الرابعة والعشرون: التبكير فيه إلى المسجد

١٨ فقرة، ج ٢ ص ٤٩٣

  1. الرابعة والعشرون: أنه لما كان في الأسبوع كالعيد في العام، وكان العيد مشتملًا (١) على صلاة وقربان، وكان يومُ الجمعة يومَ صلاة= جعل الله سبحانه التعجيل فيه إلى المسجد بدلًا من القربان وقائمًا مقامه، فيجتمع للرائح فيه إلى المسجد الصلاة والقربان، كما في «الصحيحين» (٢) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «مَن راح في الساعة الأولى فكأنما قرَّب بدَنةً. ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرَّب بقرةً. ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرَّب كبشًا (٣) ».

    ج ٢ ص ٤٩٣
  2. وقد اختلف الفقهاء في هذه الساعات (٤) على قولين:

    أحدهما: أنها من أول النهار. وهذا هو المعروف في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما.

  3. والثاني: أنها أجزاء من الساعة السادسة بعد الزوال. وهذا هو المعروف في مذهب مالك، واختاره بعض الشافعية. واحتجُّوا عليه بحجَّتين:

    إحداهما: أنَّ الرَّواح لا يكون إلا بعد الزَّوال، وهو مقابل الغُدوِّ الذي لا يكون إلا قبل الزَّوال. قال تعالى: {غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ} [سبأ: ١٢] . قال الجوهري (٥) : ولا يكون (٦) إلا بعد الزوال.

  4. الحجة الثانية: أن السلف كانوا أحرص شيء على الخير، ولم يكونوا يغدُون إلى الجمعة من وقت طلوع الشمس. وأنكر مالكٌ التبكيرَ إليها في أول النهار، وقال: لم ندرك عليه أهل المدينة (١) .

    ج ٢ ص ٤٩٤
  5. واحتجَّ أصحاب القول الأول بحديث جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يوم الجمعة اثنا عشر (٢) ساعةً» (٣) . قالوا: والساعات المعهودة هي الساعات التي هي اثنا عشر (٤) . وهي نوعان: ساعات معتدلة (٥) وساعات زمانية. قالوا: ويدل على هذا القول أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - إنما بلغ بالساعات إلى سِتٍّ لم يزد عليها. ولو كانت الساعات أجزاءً صغارًا من الساعة التي تُفعَل فيها الجمعة لم

    ج ٢ ص ٤٩٥تنحصر (١)

  6. في ستة أجزاء؛ بخلاف ما إذا كان المراد بها الساعات المعهودة، فإن الساعة السادسة متى خرجت ودخلت السابعة خرج الإمام، وطُويت الصحف ولم يُكتَب لأحد قربانٌ بعد ذلك، كما جاء مصرَّحًا به في «سنن أبي داود» (٢) من حديث علي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا كان يومُ الجمعة غدَتِ الشياطين براياتها إلى الأسواق، فيرمُون الناس بالتَّرابيث (٣) ، ويثبِّطونهم عن الجمعة. وتغدو الملائكة، فتجلس على أبواب المساجد، فيكتبون الرجل من ساعة، والرجل من ساعتين، حتَّى يخرج الإمام».

    قال أبو عمر بن عبد البر (٤) : اختلف أهل العلم في تلك الساعات. فقالت طائفة منهم: أراد الساعات من طلوع الشمس وصفائها، وهو الأفضل عندهم: البكور في ذلك الوقت إلى الجمعة. وهو قول الثوري وأبي حنيفة والشافعي وأكثر العلماء، كلُّهم (٥) يستحِبُّ البكور إليها.

    ج ٢ ص ٤٩٦قال الشافعي: ولو بكَّر إليها بعد الفجر وقبل طلوع الشمس كان حسنًا. وذكر الأثرم قال: قيل لأحمد بن حنبل: كان مالك بن أنس يقول: لا ينبغي التهجير يوم الجمعة باكرًا، فقال: هذا خلافُ حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقال: سبحان الله! إلى أيِّ شيء ذهب في هذا، والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يقول: «كالمُهْدي جَزورًا» ؟

    قال: وأما مالك، فذكر يحيى بن عمر عن حرملة أنه سأل ابن وهب عن تفسير هذه الساعات: أهو الغدوُّ من أول ساعات النهار، أو إنما أراد بهذا القول ساعات الرَّواح؟ فقال ابن وهب: سألت مالكًا عن هذا، فقال: أما الذي يقع بقلبي فإنه إنما أراد ساعةً واحدةً تكون فيها هذه الساعاتُ، مَن راح في أول تلك الساعة أو الثانية أو الثالثة أو الرابعة أو الخامسة (١) . ولو لم يكن كذلك ما صُلِّيت الجمعة حتى يكون النهار تسعَ ساعات، في وقت العصر أو قريبًا من ذلك.

  7. وكان ابن حبيب ينكر قول مالكٍ هذا، ويميل إلى القول الأول، وقال: قولُ مالك هذا تحريفٌ في تأويل الحديث، ومحالٌ من وجوه. قال: وذلك أنه لا تكون ساعات في ساعة واحدة. قال: والشمس إنما تزول في الساعة السادسة من النهار، وهو وقت الأذان وخروج الإمام إلى الخطبة. فدلَّ ذلك على أن الساعات في هذا الحديث هي ساعات النهار المعروفات. فبدأ بأول ساعات النهار، فقال: «مَن راح في الساعة الأولى فكأنما قرَّب بدَنةً» . ثم قال في الخامسة: «بيضةً» . ثم انقطع التهجير، وحان وقت الأذان. قال: فشرحُ الحديث بيِّن في لفظه، ولكنه حُرِّف عن موضعه، وشُرِح بالخُلْف من القول

    ج ٢ ص ٤٩٧وما لا يتكوَّن (١) . وزهَّد شارحُه الناسَ فيما رغَّبهم فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من التهجير في أول النهار، وزعم أنَّ ذلك كلَّه إنما يجتمع في ساعة واحدة قربَ زوال الشمس. قال: وقد جاءت الآثار بالتهجير إلى الجمعة في أول النهار، وقد سُقنا ذلك في موضعه من كتاب «واضح السنن» بما فيه بيان وكفاية.

  8. هذا كلُّه قول عبد الملك بن حبيب. ثم ردَّ عليه أبو عمر، فقال (٢) : هذا منه تحاملٌ على مالك - رحمه الله -، فهو الذي قال القول الذي أنكره وجعله خُلْفًا وتحريفًا من التأويل. والذي قاله مالك تشهد له الآثار الصِّحاح من رواية الأئمة، ويشهد له أيضًا العملُ بالمدينة عنده، وهذا مما يصحُّ فيه الاحتجاج بالعمل لأنه أمر متردِّد كلَّ جمعة لا يخفى على عامة العلماء.

  9. فمن الآثار التي يُحتجُّ بها لمالك (٣) : ما رواه الزهري عن سعيد بن المسيِّب عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا كان يومُ الجمعة قام على كلِّ باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الناسَ الأوّلَ فالأوّلَ. فالمهجِّر إلى الجمعة كالمُهْدي بدَنةً، ثم الذي يليه كالمُهْدي بقرةً، ثم الذي يليه كالمُهْدي كبشًا، حتى (٤) ذكر الدجاجة والبيضة. فإذا جلس الإمام طُويت الصُّحف، واستمعوا الخطبة» (٥) .

    ج ٢ ص ٤٩٨قال: ألا ترى ما (١) في هذا الحديث أنَّه قال: «يكتبون الناس الأول فالأول. المهجِّر إلى الجمعة كالمُهْدي بدنةً، ثم الذي يليه» الحديث. فجعل الأول مهجِّرًا. وهذه اللفظة إنما هي مأخوذة من الهاجرة والهَجير، وذلك وقت النهوض إلى الجمعة. وليس ذلك وقت طلوع الشمس، لأنَّ ذلك الوقت ليس بهاجرة ولا هَجير. وفي الحديث: «ثم الذي يليه، ثم الذي يليه» ولم يذكر الساعة.

    قال: والطرق بهذا اللفظ كثيرة مذكورة في «التمهيد» (٢) . وفي بعضها: «المتعجِّل إلى الجمعة كالمُهْدي بدَنةً» . وفي أكثرها: «المهجِّر إلى الجمعة كالمُهْدي بدَنة ... » الحديث. وفي بعضها ما يدل على أنه جعل الرائح إلى الجمعة في أول الساعة كالمُهْدي بدنةً، وفي آخرها كذلك. وفي أول الساعة الثانية كالمُهْدي (٣) بقرةً، وفي آخرها كذلك.

    وقال بعض أصحاب الشافعي: لم يُرد النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «المهجِّر إلى الجمعة كالمُهْدي بدنةً» الناهضَ إليها في الهجير والهاجرة، وإنما أراد التارك لأشغاله وأعماله من طلبِ الدنيا للنهوض إلى الجمعة كالمُهْدي بدنةً (٤) .

  10. وذلك مأخوذ من الهجرة، وهو تركُ الوطن (١) والنهوضُ إلى غيره، ومنه سمِّي المهاجرون. قال الشافعي: أحبُّ التبكير إلى الجمعة، ولا تُؤتى إلا مشيًا.

    ج ٢ ص ٤٩٩
  11. هذا كلُّه كلام أبي عمر.

    قلت: ومدار إنكار التبكير أوَّلَ النَّهار على ثلاثة أمور، أحدها: على لفظة «الرَّواح» ، وأنها لا تكون إلا بعد الزوال. والثاني: لفظة «التهجير» ، وهي إنما تكون بالهاجرة وقت شدَّة الحرِّ. والثالث: عمل أهل المدينة، فإنَّهم لم يكونوا يأتون من أول النهار.

  12. فأما لفظة «الرَّواح» ، فلا ريب أنَّها تُطلَق على المضيِّ بعد الزَّوال. وهذا إنما يكون في الأكثر إذا قُرنت بالغُدوِّ، كقوله تعالى: {غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ} [سبأ: ١٢] ، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من غدا إلى المسجد وراح أعدَّ الله له نُزُلًا في الجنَّة كلمَّا غدا وراح» (٢) ، وقول الشاعر (٣) :

    نروح ونغدو لحاجاتنا ... وحاجةُ مَن عاش لا تنقضي

    وقد يطلَق الرَّواحُ بمعنى الذهاب والمُضيِّ، وهذا إنما يجيء إذا كانت

    ج ٢ ص ٥٠٠مجرَّدةً عن الاقتران (١) بالغُدوِّ. قال (٢) الأزهري في «التهذيب» (٣) : سمعت العرب تستعمل الرَّواحَ في السَّير كلَّ وقت. تقول: راح القوم، إذا ساروا وغدَوا. ويقول أحدهم لصاحبه: تروَّحْ. ويخاطب أصحابه، فيقول: رُوحوا أي سيروا. ويقول الآخر: ألا تروحون؟ ونحو ذلك ما جاء في الأخبار الصحيحة الثابتة، وهو بمعنى المضيِّ إلى الجمعة والخفَّة إليها، لا بمعنى الرَّواح بالعشي (٤) .

  13. وأما لفظ التهجير والهجير (٥) والمهجِّر فمن الهَجْر (٦) والهاجرة. قال الجوهري (٧) : هي نصف النهار عند اشتداد الحرِّ. تقول منه: هجَّر النَّهارُ. قال امرؤ القيس (٨) :

    فدَعْها وسَلِّ الهَمَّ عنها بجَسْرةٍ ... ذَمُولٍ إذا صام النَّهارُ وهجَّرا

    ج ٢ ص ٥٠١ويقال: أتينا أهلَنا مُهْجِرين، أي في وقت الهاجرة. والتهجير والتهجُّر (١) : السَّير في الهاجرة.

  14. فهذا ما يقرَّر به قولُ أهل المدينة.

    قال الآخرون: الكلام في لفظ التهجير كالكلام في لفظ الرَّواح، فإنه يطلق ويراد به التبكير. قال الأزهري في «التهذيب» (٢) : روى مالك (٣) عن سُمَيٍّ عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لو يعلم الناسُ ما في التهجير لَاسْتَبقُوا إليه» . وفي حديث آخر مرفوع: «المهجِّر إلى الجمعة كالمُهْدي بدَنةً» . قال: يذهب كثير من الناس إلى أنَّ التهجير في هذه الأحاديث من الهاجرة وقتَ الزَّوال، وهو غلط. والصواب فيه ما روى أبو داود المصاحفي عن النَّضْر بن شُمَيل أنه قال: التهجير (٤) إلى الجمعة وغيرها: التبكير. قال: وسمعت الخليل يقول ذلك، قاله في تفسير هذا الحديث. قال الأزهري: وهذا صحيح. وهي لغة أهل الحجاز ومن جاورهم من قيس. قال لبيد:

    راحَ القَطينُ بهَجْرٍ بعد ما ابتكروا (٥)

  15. فقرَنَ الهَجْرَ بالابتكار. والرَّواحُ عندهم: الذهاب والمضي. يقال: راح القوم إذا خفُّوا ومرُّوا أيَّ وقت كان.

    ج ٢ ص ٥٠٢
  16. وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لو يعلم الناسُ ما في التهجير لَاسْتَبقُوا إليه» أراد التبكير إلى جميع الصلوات، وهو المضيُّ إليها في أول أوقاتها. قال الأزهري: وسائر العرب يقولون: هجَّر الرجلُ، إذا خرج بالهاجرة. وروى أبو عبيد عن أبي زيد: هجَّر الرجلُ، إذا خرج بالهاجرة. قال: وهي نصف النهار.

    ثم قال الأزهري: أنشدني المنذري (١) فيما روى لثعلب عن ابن الأعرابي في «نوادره» قال: قال جِعْثِنَة (٢) بن جوَّاس الرَّبَعي في ناقته:

    هل تذكرين قسَمي ونَذْري ... أزمانَ أنتِ بعَرُوضِ الجَفْرِ (٣)

    إذ أنتِ مِضْرارٌ جوادُ الحُضْرِ ... عليَّ إن لم تنهَضي بوِقْرِ (٤)

    بأربعين قُدِّرتْ بقَدْرِ ... بالخالديِّ لا بصاعِ حَجْرِ (٥)

    ج ٢ ص ٥٠٣وتصحَبي أَيانِقًا في سَفْر ... يهجِّرون بهَجِير الفجر (١)

    ثُمَّتَ تَسْري (٢) ليلهم فتَسْري ... يطوُون أعراضَ الفِجَاج الغُبْر

    طيَّ أخي التَّجْرِ بُرودَ التَّجْرِ (٣)

    قال الأزهري: «يهجِّرون بهجير الفجر» أي يبكِّرون بوقت الفجر.

  17. وأما كون أهل المدينة لم يكونوا يروحون إلى الجمعة أولَ النهار، فهذا غايته أنه عملهم في زمان مالك - رحمه الله -، وهذا ليس بحجة ولا عند من يقول: إجماع أهل المدينة حجة، فإنَّ هذا ليس فيه إلا تركُ الرَّواح إلى الجمعة من أول النهار، وهذا جائز بالضرورة. وقد يكون اشتغالُ الرجل بمصالحه (٤) ومصالح أهله ومعايشه (٥) وغير ذلك من أمور دينه ودنياه أفضلَ من رواحه إلى الجمعة من أول النهار.

  18. ولا ريب أنَّ انتظارَ الصلاة بعد الصلاة وجلوسَ الرجل في مصلَّاه حتى يصلِّي الصلاة الأخرى أفضل من ذهابه ورجوعه في وقت الثانية، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «والذي ينتظر الصلاة حتى يصلِّيها مع الإمام أفضل من الذي يصلِّي ثم يرجع إلى أهله» (٦) . وأخبر أنَّ الملائكة لم تزل تصلِّي عليه ما دام