التطوع المطلق قبل الجمعة
١٤ فقرة، ج ٢ ص ٥٤٦
- ج ٢ ص ٥٤٦
إسماعيل، ثنا أيوب، عن نافع قال: كان ابن عمر يطيل الصلاة قبل الجمعة، ويصلِّي بعدها ركعتين في بيته. وحدّث أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يفعل ذلك.
-
وهذا لا حجَّة فيه على أنَّ للجمعة سنَّةً قبلها، وإنما أراد بقوله: «إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يفعل ذلك» أنه كان يصلِّي الركعتين بعد الجمعة في بيته، ولا يصلِّيهما في المسجد. وهذا هو الأفضل فيهما، كما ثبت في «الصحيحين» (١) عن ابن عمر أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلِّي بعد الجمعة ركعتين في بيته.
-
وفي «السنن» (٢) عن ابن عمر أنه إذا كان بمكة فصلَّى الجمعة تقدَّم فصلَّى ركعتين، ثم تقدَّم فصلَّى أربعًا. وإذا كان بالمدينة صلَّى الجمعة، ثم رجع إلى بيته، فصلَّى ركعتين، ولم يصلِّ في المسجد. فقيل له، فقال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعل ذلك.
-
وأما إطالة ابن عمر الصلاةَ قبل الجمعة فإنه تطوُّع مطلَق. وهذا هو الأولى لمن جاء إلى الجمعة: أن يشتغل بالصلاة حتى يخرج الإمام، كما تقدَّم من حديث أبي هريرة ونُبَيشة الهذلي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -:
قال أبو هريرة (٣) : «من اغتسل يوم الجمعة ثم أتى الجمعةَ (٤) فصلَّى ما
ج ٢ ص ٥٤٧قُدِّر له، ثم أنصَت حتى يفرغَ الإمام من خطبته، ثم يصلِّي معه= غُفِر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وفضلُ ثلاثة أيام» (١) .
-
وفي حديث نُبَيشة الهذلي: «إنَّ المسلم إذا اغتسل يوم الجمعة ثم أقبل إلى المسجد لا يؤذي أحدًا، فإن لم يجد الإمامَ خرَجَ صلّى ما بدا له، وإن وجد الإمام خرَج جلَس، واستمَع وأنصت حتى يقضي الإمام جمعته وكلامه= إن لم يُغفَر له في جمعته تلك ذنوبُه كلُّها أن تكون كفارةً للجمعة التي تليها» (٢) .
-
وهكذا كان هدي الصحابة - رضي الله عنهم - (٣) . قال ابن المنذر (٤) : رُوِّينا عن ابن عمر أنه كان يصلِّي قبل الجمعة اثنتي عشرة ركعةً. وعن ابن عباس أنه كان يصلِّي ثمان ركعات.
-
وهذا دليل على أن ذلك منهم كان من باب التطوُّع المطلق، ولذلك اختلف العدد المرويّ عنهم في ذلك. وقال الترمذي في «الجامع» (٥) : وروي عن ابن مسعود أنه كان يصلِّي قبل الجمعة أربعًا وبعدها أربعًا. وإليه ذهب ابن المبارك والثوري.
ج ٢ ص ٥٤٨وقال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري (١) : رأيت أبا عبد الله إذا كان يوم الجمعة يصلِّي إلى أن يعلم أنَّ الشمس قد قاربت أن تزول. فإذا قاربت أمسك عن الصلاة حتى يؤذِّن المؤذن. فإذا أخذ في الأذان قام فصلَّى ركعتين أو أربعًا يفصل بينهما بالسلام. فإذا صلَّى الفريضة انتظر في المسجد، ثم يخرج منه فيأتي بعضَ المساجد التي بحضرة الجامع، فيصلِّي فيه ركعتين، ثم يجلس. وربما صلَّى أربعًا، ثم يجلس، ثم يقوم فيصلِّي ركعتين أخريين. فتلك ستُّ ركعات على حديث علي. وربما صلَّى بعد الستِّ ستًّا أُخَر أو أقلَّ أو أكثر.
-
وقد أخذ من هذا بعضُ أصحابه روايةً عنه: أنَّ للجمعة قبلها سنَّةً ركعتين أو أربعًا. وليس هذا بصريح، بل ولا ظاهر؛ فإنَّ أحمد كان يمسك عن الصلاة في وقت النهي، فإذا زال وقتُ النهي قام فأتمَّ تطوُّعَه إلى خروج الإمام، فربما أدرك أربعًا، وربما لم يدرك إلا ركعتين.
-
ومنهم من احتجَّ على ثبوت السنَّة قبلها بما رواه ابن ماجه في «سننه» (٢) : ثنا محمد بن يحيى، ثنا يزيد بن عبد ربِّه، ثنا بقية، عن مبشِّر بن عبيد، عن حجَّاج بن أرطاة، عن عطية العوفي، عن ابن عباس قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يركع من قبل الجمعة أربعًا، لا يفصل في شيء منهنَّ» . قال ابن ماجه: باب الصلاة قبل الجمعة، فذكره.
-
وهذا الحديث فيه عدة بلايا:
ج ٢ ص ٥٤٩أحدها (١) : بقية بن الوليد، إمام المدلِّسين، وقد عنعنه ولم يصرِّح بالسماع.
-
الثانية: مبشِّر بن عبيد، المنكرَ الحديث.
-
الثالثة: الحجاج بن أرطاة، الضعيف المدلِّس.
-
الرابعة: عطية العوفي، قال البخاري (٢) : كان هُشَيم يتكلَّم فيه، وضعَّفه أحمد وغيره (٣) .
قال عبد الله بن الإمام أحمد (٤) : سمعت أبي يقول: شيخ يقال له: مبشِّر بن عبيد، كان يكون بحمص، أظنُّه كوفيًّا، روى عنه بقية وأبو المغيرة، أحاديثه أحاديث موضوعة كذب. وقال الدارقطني (٥) : مبشِّر بن عُبيد متروك الحديث، أحاديثه لا يتابع عليها (٦) .
وقال البيهقي (٧) : عطية العوفي لا يحتجُّ به. ومبشِّر بن عبيد الحمصي
ج ٢ ص ٥٥٠منسوب إلى وضع الحديث. والحجَّاج بن أرطاة لا يحتجُّ به.
قال بعضهم (١) : ولعل الحديث انقلب على أحد (٢) هؤلاء (٣) الضعفاء لعدم (٤) ضبطهم وإتقانهم، فقال: «قبل الجمعة أربعًا» . وإنما هو «بعد الجمعة» ، فيكون موافقًا لما ثبت في «الصحيح» .
قال: ونظير هذا قول الشافعي في رواية عبد الله بن عمر العمري: «للفارس سهمَين وللراجل سهمًا (٥) ». قال الشافعي (٦) : كأنه سمع نافعًا يقول: «للفرس سهمين، وللراجل سهمًا» ، فقال: «للفارس سهمين، وللراجل سهمًا» (٧) . يعني: فيكون موافقًا لرواية أخيه عبيد الله. قال: وليس يشكُّ أحد من أهل العلم في تقدمة عبيد الله بن عمر على أخيه في الحفظ (٨) .
قلت: ونظير هذا ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في حديث أبي
ج ٢ ص ٥٥١هريرة (١) : «لا تزال جهنَّم يُلقى فيها، وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع ربُّ العزة فيها قدمه، فينزوي بعضُها إلى بعض، وتقول (٢) : قَطْ قَطْ. وأما الجنة: فينشئ الله لها خلقًا آخرين»، فانقلب على بعض الرواة فقال: «وأما النار فينشئ الله لها خلقًا آخرين» .
قلت: ونظيره أيضًا حديث عائشة: «إنَّ بلالًا يؤذِّن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذِّن ابن أم مكتوم» وهو في «الصحيحين» (٣) ، فانقلب على بعض الرواة فقال: «ابنُ أم مكتوم يؤذِّن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذِّنَ بلال» .
-
ونظيره أيضًا عندي حديث أبي هريرة: «إذا صلَّى أحدكم فلا يبرُكْ كما يبرُك البعير، وليضَعْ يديه قبل ركبتيه» . وأظنُّه (٤) ــ والله أعلم بما (٥) قاله رسوله الصادق المصدوق ــ: «وليضع ركبتيه قبل يديه» كما قال وائل بن حُجْر: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه» ، قال الخطابي