فصل في مبعثه وأول ما أنزل عليه
٨ فقرات، ج ٢ ص ٧٠
- ج ٢ ص ٧٠
بعثه الله على رأس أربعين، وهي سنُّ الكمال. قيل: ولها تبعث الرسل. وأما ما يُذكر عن المسيح أنه رُفِع إلى السماء وله ثلاث وثلاثون سنةً، فهذا لا يُعرَف به أثرٌ متصلٌ يجب المصير إليه (١) .
-
وأول ما بدئ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أمر النبوة: الرؤيا، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فَلَق الصبح. قيل: وكان ذلك ستة أشهر، ومدة النبوة ثلاث وعشرون سنةً، فهذه الرؤيا منها (٢) جزء من ستة وأربعين جزءًا. والله أعلم.
-
ثم أكرمه الله سبحانه بالنبوة، فجاءه الملك وهو بغار حراء، وكان يُحِبُّ الخلوة فيه، فأول ما أنزل عليه {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: ١] هذا قول عائشة (٣) والجمهور. وقال جابر: أول ما أنزل عليه {رَحِيمٌ (٢٠) } [المدثر: ١] (٤) .
- والصحيح قول عائشة لوجوه:
- ج ٢ ص ٧١
أحدها: أنّ قوله: «ما أنا بقارئ» ، صريح في أنه لم يقرأ قبل ذلك شيئًا.
-
الثاني: أنّ الأمر بالقراءة في الترتيب قبل الأمر بالإنذار، فإنه إذا قرأ في نفسه أنذر ما قرأه؛ فأمره بالقراءة أولًا، ثم بإنذار ما (١) قرأه ثانيًا.
-
الثالث: أن حديث جابر وقوله: «أول ما أنزل الله عليه من القرآن {رَحِيمٌ (٢٠) }» قول جابر، وعائشة أخبرت عن خبره - صلى الله عليه وسلم - عن نفسه بذلك.
-
الرابع: أن حديث جابر الذي احتجَّ به صريح في أنه قد تقدَّم نزولُ الملك عليه أولًا قبل نزول {رَحِيمٌ (٢٠) } فإنه قال: «فرفعتُ رأسي، فإذا الملك الذي جاءني بحراء. فرجعت إلى أهلي، فقلت: زمِّلوني، دثِّروني؛ فأنزل الله {رَحِيمٌ (٢٠) }». وقد أخبر أن الملك الذي جاءه بحراء أنزل عليه {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} . فدلَّ حديث جابر على تأخُّرِ نزول «المدثر» (٢) ، والحجة في روايته، لا في رأيه. والله أعلم.