فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في سجود القرآن
١١ فقرة، ج ٢ ص ٤٤٠
- ج ٢ ص ٤٤٠
وذكر أحمد (١) عن علي أنه سجد حين وجد ذا الثُّدَيَّة في قتلى الخوارج.
-
وذكر سعيد بن منصور (٢) أن أبا بكر الصديق سجد حين جاءه قتل مُسَيلَمة.
-
فصل
في هديه في سجود القرآن
كان - صلى الله عليه وسلم - إذا مرَّ بالسجدة كبّر وسجد. وربما قال في سجوده: «سجد وجهي للذي خلقه وشقَّ سمعه وبصره بحوله وقوته» (٣) . وربما قال: «اللهمَّ
ج ٢ ص ٤٤١احطُطْ عنِّي بها وزرًا، واكتب لي بها أجرًا، واجعلها لي عندك ذُخرًا، وتقبَّلْها منِّي كما تقبَّلتَها (١) من عبدك داود» (٢) . ذكرهما (٣) أهل «السنن» .
-
ولم ينقَل عنه أنه كان يكبِّر للرفع من هذا السجود، ولذلك لم يذكره الخِرَقي ومتقدِّمو الأصحاب. ولا نُقِل عنه فيه تشهُّد ولا سلام البتة. وأنكر أحمد والشافعي السلام فيه، فالمنصوص عن الشافعي: أنه لا تشهُّد فيه ولا تسليم (٤) . وقال أحمد: أما التسليم فلا أدري ما هو (٥) . وهذا هو الصواب الذي لا ينبغي غيره.
-
وصحَّ عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه سجد (٦) في (الم تنزيل) وفي (ص) وفي (النجم) وفي
ج ٢ ص ٤٤٢(إذا السماء انشقت) وفي (اقرأ باسم ربك الذي خلق) .
-
وذكر أبو داود (١) عن عمرو بن العاص أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقرأه خمسَ عشرةَ سجدةً، منها ثلاث في المفصَّل، وفي سورة الحج سجدتين (٢) .
-
وأما حديث أبي الدرداء (٣) : «سجدت مع رسول الله (٤) - صلى الله عليه وسلم - إحدى عشرة سجدةً ليس فيها من المفصَّل شيء: (الأعراف) و (الرعد) و (النحل) و (بني إسرائيل) و (مريم) و (الحج) و (سجدة الفرقان) و (النمل)
- ج ٢ ص ٤٤٣
و (السجدة) و (ص) و (سجدة الحواميم) »، فقال أبو داود (١) : روي عن أبي الدرداء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إحدى عشرة سجدةً، وإسناده واه.
-
وأما حديث ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لم يسجد في المفصَّل منذ تحوَّل إلى المدينة» ، رواه أبو داود (٢) = فهو (٣) حديث ضعيف. في إسناده أبو قدامة الحارث بن عبيد، لا يحتَجُّ بحديثه. قال الإمام أحمد: أبو قدامة مضطرب الحديث. وقال يحيى بن معين: ضعيف. وقال النسائي (٤) : صدوق، عنده مناكير. وقال أبو حاتم البُسْتي: كان شيخًا صالحًا ممن كثُر وهمه. وعلَّله ابن القطان (٥) بمطر الوراق وقال: كان يشبه (٦) في سوء الحفظ محمدَ بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعِيب على مسلم إخراج حديثه. انتهى كلامه.
- ج ٢ ص ٤٤٤
ولا عيب على مسلم في إخراج حديثه، لأنه ينتقي من أحاديث هذا الضَّرب ما يعلم أنه حفِظه، كما يطرح من أحاديث الثقة ما يعلم أنه غلِط فيه. فيغلط في هذا المقام من استدرك عليه (١) إخراجَ جميع حديث ذلك الثقة (٢) ، ومن ضعَّف جميع حديث ذلك السيئ الحفظ (٣) . فالأُولى: طريقة الحاكم وأمثاله، والثانية: طريقة ابن حزم وأشكاله، وطريقة مسلم هي طريقة أئمة (٤) هذا الشأن. والله المستعان.
-
وقد صحَّ عن أبي هريرة (٥) أنه سجد مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في (اقرأ باسم ربك) وفي (إذا السماء انشقت) ، وهو إنما أسلم بعد مقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينةَ بستِّ سنين أو سبع. فلو تعارض الحديثان من كلِّ وجه وتقاوما في الصحة لتعيَّن تقديمُ حديث أبي هريرة، لأنه مُثبِت، معه زيادةُ علم خفيت على ابن عباس؛ فكيف وحديث أبي هريرة في غاية الصحة متفق على صحته، وحديث ابن عباس فيه من الضعف ما فيه؟ والله الموفِّق (٦) .