الحادية عشرة: عدم كراهية الصلاة فيه وقت الزوال

٩ فقرات، ج ٢ ص ٤٦٤

  1. الحادية عشر (١) : أنه لا يكره فعلُ الصلاة فيه وقت الزوال عند الشافعي (٢) ومن وافقه، وهو اختيار شيخنا أبي العباس ابن تيمية. ولم يكن اعتماده على حديث ليث عن مجاهد عن أبي الخليل عن أبي قتادة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كره الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة وقال: «إنَّ جهنَّم تُسْجَر إلا يوم الجمعة» (٣) . وإنما كان اعتماده على أنَّ من جاء إلى الجمعة يستحَبُّ له أن يصلِّي حتى يخرج الإمام. وفي الحديث الصحيح: «لا يغتسل رجلٌ يوم الجمعة، ويتطهَّر (٤) ما استطاع من طُهرٍ، ويدَّهِن من دُهْنه، أو يمسُّ من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرِّق بين اثنين، ثم يصلِّي ما كُتِب له، ثم يُنْصِت إذا تكلَّم الإمامُ= إلا غُفِر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى». رواه البخاري (٥) .

    ج ٢ ص ٤٦٤
  2. فندَبه إلى صلاةِ ما كُتِب له، ولم يمنعه عنها إلا في وقت خروج الإمام.

  3. ولهذا قال غير واحد من السلف، منهم عمر بن الخطاب (١) ، وتبعه (٢) عليه الإمام أحمد بن حنبل (٣) : خروجُ الإمام يمنع الصلاة، وخطبتُه تمنع الكلام (٤) . فجعلوا المانع من الصلاة خروجَ الإمام، لا انتصافَ النهار.

    ج ٢ ص ٤٦٥
  4. وأيضًا فإنَّ النَّاس يكونون في المسجد تحت السُّقوف ولا يشعرون بوقت الزوال، والرجل يكون متشاغلًا بالصلاة، ولا يدري بوقت الزوال، ولا يمكنه أن يخرج، ويتخطَّى رقابَ الناس، وينظر إلى الشمس، ويرجع؛ ولا يشرع له ذلك.

  5. وحديث أبي قتادة هذا، قال أبو داود (٥) : «هو مرسل، أبو الخليل (٦) لم يسمع من أبي قتادة». والمرسل إذا اتصل به العملُ وعضَده قياس أو قولُ صحابي، أو كان مرسله معروفًا باختيار الشيوخ ورغبته عن الرواية عن الضعفاء والمتروكين ونحو ذلك، مما يقتضي قوتَه= عُمِل به.

  6. وأيضًا فقد عضَده شواهد أُخَر، منها: ما ذكره الشافعي في «كتابه» فقال: وروي عن إسحاق بن عبد الله، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاة نصفَ النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة. هكذا رواه في كتاب «اختلاف الحديث» (١) . ورواه في «كتاب الجمعة» (٢) : حدثنا إبراهيم بن محمد عن إسحاق. ورواه أبو خالد الأحمر، عن شيخ من أهل المدينة يقال له: عبد الله، عن سعيد (٣) المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (٤) .

    ج ٢ ص ٤٦٦
  7. وقد رواه البيهقي في «المعرفة» (٥) من حديث عطاء بن عجلان، عن أبي نضرة عن أبي سعيد وأبي هريرة قالا: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهى عن الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة» . ولكن إسناده فيه مَن لا يُحتَجُّ به، قاله البيهقي (٦) . قال (٧) : ولكن إذا انضمَّت هذه الأحاديث إلى رواية (٨) أبي قتادة أخذت (٩) بعض القوة.

    ج ٢ ص ٤٦٧قال الشافعي - رحمه الله - (١) : من شأن الناس: التهجيرُ إلى الجمعة والصلاةُ إلى خروج الإمام. قال البيهقي (٢) : الذي أشار إليه الشافعي موجود في الأحاديث الصحيحة، وهو أنَّ النَّبيَّ (٣) - صلى الله عليه وسلم - رغَّب في التبكير إلى الجمعة، وفي الصلاة إلى خروج الإمام من غير استثناء. وذلك يوافق هذه الأحاديث التي أبيحت فيها الصلاةُ نصفَ النهار يوم الجمعة. ورُوِّينا الرخصةَ في ذلك عن طاوس (٤) والحسن ومكحول (٥) .

    قلت: اختلف الناس في كراهة الصلاة نصف النهار على ثلاثة أقوال:

    أحدها: أنه ليس وقت كراهة بحال، وهذا مذهب مالك (٦) .

  8. والثاني: أنه وقت كراهة في يوم الجمعة وغيره. وهذا مذهب أبي حنيفة (٧) والمشهور من مذهب أحمد (٨) .

  9. والثالث: أنه وقت كراهة إلا يوم الجمعة فليس وقتَ كراهة فيه. وهذا