت لَبونًا جاز، ودخل تحت قوله: «ونهى عن بيع ما في ضروعها إلا بكيلٍ أو وزنٍ» (٤) ، فهذا إذنٌ لبيعه بالكيل والوزن معيَّنًا ومطلقًا؛ لأنَّه لم يفصل، ولم يشترط سوى الكيل والوزن، ولو كان التَّعيين شرطًا لذكره.

  12. فإن قيل: فما تقولون لو باعه لبنَها أيَّامًا معلومةً من غير كيلٍ ولا وزنٍ؟

  13. قيل: إن ثبت الحديث لم يجزْ بيعه إلا بكيلٍ أو وزنٍ، وإن لم يثبت وكان

    ج ٧ ص ٥٢٧لبنها معلومًا لا يختلف بالعادة جاز (١) بيعه أيَّامًا، وجرى حكمه بالعادة مجرى كيله ووزنه، وإن كان يختلف، فمرَّةً يزيد ومرَّةً ينقص أو ينقطع فهذا غررٌ لا يجوز، وهذا بخلاف الإجارة، فإنَّ اللَّبن يحدُث على مِلكه بعَلَفِه الدَّابَّةَ، كما يحدُث الحَبُّ على مِلكه بالسَّقي، فلا غرر (٢) في ذلك، نعم إن نقصَ اللَّبن عن العادة أو انقطع، فهو بمنزلة نقصان المنفعة في الإجارة أو تعطيلها، يثبت للمستأجر حقُّ الفسخ، أو ينقص عنه من الأجرة بقدر ما نقصَ عليه من المنفعة. هذا قياس المذهب. وقال ابن عقيل وصاحب «المغني» (٣) : إذا اختار الإمساك لزِمه جميع الأجرة؛ لأنَّه رضي بالمنفعة ناقصةً، فلزمه جميع العوض، كما لو رضي بالمبيع معيبًا.

  14. والصَّحيح أنَّه يسقط عنه من الأجرة بقدر ما نقص من المنفعة؛ لأنَّه إنَّما بذل العوض الكامل في منفعةٍ كاملةٍ سليمةٍ، فإذا لم يسلم له لم يلزمه جميع العوض.

  15. وقولهم: إنَّه رضي بالمنفعة مَعِيبةً، فهو كما لو رضي بالمبيع مَعِيبًا، جوابه من وجهين:

    أحدهما: أنَّه لو رضي به معيبًا بأن يأخذ أَرْشَه، كان له ذلك على ظاهر المذهب، فرِضَاه بالعيب مع الأرش لا يُسقِط حقَّه.

  16. الثَّاني: أنه و (١) إن قلنا: إنَّه لا أَرْشَ لممسكٍ له الرَّدُّ= لم يلزم سقوطُ الأَرْش في الإجارة؛ لأنَّه قد استوفى بعضَ المعقود عليه، فلم يمكنه ردُّ المنفعة كما قبضها؛ ولأنَّه قد يكون عليه ضررٌ في ردِّ باقي المنفعة، وقد لا يتمكَّن من ذلك، فلا يجد بدًّا من الإمساك، فإلزامه بجميع الأجرة مع العيب المنقص ظاهرًا (٢) ، ومنعُه من استدراك ظُلامته إلا بالفسخ ضررٌ عليه، ولا سيَّما لمستأجرِ الزَّرع والغرس والبناء، أو مستأجرِ دابَّةٍ للسَّفر فتتعيَّب في الطَّريق. فالصَّواب أنَّه لا أرْشَ في المبيع لممسكٍ له الرَّدُّ، وأنَّه في الإجارة له الأَرْشُ.

    ج ٧ ص ٥٢٨
  17. والَّذي يُوضِّح هذا أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - حكم بوضع الجوائح (٣) ، وهي أن يسقط عن مشتري الثِّمار (٤) من الثمن (٥) بقدر ما أذهبت الجائحة من ثمرته، ويمسك الباقي بقسطه من الثَّمن؛ وهذا لأنَّ الثِّمار لم تستكمل صلاحها دفعةً واحدةً، ولم تجرِ العادة بأخذها جملةً واحدةً، وإنَّما تؤخذ شيئًا فشيئًا، فهي بمنزلة المنافع في الإجارة سواءٌ، والنَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في المصرَّاة خيَّر المشتري بين الرَّدِّ وبين الإمساك بلا أَرْشٍ (٦) ، وفي الثِّمار جعل له الإمساك مع الأرش. والفرق ما ذكرناه، والإجارة أشبه ببيع الثِّمار، وقد ظهر اعتبار هذا الشَّبه في

    ج ٧ ص ٥٢٩وضع الشَّارع الجائحةَ قبل قبض الثمرة (١) .

  18. فإن قيل: فالمنافع لا توضع فيها الجائحة باتِّفاق العلماء.

  19. قيل: ليس هذا من باب وضع الجوائح في المنافع، ومن ظنَّ ذلك فقد وهم. قال شيخنا (٢) : وليس هذا من باب وضع الجائحة في المبيع كما في الثَّمر المشترى، بل هو من باب تلفِ المنفعة المقصودة بالعقد أو فواتها.

  20. وقد اتَّفق العلماء على أنَّ المنفعة في الإجارة إذا تلِفتْ قبل التَّمكُّن من استيفائها فإنَّه لا تجب الأجرة، مثل أن يستأجر حيوانًا فيموت قبل التَّمكُّن من قبضه، وهو بمنزلة أن يشتري قفيزًا من صُبرةٍ فتتلف الصُّبرة قبل القبض والتَّمييز، فإنَّه من ضمان البائع بلا نزاعٍ؛ ولهذا لو لم يتمكَّن المستأجر من ازدراع الأرض لآفةٍ حصلت لم يكن عليه الأجرة. وإن نبت الزَّرع ثمَّ حصلت آفةٌ سماويَّةٌ أتلفتْه قبل التَّمكُّن من حصاده ففيه نزاعٌ، فطائفةٌ ألحقتْه بالثَّمرة والمنفعة، وطائفةٌ فرَّقتْ. والَّذين فرَّقوا بينه وبين الثَّمرة والمنفعة قالوا: الثَّمرة هي المعقود عليها وكذلك المنفعة، وهنا الزَّرع ليس معقودًا عليه، بل المعقود عليه هو المنفعة وقد استوفاها. والذين سوَّوا بينهما قالوا: المقصود بالإجارة هو الزَّرع، فإذا حالت الآفة السَّماويَّة بينه وبين المقصود بالإجارة، كان قد تَلِفَ المقصودُ بالعقد قبل التَّمكُّن من قبضه، وإن لم يعاوض على زرعٍ، فقد عاوض على المنفعة الَّتي يتمكَّن بها المستأجر من حصول الزَّرع، فإذا حصلت الآفة السَّماويَّة المُفسِدة للزَّرع قبل التَّمكُّن من