- النهي عن الوصال
١٥ فقرة، ج ٣ ص ٣٨
- ج ٣ ص ٣٨
وكان يخصُّ رمضان من العبادة بما (١) لا يخصُّ به غيره من الشُّهور، حتَّى إنَّه كان ليواصل فيه (٢) أحيانًا ليوفِّر ساعاتِ ليله ونهاره على العبادة، وكان ينهى أصحابه عن الوصال، فيقولون له: فإنَّك تواصل، فيقول: «لستُ كهيئتِكم، إنِّي أبيت ـ وفي روايةٍ: إنِّي (٣) أظلُّ ـ عند ربِّي يُطعمني ويَسقيني» (٤) .
-
وقد اختلف النَّاس في هذا الطَّعام والشَّراب المذكور (٥) على قولين.
-
أحدهما: أنَّه طعامٌ وشرابٌ حسِّيٌّ للفم، قالوا: وهذا حقيقة اللَّفظ، ولا موجِبَ للعدول عنها.
-
والثَّاني: أنَّ المراد به ما يُغذِّيه الله به من معارفه، وما يفيض على قلبه من لذَّة مناجاته، وقُرَّة عينه بقربه، ونعيمه (٦) بحبِّه، والشَّوق إليه، وتوابع ذلك من الأحوال الَّتي هي غذاء القلوب، ونعيم الأرواح، وقرَّة العين، وبهجة النُّفوس. فللرُّوح والقلب بها (٧) أعظمُ غذاءٍ وأجلُّه وأنفعُه، وقد يَقوى هذا
ج ٣ ص ٣٩الغذاءُ حتَّى يُغني عن غذاء الأجسام مدَّةً من الزَّمان، كما قيل (١) :
لها أحاديثُ من ذكراك تَشْغَلُها ... عن الشَّراب وتُلهِيها عن الزَّادِ
لها بوجهك نورٌ تستضيء به ... ومن حديثك في أعقابها حادي
إذا شَكَتْ (٢) من كَلالِ السَّير أوعدَها ... روح القدوم فتحيا عند ميعاد
ومن له أدنى تجربةٍ وذوق (٣) يعلم استغناء الجسم بغذاء القلب والرُّوح عن كثيرٍ من الغذاء الحيوانيِّ، ولا سيَّما المسرور الفرحان الظَّافر بمطلوبه، الذي قد قرَّت عينُه بمحبوبه، وتنعَّم بقربه، والرِّضى عنه، وألطافُ محبوبه وهداياه وتُحَفُه تصل إليه كلَّ وقتٍ، ومحبوبه حفيٌّ به، معتنٍ بأمره، مُكرِمٌ له غايةَ الإكرام مع المحبَّة التَّامَّة له، أفليس في هذا أعظمُ غذاءٍ لهذا المحبِّ؟ فكيف بالحبيب الذي لا شيء أجلُّ منه ولا أعظم ولا أجمل ولا أكمل ولا أعظم إحسانًا إذا امتلأ قلب المحبِّ بحبِّه، وملكَ حبُّه (٤) جميعَ أجزاء قلبه وجوارحه، وتمكَّن حبُّه منه أعظمَ تمكُّنٍ. وهذا حاله مع حبيبه، أفليس هذا المحبُّ عند حبيبه يُطعمه ويَسقيه ليلًا ونهارًا؟ ولهذا قال: «إنِّي أظلُّ عند ربِّي يُطعمني ويَسقيني» . ولو كان ذلك طعامًا وشرابًا للفم لما كان صائمًا فضلًا عن أن يكون مواصلًا.
- ج ٣ ص ٤٠
وأيضًا فلو كان ذلك باللَّيل لم يكن مواصلًا، ولقال للصحابة ــ إذ قالوا له: إنَّك تواصل ــ: لستُ (١) أواصل، ولم يقل: «لستُ كهيئتكم» ، فأقرَّهم على نسبة الوصال إليه، وقطعَ الإلحاقَ بينه وبينهم في ذلك بما بيَّنه من الفارق، كما في «صحيح مسلم» (٢) من حديث عبد الله بن عمر أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واصلَ في رمضان فواصلَ النَّاس، فنهاهم، قيل له: أنت تواصل، قال: «إنِّي لستُ مثلكم، إنِّي أُطعَم وأُسقى» .
-
وفي (٣) سياق البخاريِّ (٤) لهذا الحديث: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الوصال، قالوا: إنَّك تواصل. قال (٥) : «إنِّي لستُ مثلكم، إنِّي أُطعَم وأُسقى» .
-
وفي «الصَّحيحين» (٦) من حديث أبي هريرة: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الوصال، فقال رجلٌ من المسلمين: فإنَّك يا رسول الله تواصل، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «وأيُّكم مثلي؟ إنِّي أبيتُ يُطعِمني ربِّي ويَسقيني» .
-
وفي «الصحيحين» مثله من حديث عائشة وأنس (٧) . وفي بعض ألفاظ
ج ٣ ص ٤١حديث أنس (١) : «إني أظلُّ يُطعمني ربي ويَسقيني» (٢) .
-
وأيضًا فإنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لمَّا نهاهم عن الوصال فأبَوا أن ينتهوا واصلَ بهم يومًا، ثمَّ يومًا (٣) ، ثمَّ رأوا الهلال فقال: «لو تأخَّر الهلال لزدتُكم» كالمنكِّل لهم حين أبَوا أن ينتهوا عن الوصال (٤) .
-
وفي لفظٍ آخر (٥) : «لو مُدَّ لنا الشَّهر لواصَلْنا وِصالًا يَدَعُ المتعمِّقون تعمُّقهم، إنِّي لستُ مثلكم» ، أو قال: «إنَّكم لستم مثلي، إنِّي أظلُّ يُطعِمني ربِّي ويسقيني» . فأخبر أنَّه يُطعَم ويسقى مع كونه مواصلًا، وقد فعل فعْلَهم منكِّلًا بهم معجِّزًا لهم (٦) ، فلو كان يأكل ويشرب لما كان في ذلك تنكيلٌ (٧) ولا تعجيزٌ، بل ولا وصالٌ، وهذا بحمد الله واضحٌ.
-
وقد نهى - صلى الله عليه وسلم - عن الوصال رحمةً بالأمَّة، وأذن فيه إلى السَّحر، ففي «صحيح البخاريِّ» (٨) عن أبي سعيدٍ الخدريِّ أنَّه سمع النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا تُواصِلوا، فأيُّكم أراد أن يواصلَ فليواصلْ إلى السَّحر» .
- ج ٣ ص ٤٢
فإن قيل: فما حكم هذه المسألة، وهل الوصال جائزٌ أو محرَّمٌ أو مكروهٌ؟
-
قيل: قد اختلف النَّاس في هذه المسألة على ثلاثة أقوالٍ:
أحدها: أنَّه جائزٌ لمن (١) قدر عليه، وهذا يُروى عن عبد الله بن الزبير (٢) وغيره من السَّلف (٣) ، وكان ابن الزبير يواصل الأيَّام. ومن حجَّة أرباب هذا القول أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - واصل بالصَّحابة مع نهيه لهم عن الوصال، كما في «الصَّحيحين» (٤) من حديث أبي هريرة: أنَّه نهى عن الوصال وقال: «إنِّي لستُ كهيئتكم» ، فلمَّا أبوا أن ينتهوا واصلَ بهم يومًا ثمَّ يومًا (٥) . فهذا فيه وصاله بهم بعد نهيه عن الوصال، فلو كان النَّهي للتَّحريم لما أبوا أن ينتهوا، ولَمَا أقرَّهم عليه بعد ذلك.
قالوا: فلمَّا فعلوه بعد نهيه وهو يعلم ويُقِرُّهم، عُلِم أنَّه أراد الرَّحمة بهم والتَّخفيف عنهم، وقد قالت عائشة: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الوصال رحمةً لهم» . متَّفقٌ عليه (٦) .
وقالت طائفةٌ أخرى: لا يجوز الوصال، منهم مالك وأبو حنيفة
ج ٣ ص ٤٣والشَّافعيُّ والثَّوريُّ. قال ابن عبد البرِّ (١) ــ وقد حكاه عنهم ــ: إنَّهم لم يجيزوه لأحدٍ (٢) .
قلت: الشَّافعيُّ نصَّ على كراهته (٣) ، واختلف أصحابه هل هي كراهة تحريمٍ أو تنزيهٍ؟ على وجهين، واحتجَّ المحرِّمون بنهي النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قالوا: والنَّهي يقتضي التَّحريم.
قالوا: وقول عائشة: «رحمةً لهم» لا يمنع أن يكون للتَّحريم، بل يؤكِّده، فإنَّ من رحمته لهم أن حرَّمه عليهم، بل سائر مناهيه للأمَّة رحمةٌ وحميةٌ (٤) وصيانةٌ.
قالوا: وأمَّا مواصلته بهم بعد نهيه فلم يكن تقريرًا لهم، كيف وقد نهاهم، ولكن تقريعًا وتنكيلًا، فاحتمل منهم الوصال بعد نهيه لأجل مصلحة النَّهي في تأكيد زجرهم، وبيانِ الحكمة في نهيهم عنه بظهور المفسدة الَّتي نهاهم لأجلها لهم، فإذا ظهرت لهم مفسدة الوصال وظهرت حكمة النَّهي عنه كان ذلك أدعى إلى قبولهم وتركهم له، فإنَّهم إذا ظهر لهم ما في (٥) الوصال وأحسُّوا منه بالملل في العبادة والتَّقصير فيما هو أهمُّ وأرجح من وظائف الدِّين: من القوَّة في أمر اللَّه، والخشوع في فرائضه، والإتيان بحقوقها الظَّاهرة والباطنة، والجوع الشَّديد ينافي ذلك ويحول بين العبد وبينه= تبيَّن لهم
ج ٣ ص ٤٤حكمة النَّهي عن الوصال، والمفسدة الَّتي فيه لهم دونه - صلى الله عليه وسلم -.
قالوا: وليس إقراره لهم على الوصال لهذه المصلحة الرَّاجحة بأعظم من إقرار (١) الأعرابيِّ على البول في مسجده (٢) لمصلحة التَّأليف، ولئلَّا ينفِر عن الإسلام، ولا بأعظم من إقراره المسيء في صلاته على الصَّلاة الَّتي أخبر - صلى الله عليه وسلم - أنَّها ليست صلاةً (٣) ، وأنَّ فاعلها غير مصلٍّ، بل هي صلاةٌ باطلةٌ في دينه، فأقرَّه عليها لمصلحة تعليمه وقبوله بعد الفراغ، فإنَّه أبلغ في التَّعليم والتَّعلُّم.
قالوا: وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أمرتُكم بشيء فأْتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتُكم عن شيءٍ فاجتنبوه» (٤) .
قالوا: وقد ذكر في الحديث ما يدلُّ على أنَّ الوصال من خصائصه، فقال: «إنِّي لست كهيئتكم» ، ولو كان مباحًا لم يكن من خصائصه.
قالوا: وفي «الصَّحيحين» (٥) من حديث عمر بن الخطَّاب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أقبل اللَّيلُ من هاهنا، وأدبر النَّهار من هاهنا (٦) ، وغَرَبتِ الشَّمس، فقد أفطر الصَّائم». وفي «الصَّحيحين» نحوه (٧) من حديث
ج ٣ ص ٤٥عبد الله بن أبي أوفى (١) .
قالوا: فجعله مفطرًا حكمًا بدخول وقت الفطر وإن لم يفطر، وذلك يحيل الوصال شرعًا.
قالوا: وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تزال أمَّتي على الفطرة، ولا تزال أمَّتي بخيرٍ ما عجَّلوا الفطر» (٢) .
-
وفي «السُّنن» (٣) عنه: «لا يزال الدِّين ظاهرًا ما عجَّل النَّاس الفطر، لأنَّ (٤) اليهود والنَّصارى يؤخِّرون».
-
وفي «السُّنن» (٥) عنه قال: «قال الله عزَّ وجلَّ: أحبُّ عبادي إليَّ أعجلُهم فطرًا» .