فصل في هديه - صلى الله عليه وسلم - في صدقة التطوع

٦ فقرات، ج ٣ ص ٢٦

  1. وكان من هديه تخصيصُ المساكين بهذه الصدقة، ولم يكن يقسمها على الأصناف الثمانية قبضةً قبضةً، ولا أمرَ بذلك، ولا فعلَه أحد من أصحابه ولا مَن بعدهم، بل أحد القولين عندنا: أنه لا يجوز إخراجُها إلا على المساكين خاصَّةً، وهذا القول أرجحُ من القول بوجوب قسمتها على الأصناف الثمانية (١) .

    ج ٣ ص ٢٦
  2. فصل

    في هديه في صدقة التطوع

    كان - صلى الله عليه وسلم - أعظم الناس صدقةً بما ملكتْ يدُه، وكان لا يستكثر شيئًا أعطاه لله ولا يستقِلُّه، وكان لا يُسأَل (٢) شيئًا عنده إلا أعطاه، قليلًا كان أو كثيرًا، وكان عطاؤه عطاءَ من لا يخاف الفقر، وكان العطاء والصدقة أحبَّ شيء إليه، وكان سرورُه وفرحُه بما يعطيه أعظمَ من سرورِ الآخذ بما يأخذه، وكان أجودَ الناس بالخير، يمينُه كالريح المرسلة.

  3. وكان إذا عرض له محتاج آثَره على نفسه، تارةً بطعامه، وتارةً بلباسه.

  4. وكان يتنوَّع (٣) في أصناف عطائه وصدقته، فتارةً بالهبة، وتارةً بالصدقة (٤) ،

    ج ٣ ص ٢٧وتارةً بالهدية (١) ، وتارةً يَشتري (٢) الشيء ثم يعطي البائع الثمنَ والسِّلْعةَ جميعًا، كما فعل بجابر (٣) (٤) . وتارةً كان يقترض الشيءَ فيردُّ أكثرَ منه وأفضلَ (٥) ، ويشتري الشيءَ فيعطي أكثر من ثمنه. ويقبل الهديةَ ويكافئ عليها بأكثَر منها أو بأضعافها، تلطُّفًا وتنوُّعًا (٦) في ضروب الصدقة والإحسان بكل ممكن.

  5. وكانت صدقتُه وإحسانه بما يملكه وبحاله وبقوله، فيُخرِج ما عنده، ويأمر بالصدقة ويحضُّ عليها، ويدعو إليها بحاله وقوله، فإذا رآه البخيل الشَّحيح دعاه حاله إلى البذل والعطاء، وكان من خالطه وصَحِبَه ورأى هديَه لا يملك نفسه عن السماحة والنَّدى.

  6. وكان هديه يدعو إلى الإحسان والصدقة والمعروف، ولذلك كان أشرحَ الخَلْق (٧) صدرًا، وأطيبَهم نفسًا، وأنعمَهم قلبًا، فإن للصدقة وفِعْل المعروف تأثيرًا عجيبًا في شرح الصدر، فانضاف (٨) ذلك إلى ما خصَّه الله به من شَرْحِ صدره للنبوة والرسالة وخصائصها وتوابعها، وشَرْحِ صدره حسًّا وإخراجِ حظِّ (٩) الشيطان منه.